فاتوره 8 سنين ح1 حكايات مني السيد

— “دول 500 جنيه” — قالها كارم وهو بيفرد الفلوس على التربيزة قدامي زي اللي بيقش في الكوتشينة. — “يكفوكي الشهر كله.. ورضا قوي كده.”
فضلت باصة للفلوس.. ورقتين كل واحدة بميتين، وورقة بمية مجعدة وقدمية. المبلغ ده المفروض يطلع منه الأكل، ومسحوق الغسيل، وعلاج الضغط بتاعي، ومواصلاتي، وكل الحاجات التانية اللي تعودنا نسميها “عيشة”.
— “ولو مكفاش؟” — سألته وصوتي مخنوق.
— “يبقى تتعلمي تدبري وتوفري” — رد عليا من غير حتى ما يبصلي. كان خلاص بيلبس جاكت البدلة وبيدور في جيوبه على مفتاح العربية السوزوكي الفان بتاعته. — “فيه ناس عايشة بأقل من كده ومبتفتحش بؤها.”
### أول الحكاية
من تمان سنين فاتوا، كانت أول مرة أسمع منه الجملة دي: *”خلاص، مفيش مبعزقة من اليوم ورايح.”* وقتها كنت اشتريت جزمة شتوي بـ 400 جنيه من مرتيبي اللي بتعب فيه. كارم عملي يومها تحقيق قعد ساعة ونص! كنتي محتاجة جزمة جديدة ليه؟ ما القديمة شغال ومتقولش لأ! ومن اليوم ده، وبقى كل شهر نفس الفيلم السخيف: يرمي الفلوس على التربيزة، مبلغ ثابت مبيتغيرش، ويلف ضهره ويمشي.
أنا كنت شغالة محاسبة في شركة إدارة عقارات وصيانة عمارات. مرتيبي كان 3800 جنيه في الشهر. مكنش ثروة طبعاً، بس مكنش قليل. الأزمة إن المرتب ده مكنتش بشوفه. كل أول شهر كنت بحول 2300 جنيه للبنك عشان أسدد قسطين قرض هو اللي واخلهم باسمه؛ واحد عشان يشتري فلوكة صيد صغيرة، والتاني عشان الموتور بتاعها. ولسبب ميعلموش إلا ربنا، أنا اللي كنت بدفع!
الموضوع ده حصل إزاي؟ زي أي مصيبة بتحصل في الدنيا: بالتدريج. أول مرة قالي “ادفعيلي القسط ده بس الشهر ده يا هدى وعليا النعمة هرجعهولك الشهر الجاي”. ومبرجعش حاجة. بعدها طلب تاني.. وتالت. لحد ما بقى عادي ومبقاش يدفع أصلاً. البنك بدأ يكلمني أنا عشان اسمي مكتوب في الضامن أو رقم الطوارئ، فخفت على شكلي واسمي ودفعته. واستمريت على الحال ده 96 شهر ورا بعض! (يعني 8 سنين كاملين).
### خيط وصنارة
في الليلة دي، رجع من برة وشايل في إيده علبة كرتون طويلة، متغلفة غلاف شيك ومكتوب عليها حروف ياباني.
— “إيه ده؟” — سألته وأنا مستغربة.
— “قصبة صيد (صنارة)” — قالها وهو بيمشي إيده على العلبة بحنية غريبة، كأنه بيطبطب على قطة صيرة. — “كربون ياباني أصلي. بـ 3800 جنيه. بس دي تعيش العمر كله! ده استثمار يا بنتي.”
**3800 جنيه!** مرتيبي كله في الشهر. وعشان عيشتي وأكلي وشربي، سايبلي 500 جنيه!
كنت واقفة جنب البوتاجاز بقلب حلة شوربة عاملاها بهياكل ورقاب فراخ، لأن الوراك والصدور خلاص مبقتش تدخل بيتنا من الغلاء. المعلقة الخشب كانت بتخبط في قعر الحلة. وأنا بقلب، كنت بحسبها في دماغي. عيب المحاسبين بقا.. بنجمع ونطرح في أي حته حتى لو محدش طلب مننا.
3800 للصنارة.. 2300 لقسط البنك.. 500 جنيه ليا. مرتبه هو كان 8500 جنيه. طب وباقي الفلوس (الـ 1900 جنيه) بتروح فين؟ بنزين للعربية، قعدة القهوة مع صحابه كل جمعة، وخراطيم شيشة وسجائر. حياته هو.. المنفصلة تماماً عن حياتي، والأكثر رفاهية بكتير.
حياتي أنا، طلعت في الآخر تمنها 500 جنيه في الشهر. أقل من تمن بكرة الخيط اللي بيركب في الصنارة بتاعته.
### نقطة التحول
ليلتها معرفتش أنام. فضلت قايدة ومستقيمة في السرير، وبسمع صوت شخيره المالي الأوضة. قمت براحة من غير ما يحس، دخلت المطبخ وطلعت من قاع الدرج كشكول قديم، سلك ومربعات، من أيام كلية التجارة. فتحته على أول صفحة وكتبت بقلم جاف: *”يناير 2026. قسط قرض ك. — 2300 جنيه مدفوعة من مرتيبي.”*
مأخدتش أي قرار تاريخي ولا زعقت. أنا بس سجلت. حطيت الكلام على الورق.
صحيت تاني يوم الصبح، ومحولتش الفلوس للبنك. لأول مرة من 96 شهر.
فتحت أبلكيشن البنك على الموبايل.. المبلغ كان مكتوب وجاهز. صباعي وقف فوق زرار “تأكيد التحويل”. فضلت يجي 15 ثانية باصة للشاشة. بعدين قفلت الأبلكيشن، حطيت الموبايل في جيبي ونزلت على شغلي.
### الرسالة
بعدها بتلت أيام، وصلت رسالة على تليفونه. كارم كان في الحمام بياخد دش، والموبايل كان على ترابيزة المطبخ جنب كوباية الشاي بتاعتي. الشاشة نورت: *”عميلنا العزيز، تم تسجيل تعثر في سداد قسط القرض الخاص بكم…”*
قريت الرسالة ولفت وشي الناحية التانية وبصيت من الشباك على الشارع. طلع من الحمام والمية بتنقط منه، لافف الفوطة حولين وسطه، مسك الموبايل وقرا الكلام. وشه اتكرمش.. مقالش ولا كلمة. تلاقيه افتكر إن ده مجرد خطأ في السيستم بتاع البنك.
عدى أسبوع كمان.. أسبوع طبيعي جداً. فطار، شغل، عشا. كان بيجيب لنفسه رنجة مدخنة غالية بـ 150 جنيه للواحدة. وأنا كنت باكل شوية كشري بعدس أصفر وبصل. بنقعد على نفس الترابيزة، يفتح هو السمكة ويشيل جلدها الدهبي،
… يفتح هو السمكة ويشيل جلدها الدهبي، والرائحة تملأ المطبخ الصغير، وأنا ببلع لقمة العيش الناشف بالبصل وأبص له. مكنش حاسس بأي حاجة، ولا رابط بين الرسالة اللي جاتله وبين السكون الغريب اللي بقيت فيه. كان واكل الجو تماماً، ومقتنع إن الدنيا ماشية ببركة دعائه هو بس، وإن الـ 500 جنيه اللي رماها لي أول الشهر دي المفروض تعمل معجزات وتخليني أطبخ له ملوخية بالفراخ.
في اليوم العاشر، الموبايل بتاعه مبطلش رن. كنا يوم جمعة، وهو قاعد بالجلابية البيمبا المقلمة، حاطط رجل على رجل ومستني الشاي الصعيدي اللي بيحبه بعد الغدا. التليفون كان على الرخامة، وكل دقيقة يزن. رقم أرضي.
— “يرحم أبوكي يا هدى، هاتي الزفت ده أشوف مين اللي على الصبح كده!” — زعق وهو بيمط في الكلام بكسل.
ناولته الموبايل وأنا قلبي بيدق، بس مش خوف.. كان دقات حماس، زي اللي مستني قنبلة تنفجر في سينما وهو عارف المخرج هيعمل إيه. كارم رد، وبدأ وشه يتغير من الكسل للبرود، وبعدين للون الأحمر الغامق اللي بيطلع له لما ينرفزه حد في السوق.
— “أيوة يا فندم.. قسط إيه؟ لا يا فندم أنتوا غلطانين، القسط بيتحول أوتوماتيك كل أول شهر.. إزاي يعني مفيش رصيد؟ بقولك المدام بتحوله.. استنى عندك!”
بص لي وعينه طلعت شرار، نزل الموبايل من على ودنه وقال وهو كابس الزرار:
— “هدى! إنتي محولتيش قسط البنك بتاع الشهر ده؟”
رديت بكل برود الدنيا، وأنا بحط كوباية الشاي قدامه:
— “لأ يا كارم، محولتوش.”
الراجل تنّح. فتح بؤه ومبقاش عارف يقول إيه للراجل اللي على الخط، رجع الموبايل لودنه بسرعة وهو بيعرج في الكلام:
— “أيوة.. أيوة يا باشا.. حصل لخطأ بسيط في الحسابات، هنسدد النهاردة أو بكرة بالكتير.. معلش مسألة وقت.. شكراً.”
قفل الخط ورزع الموبايل على التربيزة لدرجة إن كوباية الشاي اندلق منها شوية على المفرش البلاستيك. وقف وطوله بقى زي المارد فوق راسي:
— “يعني إيه محولتهوش؟ إنتي اتجننتي يا بت؟ أنتي عارفة إن ده اسمي وفيها حجز ومحاكم؟ الفلوس فين؟ وديتي المرتب فين؟”
### لغة الأرقام لا تكذب
قعدت على الكرسي اللي قباله. سحبت الكشكول الأخضر السلك، بتاع كلية التجارة، اللي بقاله سنين مركون. فتحته بالراحة، وبصيت في عينه المتطيرة.
— “المرتب في الحفظ والصون يا ابن الحلال. بس من الشهر ده، مفيش تحويلات.”
— “هو إيه اللي مفيش تحويلات؟ أنتي هتاكلي فلوسي؟ ده قرضي أنا!”
— “بالظبط.. قرضك أنت. بتاع الفلوكة والموتور اللي بتصطاد بيهم مع صحابك وتبيع السمك وتحط فلوسه في جيبك. أنا مالي؟”
كارم وشه جاب ألوان، وبدأ يزعق بالصوت الحياني اللي بيخوف بيه العيال في الحارة:
— “أنتي هتعملي عليا ناصحة؟ بقالك تمن سنين بتدفعي وزي الفل، إيه اللي جرى في عقلك؟ مين اللي وزّك عليا؟”
— “محدش وزّني” — قلتها وأنا بفتح الصفحة الأولى من الكشكول وبشاور بالقلم الجاف الأزرق. — “دي الأرقام يا كارم. والأرقام مابتكدبش ولا بتتوز. بقالنا 96 شهر، أنا بدفع لك 2300 جنيه كل شهر. احسبها معايا كده بحسبة المحاسبين: 96 في 2300 بيساوي 220 ألف و800 جنيه. ده غير الفوائد والمصاريف الإدارية اللي كنت بلمها من وراك. تمن سنين وأنا بدفع تمن متعتك وخروجك للبحر، وفي الآخر تقولي الـ 500 جنيه تكفيكي الشهر كله ولما أقولك مش هتكفي تقولي اتعلمي التوفير؟”
وقف وهو بيشوح بإيديه:
— “وده وقته؟ ده وقته تفتحي دفاتر قديمة؟ البنك لو مدفعتش خلال 48 ساعة هيعملوا لي حظر ائتماني، وعربيتي السوزوكي دي مش هعرف أجدد رخصتها ولا أشتري بيها بضاعة!”
— “تصرف بقا” — قمت وقفلت الكشكول وحطيته تحت باطي. — “مش أنت راجل وبتعرف تدبر؟ وبتصيد بقصبة كربون ياباني بـ 3800 جنيه؟ بيع الصنارة، أو بيع الفلوكة، أو اتصرف من الـ 8500 بتوع مرتبك. أنا من النهاردة مرتيبي ليا. الـ 3800 جنيه بتوعي هيدخلوا جيبي، وهشيل منهم مصاريف البيت بالعدل.. النص بالنص. لكن قروض الصيد بتاعتك، شيلها لوحدك.”
ساب البيت ونزل ورزع الباب وراه لدرجة إن برواز صورة فرحنا اللي في الصالة اتهز وكان هيقع.
### الهدوء الذي يسبق العاصفة
تاني يوم في الشغل، كنت قاعدة قدام شاشة الكمبيوتر في شركة العقارات. براجع فواتير الصيانة وكشوف اتحاد الملاك، بس عقلي مكنش في الأرقام لأول مرة في حياتي. كنت حاسة بنوع من الحرية غريب عليا. لأول مرة من سنين، حسابي في البنك فيه 3800 جنيه كاملين ومفيش “أمر مستديم” بالتحويل هيسحبهم أول ما ينزلوا.
صاحبتي في الشغل، ميرفت، لاحظت إني سرحانة وباصة للآلة الحاسبة وببتسم.
— “جرى إيه يا هدى؟ بقالك يومين وشك راجع له الدم، ومن الصبح قاعدة تتبسمي للكمبيوتر كأنه خطيبك.. فيه إيه؟”
ضحكت وقلت لها بصوت واطي:
— “قفل الحنفية يا ميرفت.. قفلت الحنفية اللي كانت بتسرب.”
ميرفت فهمت على طول، لأنها عارفة قصة القرض وبلاوي كارم. برقت عينيها وقربت مني:
— “يخرب عقلك! عملتيها؟ ومصوتش ولم عليكي حارة السقايين؟”
— “صوت ونزل ورزع الباب.. بس الصراحة، حسيت إن جبل انزاح من على صدري. تفتكري أنا غلطانة؟ تفتكري البيوت متمشيش كده؟”
ميرفت لوت بؤها وقالت بجدية:
— “البيوت بتمشي بالوصول يا هدى. والراجل اللي يشيل مراته فوق طاقته ويستخسر فيها اللقمة وهي بتدفع له قسط فلوكة، ميزعلش لما تفوق. بس خلي بالك.. كارم مش هيسكت. أنتي كسرّتي الحيطة اللي كان ساند عليها ومطمن.”
كلام ميرفت كان صح. كارم مكنش من النوع اللي يستسلم بسهولة، وخصوصاً لما الموضوع يمس جيبه أو مظهرة قدام أصحابه في “شلة الصيادين”.
### خطة “تطفيش” محبكة
لما رجعت البيت العصر، لقيت الشقة ضلمة وهس هس. دخلت المطبخ ملقتش أثر لأي أكل. كارم كان متعود يشتري حاجاته وهو راجع لو زعلان، بس المرة دي كان عامل خطة تانية خالص.
دخلت الأوضة لقيته قاعد على السرير، فاتح الدولاب ومبهدل الهدوم.
— “فيه إيه يا كارم؟ بتعمل إيه في الدولاب؟”
بص لي بنظرة لؤم وقال ببرود مستفز:
— “بدور على وصلات الأمانة بتاعة العفش وجهازك.. أصل أمي بتقولي إن الست اللي متبطعيش جوزها وتمنع عنه مساعدتها في وقت الضيقة، يبقى مالهاش أمان في البيت.”
قلبي انقبض لثانية، بس افتكرت إني محاسبة، والمحاسب مبيخافش من التهديد الفاضي.
— “تصدق بالله؟ إنت بتوفر عليا مشوار. الوصلات دي والقايمة في حرز حريز عند أبويا في الشقة. ولو عايز تلعب اللعبة دي، العبها.. بس افتكر إن القرض باسمك أنت، والبنك بيكلمك أنت، والشيكات اللي ورا القرض ممضية بإيدك أنت. يعني لو فكرت تضايقني، أنا ممكن ببساطة أرفع قضية نفقة تخلّي الـ 8500 بتوع مرتبك دول يطير نصهم قبل ما يوصلوا جيبك.”
اتصدم. مكنش متوقع الرد ده. كان فاكر هدى الضعيفة اللي بتبكي وتجري تبوس إيده عشان ميزعلش هترجع تاني. لقى قدامه ست تانية، ست اتعلمت الحسابات صح وعرفت تمن كل حاجة.
— “بقى كده يا هدى؟ بتدوري على المحاكم وقضايا النفقة؟ تمن سنين عِشرة بتهديهم عشان قرشين؟” — قالها بصوت مكسور مصطنع، من بتوع الأفلام العربي القديمة عشان يستعطفني.
— “أنا مهدتش حاجة يا كارم. أنت اللي هديت كل حاجة لما اعتبرت مرتيبي حق مكتسب ليك، واعتبرت عيشتي وصحتي تمنهم 500 جنيه في الشهر. أنا مش جارية عندك عشان أصرف على مزاجك وأقعد أنا آكل هياكل فراخ ورقاب وأنت بتاكل رنجة مدخنة بـ 150 جنيه وتشتري صنارة بمرتبي كله.”
### مفاجأة يوم الثلاثاء
مرت الأيام والجو في البيت كان عامل زي الشتا في الاسكندرية.. غيوم وبرد ومحدش بيكلم التاني غير في أضيق الحدود. كارم بقا بينزل بدري ويرجع متأخر، ومبقاش يحط فلوس على التربيزة أصلاً. وأنا بقيت أشتري أكلي بنفسي، على قدي، وبعمل وجبات صغيرة تكفيني.
يوم التلات، وأنا في المكتب، لقيت رسالة جاية لي على الواتساب من رقم غريب. فتحتها لقيت صورة لورقة رسمية من البنك الأهلي.. إنذار بالدفع ورفع دعوى قضائية بالحجر على السيارة السوزوكي الفان رقم (ط ر ق 452).
وبعدها بـ 5 دقائق، لقيت تليفون من أخت كارم الكبيرة، “عزة”. عزة دي ست من بتوع “أنا الكبيرة وبفهم في الأصول”، وكلمتها بتمشي على الكل.
— “أيوة يا هدى.. إزيك يا بنتي؟” — قالتها بنبرة فيها عتاب مصطنع.
— “أهلاً يا أبلة عزة، الحمد لله.. خير؟”
— “مش خير يا هدى.. إيه الكلام اللي سمعه ده؟ كارم جالي البارح والدموع في عينيه.. بقى هدى العاقلة، بنت الأصول، تسيب جوزها يتفضح في البنوك وعربيته تتسحب منه عشان خاطر قرشين؟ ده إنتي مراته وسنده في الدنيا! والست الأصيلة بتبان وقت الشدة يا بنتي.”
تنهدت تنهيدة طويلة، وكنت عارفة إن الدور ده هيتعلب عليا عاجلاً أم آجلاً. عزة مش جاية تحل، عزة جاية تضغط عشان الحنفية تفتح تاني وكارم يرجع يصرف على كيفه.
— “يا أبلة عزة، الشدة دي بقالها تمن سنين.. 96 شهر وأنا شايلة القرض لوحدي من لحمي الحي ومن مرتيبي. كارم مكنش في شدة لما راح اشترى صنارة ياباني بتلت تلاف وتمنمية جنيه الأسبوع اللي فات.. مكنش في شدة وهو بيصيف ويسهر مع صحابه. الشدة دي هو اللي عملها بنفسه لما استكتر عليا اللقمة وافتكر إني ماليش لسان يطالب بحقي.”
— “يا بنتي ده راجل برضه وله برستيجه قدام الناس! عاوزة تكسري كلمته؟”
— “والبرستيج ده مبيظهرش غير على حساب صحتي وعلاجي؟ أنا عندي الضغط يا أبلة عزة، والشهر اللي فات مكنتش عارفة أجيب علبة الدواء اللي بـ 120 جنيه عشان الـ 500 جنيه مكنتش مكفية المواصلات والعيش الطابونة.. وهو سايبني وبيشتري كربون ويخوت بالبحر. قولي لكارم إن الأصول بتقول إن الراجل يشيل بيته، ولو عوزت أساعده يبقى بجميلة مني ورضايا، مش غصب وعافية وتهديد بخراب البيت.”
قفلت مع عزة وأنا حاسة إن المعركة بدأت تكبر وتخرج برة أوضة النوم والمطبخ، وتدخل فيها العائلات.
### المواجهة الكبرى في الحارة
لما رجعت البيت في اليوم ده، لقيت المفاجأة الكبيرة مستنياني. حماتي، الحاجة “أم كارم”، قاعدة في الصالة، وجنبها عزة، وكارم قاعد في الركن وحاطط إيده على خده زي العيل المظلوم اللي مستني أمه تجيب له حقه.
الشقة كانت ريحتها بخور جاوي، والحاجة أم كارم قاعدة بسبحتها وتوبها الأسود، وباصة لي نظرة تخلي أجدع راجل يترعب.
— “خطوة عزيزة يا حاجة” — قلتها وأنا بقلع الطرحة وبحاول أحافظ على هدوئي التام.
— “عزيزة إزاي بقا يا هدى وأنتي بتخربي بيتك بإيدك؟” — حماتي بدأت الكلام بنبرة حادة وصوت جهوري سمع الجيران في المنور. — “بقى جايالي رسالة من البنك إن ابن البكري، سيد الرجالة، هيبقا عليه قضايا؟ عشان خاطر إيه؟ عشان مراته المحاسبة شافت نفسها عليه وقررت تمسك القرش؟”
بصيت لكارم اللي كان بيبتسم ابتسامة نصر مدارية ورا وشه البائس. كان فاكر إن لمتهم دي هتخليني أركع وأفتح الأبلكيشن وأحول الفلوس فوراً مع بوسة على رأسه.
قعدت على الكرسي المفرد، وحطيت شنطتي على رجلي، وبصيت لحماتي بكل احترام بس بقوة:
— “يا حاجة أم كارم.. ابنك سيد الرجالة على عيني ورأسي. بس سيد الرجالة ده بياخد مرتيبي كله بقاله تمن سنين عشان يسدد قسط فلوكة صيد وصنارات ياباني. تمن سنين وأنا مكلتش لقمة تفتح النفس في البيت ده، ولا اشتريت فستان جديد، ولا حتى عارفة أجيب علاج الضغط. تمن سنين وهو سايب لي 500 جنيه للشهر كله.. يرضي ربنا ده؟ يرضي ربنا ابنك يتدلع بفلوسي وأنا أتدفن بالحيا؟”
حماتي هزت رأسها ولوت بؤها:
— “والرجال يشيل إيه ولا إيه يا بنتي؟ ما الدنيا غلا، والراجل لازم يشم نفسه ويصطاد عشان يفك عن نفسه الضغط! أنتي عاوزة تقفلي عليه؟”
— “يشم نفسه بفلوسه يا حاجة! مش بمرتبي أنا” — قلتها وصوتي بدأ يعلى غصب عني. — “هو بيكسب 8500 جنيه، يروح يدفع منهم قسطه ويصطاد براحته. إنما ياخد الـ 2300 بتوعي غصب، ويسيب لي 500 جنيه ويقولي عيشي بيهم؟ لأ.. لحد هنا وخلاص. أنا مش هحول مليم واحد للبنك.”
كارم وقف فجأة وصاح:
— “يعني إيه؟ يعني عربيتي تتسحب؟ والبنك يحجز عليا؟”
— “بيع الصنارة الياباني يا كارم” — قلتها وأنا ببص في عينيه مباشرة. — “بيعها وادفع القسط.. وأهو تعيش العمر كله زي ما قلت!”
الملامح اتغيرت في الصالة، وحماتي وقفت وهي بتسند على عصايتها وقالت بكبرياء:
— “بقى كده يا بنت الأصول؟ بتردي الكلمة بالكلمة؟ طب اسمعي بقا.. كارم مش هيدفع، والبنك لو حجز، يبقا أنتي اللي خربتي بيتك، واليوم اللي هتدخلي فيه المحاكم مع جوزك مش هتعرفي تخرجي منه!”
خرجو الثلاثة وسابوني في الشقة لوحدي.. الضلمة بدأت تنزل، والسكوت رجع تاني. بس المرة دي، السكوت مكنش مخيف.. كان مليان تفكير. خطوتهم الجاية إيه؟ وكارم هيعمل إيه بالإنذار اللي معاه 48 ساعة بس ويبدأ التنفيذ؟
مسكت موبايلي، وفتحت كشكولي الأخضر.. وبدأت أخطط للخطوة الجاية، لأن المعركة الحقيقية لسة مبدأتش.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *