امي واخويا

أمي وأخويا بدأوا يضحكوا أول ما دخلت قاعة المحكمة. أخويا برطم بابتسامة صفراء وهو بيقول بصوا عليها بس، على ما الجلسة دي تخلص مش هيكون حيلتها لبة، دي أضعف بكتير من إنها تقف في وشنا.
بس كان فيه حاجة هما الاتنين ميعرفوهاش عني.
وفي اللحظة اللي القاضي رفع فيها عينه من الملف اللي قدامه، كل حاجة اتبدلت.
سأل وهو باين عليه الصدمة فيكتوريا اوزنز؟ ثواني.. هو أنتِ فعلاً؟
كان عندي 25 سنة لما أهلي حاولوا يدمروني قدام قاعة المحكمة كلها.
صوت ضحكهم كان بيرن في الحيطان الرخام، وأمي إليانور ميلت على أخويا الكبير جوليان وهي بتتكلم بصوت عالي كفاية عشان أسمع كل كلمة.
همست ببرود احنا هناخد منها كل حاجة النهاردة، عمر ما كان عندها الشجاعة إنها تقف وتدافع عن نفسها.
جوليان ابتسم ابتسامة لئيمة وظبط كمام بدلة الماركة بتاعته البدلة اللي اشتراها بفلوس كان المفروض تكون بتاعتي أنا أصلاً. بعدين بصلي بثقة عمياء بتاعة واحد بيحتفل بالنصر من قبل ما المعركة تبدأ.
طول حياتي، كانوا فاكرين سكوتي ضعف.
وده كان أكبر غلط في حساباتهم عمرهم ما عملوه.
حاجب المحكمة نده القضية رقم 14ب. اوزنز ضد اوزنز.
قربت لِقدام براحة وأنا حاضنة في جنبي دوسيه جلد قديم. القاضي هاريسون فانس فر الصفحات الأولى من ملف القضية بمهنية وهدوء.
وبعدين رفع عينه.
قاعة المحكمة كلها كأنها اتجمدت.
ابتسامة أمي اختفت في ثانية.
ملامح الصدمة والمعرفة ظهرت على وش القاضي.
كرر تاني بس بصوت أوطى فيكتوريا اوزنز؟ هو أنتِ بجد؟
ورايا، أمي خدت نفس سريع ومكتوم. جوليان اتحرك في كرسيه بقلق، وثقته بدأت تتهز فجأة.
القاضي فانس قال

أنا فاكرك من لجنة المناقشة الشفوية لمنحة فانغارد من تلات سنين، أنتِ كنتِ المرشحة الأولى وبإجماع الآراء.
الهمهمات والوشوشة انتشرت في القاعة زي النار في الهشيم.
لسنين، أهلي كانوا بيطلعوني فاشلة ومقصرة، ومش متزنة، ومليش لازمة. كانوا بيخبوا أي جواب قبول يجيلي، أي تكريم أكاديمي، أي إشارة تبين إني بابني مستقبل مش هيعرفوا يتحكموا فيه بعد كده.
جوليان ضحك بمرارة وقال المرشحة الأولى؟ هي دي؟ أنت أكيد بتهزر.
القاضي فانس التفت ناحيته، والدفا اللي في ملامحه اختفى تماماً في لحظة.
وقال بحدة المحكمة دي ليها احترامها، لو قاطعت تاني هطردك برة.
وبعدين بصلي تاني.
آنسة اوزنز، اتفضلي اقربي واعرضي الجدول الزمني بتاعك الأول.
أمي وقفت فجأة وهي مخضوضة يا سيادة القاضي، احنا اللي رفعنا دعوى الوصاية الأساسية، المفروض أنا وجوليان نتكلم الأول.
القاضي فانس مابصلهاش أصلاً.
هتتكلمي لما المحكمة تسمحلك يا مدام اوزنز.
بكل هدوء حطيت الدوسيه بتاعي على المنصة وفتحت القفل النحاس بتاعه.
أمي كانت داخلة المحكمة دي وهي مستنية تشوفني وأنا بخسر كل حاجة.
اللي مكنتش عارفااه إني جاية وجاهزة بكل دليل ممكن يفضح الكذب اللي هي وجوليان بقالهم سنين بيبنوه.
طلعت أول ورقة وحطيتها قدام القاضي شهادة منحة فانغارد الأصلية بتاعتي، والممضية بخط إيد القاضي فانس نفسه من سنين.
هز رأسه براحة وهو بيتأملها.
وقال اتفضلي كملي يا آنسة اوزنز.
معيطتش.
ماترجيتش حد.
مشاورتش بصوابعي على حد ولا عليت صوتي.
بدل كل ده، مديت إيدي في الدوسيه تاني وطلعت الورقة التانية.
أمي لونها خطف في ثانية أول ما لمحت الورقة وعرفتها.
زقيت الورقة على الخشب المتلمع بإيدين ثابتة مش بتهتز.
عشان أنا كنت عارفة بالظبط أنا هدمّرهم إزاي.
مش بالغل.
ولا بالدموع.
بالأدلة.
وأول ما القاضي فانس قرا أول سطر في الورقة دي، قاعة المحكمة كلها صمتت صمت القبور.
القاضي فانس قلع نضارته ببطء، وبص لأمي وجوليان بنظرة حادة زي الموس. السكوت في القاعة بقى تقيل ويخنق، ومحدش كان سامع غير صوت ضغطة قلم الحاجب وهو واقف مستني.
مدام إليانور… القاضي قال الاسم بنبرة تجمّد الدم في العروق. الورقة اللي في إيدي دي هي التنازل الرسمي والموثق من قِبلكم عن أي حق في أموال الوصاية الخاصة بآنسة فيكتوريا، وممضي بتاريخ تلات سنين فاتوا، مقابل تسوية قفلنا بيها قضية الديون القديمة بتاعتكم.
أمي رجليها مأشلتش تشيلها وقعدت على الكرسي وهي هيموت منها النفس. وجوليان وشه جاب ألوان، وبدأ يفرك في إيديه وكمام بدلته الغالية اللي فجأة بقت خنقاه.
يا سيادة القاضي! جوليان زعق وصوته اتهز لأول مرة. الورقة دي مزورة! هي مكنش معاها أصلاً…
قُلت الزم حدودك! القاضي خبط بالشاكوش خبطة رنت في القاعة كلها. الإمضاءات دي موثقة، والشهود اللي عليها اتواصلنا معاهم في النيابة قبل الجلسة دي وأكدوا صحتها. مش بس كده…
القاضي بصلي وهز رأسه بإعجاب الآنسة فيكتوريا قدمت كمان كشف حساب بنكي متقفل ومخفي، بيثبت إنكم سحبتوا مبالغ تانية بدون وجه حق على مدار السنتين اللي فاتوا، معتمدين على إنها ساكتة ومش هتكشفكم.
التفتّ ليهم براحة. النظرة اللي في عينيهم دلوقتي كانت هي المكافأة اللي مستقرة في قلبي؛ نظرة الخوف، والذهول، والوقوع في شر أعمالهم. الكبرياء اللي دخلوا بيه القاعة اتهد وبقى تراب.
بناءً على المستندات الواضحة والنهائية المطروحة أمام المحكمة، القاضي فانس اتكلم بصوت جهوري هز القاعة تحكم المحكمة برفض دعوى الوصاية المقدمة من السيدة إليانور والسيد جوليان اوزنز، وإلزامهم برد كافة المبالغ المستولى عليها بدون وجه حق مع الغرامات، وتحويل الملف بأكمله للنيابة العامة بتهمة التزوير وخيانة الأمانة.
جوليان سقط في كرسيه وراسه بين إيديه، وأمي بدأت تعيط بهستيريا وهي بتحاول تلمس كتفي وتترجاني فيكتوريا.. ارجعي لعقلك، احنا أهلك! مش هتعملي فينا كده!
شيلت الدوسيه الجلد بتاعي، قفلته ببراحة وعلقت القفل النحاس مكانه. بصيتلها نظرة واحدة أخيرة، نظرة خالية من أي غل، بس مليانة برود يوجع أكتر من أي كلام.
أنا رجعت لعقلي فعلاً يا أمي.. عشان كده أنا هنا النهاردة.
ودرت ضهري ومشيت بخطوات ثابتة وواثقة برة القاعة، ورايا صوت الشاكوش وهو بيفصل في مصيرهم، وقدامي حياتي الجديدة اللي بنيتها بنفسي وسكوتي، والمرة دي.. مفيش مخلوق هيقدر يهدها تاني.
طلعت برة قاعة المحكمة والباب الخشب التقيل اتقفل ورايا، كأنه بيقفل صفحة السنين اللي فاتت كلها. الممر الرخام كان طويل وفاضي، وصوت كعبي كان بيرن فيه بقوة لأول مرة؛ مكنش فيه صوت الخوف اللي اتعودوا يسمعوه في خطواتي.
وقفت ثواني أخد نفسي، الهوا برة القاعة كان طعمه مختلف.. طعم الحرية.
مفيش دقيقتين والباب اتفتح باندفاع. جوليان خرج ووشه أحمر وعروقه بارزة من الغل، وأمي كانت وراه بتعرج في مشيتها وهي ماسكة في دراعه وبتعيط بانهيار.
أنتِ فاكرة نفسك كسبتي؟ جوليان زعق وهو بيقرب مني وعينه بتطق شرار، بس أمن المحكمة وقف في النص بيننا في ثانية. أنتِ دمرتينا!
لمحة نيوز

الفلوس دي فلوسنا، والبدلة دي، والشركة، وكل حاجة حيلتنا هتروح بسبب الورق الوسخ اللي جيبتيه ده!
بصيتله من فوق لتحت ببرود تام، وميلت راسي وأنا مبتسمة ابتسامة خفيفة البدلة الماركة دي يا جوليان؟ متقلقش، المحضر وهو جاي يحجز على ممتلكاتك عشان تسددوا الديون والفلوس اللي سرقتوها، غالباً هياخد البدلة دي كمان معاه.
أمي صرخت وهي بتبصلي بقلة حيلة يا بنتي حرام عليكي! احنا ملناش غيرك، هترمي أمك وأخوكي في السجن؟
أنا مرمتكمش في حتة يا مدام إليانور، رديت عليها بنبرة هادية جداً زلزلتها. أنا كل اللي عملته إني قدمت الحقيقة.. إنتوا اللي اخترتوا طريقكم لما خبيتوا جوابات منحي، ولما سرقتوا ورثي، ولما افتكرتوا إن الطيبة والسكوت غباء. إنتوا اللي دمرتوا نفسكم بنفسكم.
لفيت ضهري ومشيت وأنا سامعة صوت جوليان وهو بيشتم ويزعق، وأمن المحكمة بيحذره إنه هيحبسه بتهمة الشغب لو ملمش نفسه.
نزلت على سلم المحكمة، والشمس كانت طالعة قوية ومالية المكان. طلعت موبايلي ومسحت أرقامهم هما الاتنين، وعملت بلوك لكل خيط كان بيربطني بالماضي بتاعهم.
حطيت الدوسيه الجلد تحت دراعي، وركبت أول تاكسي قابلني. وأنا بتبص على الشوارع من الشباك، حسيت لأول مرة من سنين إن كتفي خفيف، وإن السكوت اللي عاش معايا طول العمر، أخيراً نطق وجابلي حقي تالت ومتلت.
التاكسي مشي بيا وسط زحمة شوارع القاهرة، والدنيا برة كانت بتتحرك بسرعة وكأن مفيش حاجة حصلت، بس جوايا كان فيه هدوء غريب عمري ما حسيته قبل كده. تليفوني بدأ يرن.. وبصيت على الشاشة لقيت رقم المحامي بتاعهم، وبعده رقم خالتي اللي مكنتش بتفتكرني غير في المصايب. قفلت الصوت خالص وقلبت الشاشة.
نزلت قدام الكافيه الصغير اللي متعودة أقعد فيه على النيل. قعدت على ترابيزة في الركن، وطلبت فنجان قهوة مظبوط. ريحة القهوة وهوا النيل خلوني أبتسم بجد ولأول مرة من قلب المحكمة.
فتحت اللاب توب بتاعي، وجالي إيميل من إدارة منحة فانغارد.. الإيميل كان بيباركلي على قبول مشروعي الجديد كمسؤولة استشارية قانونية للمؤسسة في الشرق الأوسط، بمرتب وتأمين ومكانة هما عمرهم ما كانوا يتخيلوا إني ممكن أوصل لربعها.
وأنا بقرا الإيميل، حسيت إن ربنا طبطب على قلبي وعوضني عن كل ليلة نمت فيها وعياطي كاتماه في المخدة عشان مسمعش حد منهم كلمة تجرحني.
لمحت من بعيد في التلفزيون بتاع الكافيه شريط الأخبار اللي بيعرض القضايا الاقتصادية وقضايا التزوير، وافتكرت منظر جوليان وهو بيترعش قدام القاضي. هما دلوقتي غالباً في النيابة بيتحقق معاهم، وبيحاولوا يلاقوا كفالة أو مخرج من الورطة اللي حطوا نفسهم فيها.. بس المرة دي الحبل اتقطع، ومفيش حد هينقذهم من الحفرة اللي حفروها ليا ووقعوا فيها.
شربت آخر بوق في قهوتي، قفلت اللاب توب، وقمت وقفت وأنا كلي ثقة. الحكاية مكنتش حكاية فلوس ولا ورث ضاع ورجع.. الحكاية كانت حكاية كرامة، وبنت قررت في لحظة إنها متسمحش لأي حد، حتى لو كان من دمها، إنه يكسرها تاني.
أنا فيكتوريا اوزنز.. والنهاردة بدأت حياتي بجد عدى شهر على يوم الجلسة، شهر كامل كأنه سنة من كتر التغيير اللي حصل في حياتي.
المحامي بتاعي كلمني الصبح وبلغني إن الحكم بقى نهائي؛ الحجز اتنفذ على كل حاجة، الفيلا والشركة وحسابات البنوك، وجوليان وأمي مابقاش حيلتهم حرفياً ولا مليم، ده غير القضية الجنائية اللي لسة شغالة فوق دماغهم بسبب التزوير، والاتنين دلوقتي قاعدين في شقة إيجار قديمة وصغيرة في أطراف المدينة، بيحاولوا يلموا قرشين عشان يدفعوا مصاريف المحامين اللي مابقتش راضية تتابع قضيتهم ببلاش.
قفلت مع المحامي وأنا حاسة بنوع من السلام الداخلي، مش شماتة، بس عدل ربنا دايما بيبقى مريح.
كنت واقفة في المطار، ماسكة باسبوري وشنطتي في إيدي، ومستنية نداء الطيارة بتاعتي المتجهة للندن عشان أستلم منصبي الجديد في المقر الرئيسي لمؤسسة فانغارد. وأنا واقفة وسط زحمة المسافرين، لمحت شاشة تليفوني بتنور برقم غريب.
ترددت ثانية، بس رديت.
فيكتوريا؟ الصوت كان مخنوق ومكسور، ومكنتش قادرة أصدق إن ده صوت جوليان.. فين النبرة العالية والغرور والضحكة الصفرا؟
عايز إيه يا جوليان؟ رديت بنبرة هادية بس ناشفة.
أمي تعبانة يا فيكتوريا.. تعبانة أوي ومش معانا حق الدكاترة ولا العلاج. احنا بنتبهدل، والناس اللي كنا بنتشيرف بيهم مابقوش بيردوا علينا. أرجوكي.. احنا غلطنا في حقك، بس احنا أهلك برضه، متسيبناش نموت من الجوع.
سكتت لحظة، وبصيت على الناس اللي حواليا في المطار، وافتكرت نفسي لما كنت بنام عيانة ومحدش فيهم بيفكر يشتريلي علبة دوا، وافتكرت لما كانوا بياكلوا أحسن أكل وأنا مكنش بيبقى معايا ثمن مواصلات الجامعة.
أنا مسبتكمش تموتوا يا جوليان، قلتها بكل برود وثبات. أنا سيبتكم لعدالة القانون اللي إنتوا اخترتوا تكسروه. الفلوس اللي معاكم في الشقة دي تكفي علاج وأكل وزيادة لو بطلتوا تدوّروا على المظاهر الكدابة وتبعتوا للمحامين الكبار. عيشوا على قدكم، واحمدوا ربنا إنكم لسة برة السجن.
فيكتوريا، أرجوكي…
المكالمة دي هي آخر حاجة هتربطني بيكم يا جوليان. زمان إنتوا خبيتو عني مستقبلي، والنهاردة أنا رايحة للمستقبل ده ورجلي فوق رقابكم كلكم. سلام.
قفلت السكة في وشه، وشيلت خط التليفون كله من الموبايل ورميته في أقرب سلة زبالة قدامي.
في اللحظة دي، صوت المايك اشتغل يعلن عن فتح باب الصعود لطيارتي. أخدت نفسي طويل، وابتسمت ابتسامة صافية من قلبي، ومشيت بخطوات واسعة وواثقة ناحية البوابة.
الماضي بكل قرفه وظلمه مات واتدفن في قاعة المحكمة.. ودلوقتي، السما هي حدودي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *