اقعدي ورا ياالهام

اقعدي ورا يا إلهام، إنتي متعودة تبقي في الحتة اللي ماحدش بيبص عليها.
رضوى حدفتلي التذكرة بطرف صوابعها وبقرف، كأن الورقة نفسها نجسة. كنا في صالة كبار الزوار في مطار القاهرة، وأبويا وأمي ماسكين تذاكر الفيرست كلاس لرحلة الغردقة، اللي المفروض رايحينها عشان نحتفل بعيد جوازهم الأربعين. أختي كانت مرتبة كل حاجة الأوتيل اللي على البحر، العشا الشيك، الصور العائلية مع مصور محترف، وطبعاً كرسي 34E ليا أنا.. في آخر الطيارة خالص، جمب الحمام وجنب عيلة معاها تلات عيال مابيبطلوش فرك.
أبويا ضحك ضحكة مكتومة، وأمي عملت نفسها بتعدل الإسكارف الحرير عشان تداري ابتسامتها. أما شريف، جوز رضوى، فرفع كاس العصير الساعة 10 الصبح وقال متبقيش قليلة الأصل يا إلهام، ده إنتي على مرتب الحكومة المفروض تحسي إن طيران شركتنا الوطنية ده رفاهية.
أخدت التذكرة من سكات ومن غير نقاش. 16 سنة خدمة في القوات المسلحة علموني حاجة واحدة بوضوح مش كل معركة تستاهل ضرب نار، فيه معارك بتكسبها لما بتسكت وتسييب الناس المغرورة تخبط في الحيط بغبائها.
بالنسبة لعيلتي، أنا كنت مجرد إلهام اللي شغالة في الكمبيوتر بتاع الجيش. شخص مفيد، ممل، مرتبه قليل، ومش واجهة تشرف في حكايات العشا بتاعتهم. ماكنش عندهم أي رغبة يفهموا إني سيادة العميد في عمليات الدفاع السيبراني، ومعايا تصاريح أمنية هما أصلاً ميعرفوش ينطقوا أساميها.
حاولت أشرح لهم الموضوع ده من سنين؛ أبويا غير السيرة، وأمي سألتني لو الأجهزة دي كلها خطر، ورضوى ابتسمت كأن كارييري ده مجرد مرحلة غريبة هعديها لما ألاقي ابن الحلال.
فبطلت أصلح لهم مفهومهم. جهل الناس بيبقى مجهد بعد فترة.
الطيارة طلعت الساعة 1212 الظهر، وكرسيي كان بالظبط الإهانة اللي رضوى خططت لها ضيق، في النص، زحمة، وريحته مطهرات،

والناس كل ما تدور تروح الحمام تخبط في كتفي. ومن الممر، كنت شايفاهم وهما مستقنيصين في الفيرست كلاس كأنهم ملوك.
رضوى لفت وشها وبصتلي قبل ما تقعد
مرتاحة يا حبيبتي؟
جداً، رديت عليها.
بعد 25 دقيقة من الطيران، شريف ظهر جنب صف 34 ومعاه كوباية قهوة. ماكنش فيه أي سبب يخليه ييجي هنا، هو بس جه عشان يستمتع بالإهانة من قريب.
سند على الكرسي اللي قدامي، وعمل نفسه توازنه اختل، ودلق القهوة السخنة على جاكتتي.
أوبس، قالها من غير أي ندم، الظاهر ردود أفعال الجيش مابتنفعش في كل حاجة.
ما تحركتش.
السخونية بدأت تتسرب في القماش، بس ملامح وشي فضلت ثابتة. وقفت أتفرج عليه وهو بيفتح اللاب توب بتاعه في الكرسي الفاضي اللي جمب الممر، والانبساط واكل وشه. ثانية واحدة، وظهر لوجو شركة شريف للأنظمة الجوية على الشاشة، دي شركته الخاصة بمقاولات الدفاع.
بعدها فتح فايل خلى كل عصب في جسمي يتجمد.
DOD_C4_ARCHITECTURE
دي ماكنتش غلطة عادية. دي ملفات بنية تحتية لاتصالات عسكرية سرية، مفتوحة على شبكة طيارة عامة على ارتفاع 35 ألف قدم! والأوضة من كده، إن السيستم بتاعه كان شغال مزامنة تلقائية وبيرسل حزم بيانات لسيرفر خارجي ملوش أي علاقة بشركته.
فضلت محافظة على وشي الخشب.
طلعت تليفوني المؤمن، سجلت الإرسال اللي باين قدامي ده، وبعت إشارة مشفرة للشاذلي في قيادة الأمن السيبراني.
رده جالي بعد أربع دقايق
إياكي تفصلي عينك عن المستخدم.
شريف قفل اللاب توب ورجع الفيرست كلاس وكأني حتة جماد ملوثة بالقهوة.
وفجأة.. الطيارة هبطت هبطة جامدة.
مش مطبات هوائية عادية، دي كانت خبطة عنيفة لدرجة إن نص الركاب صرخوا. النور رعش مرة والتانية، وصوت الكابتن طلع في السماعات
سيداتي وسادتي، بنواجه عطل مفاجئ في نظام الملاحة، وبنبدأ حالياً بروتول تحويل مسار احترازي.
سمعت صوت رضوى من الفيرست كلاس وهي بتزعق وعايزة إجابات، وسمعت أبويا وهو بيقول إنه عايز يكلم حد له سلطة. أنا كنت خلاص هبتسم.
بعد عشر دقايق، باب كابينة القيادة اتفتح.
الكابتن خرج للممر وماشي بخطوات سريعة ومحددة. عدى من جنب أمي، تجاهل رضوى تماماً، ومشي لحد ما وصل لصف 34. وقف قدامي، ضم رجليه، وضرب تعظيم سلام عسكري مظبوط.
سيادة العميد إلهام، محتاجين تصريحك الفعلي عشان ندخل الممر المحظور في القاعدة الجوية. الوقت حرج جداً.
متين راكب لفوا وشهم يبصوا للست اللي جاكتتها مليانة قهوة ناشفة.
وقفت، رديت التحية العسكرية، وطلعت تليفوني المؤمن.
ومن أول الفيرست كلاس لحد ورا.. ماحدش بقى يضحك خلاص.
إيه اللي حصل بعد كده؟
خلينا نقول إن فايل شريف غير القانوني كان مجرد أول حاجة في عيلتي تتفصص وتنهار على ارتفاع 35 ألف قدم.
دخلت كابينة القيادة وخطواتي ثابتة، والتوتر جوة الكابينة كان يتوزن بالدهب. الكابتن ومساعده عينيهم على الشاشات اللي عمالة تدي إنذارات باللون الأحمر.
سيادة العميد، الكابتن قال وهو بيمسح عرق من على جبهته، السيستم الرئيسي للملاحة حصل له اختراق خارجي، ال GPS مش قاري، وفيه حزم بيانات مجهولة عمالة تتسرب من شبكة الركاب الداخلية للطيارة وبتشوش على أجهزة الاتصال. إحنا برة المسار تماماً وما قدامناش غير الهبوط الاضطراري في القاعدة الجوية، بس محتاجين شفرة فتح الممر الأمني فوراً.
قعدت على الكرسي الإضافي وطلعت تليفوني المؤمن الموضوع عندي يا كابتن. افتحلي خط ربط مباشر مع أنظمة الطيارة.
وصلت التليفون، وفتحت اللابتوب العسكري اللي كان في شنطتي. أصابعي بدأت تتحرك على الكيبورد بسرعة وسلاسة حافظاها من سنين. في أقل من دقيقتين، كنت حددت مصدر التشويش والثغرة اللي اتفتحت.. كانت جاية بالظبط من الآي بي IP الخاص بجهاز شريف. الغبي كان رابط الفايل السري بسيرفر خارجي مجهول، والهكرز تتبعوا الخط ودخلوا من خلاله على سيستم الطيارة كله.
عملت بلوك فوري للجهاز بتاعه، وعزلت الشبكة الداخلية تماماً، وبعت الشفرة الأمنية المشفرة للقاعدة الجوية عشان نفتح الممر.
الممر الأمني اتفتح يا كابتن، والسيستم رجع مستقر. انزل بأمان.
الكابتن اتنفس الصعداء تمام يا فندم، جاهزين للهبوط.
الطيارة بدأت تنزل تدريجي، وأول ما العجل لمس أرض الممر في القاعدة الجوية، حسيت بالطيارة بتهدا. لكن برة، الأجواء كانت بتولع.
من شباك الكابينة، شفت عربيات جيب عسكرية وعربيات تابعة للأمن الوطني محاوطة الطيارة، والكل واقف مستعد بأسلحتهم.
خرجت من الكابينة ومشيت في الممر بكل ثقة، وجاكتتي اللي غرقانة قهوة بقت كأنها وسام شرف مش إهانة. الركاب كلهم كانوا بيبصوا لي بنظرات ذهول مخلطة بالرعب.
وصلت للفيرست كلاس. أبويا وأمي كانوا قاعدين وشوشهم صفرا ومخطوفين، ورضوى كانت بتعيط ومنهارة من الخوف. أما شريف، فكان لسه قافل اللابتوب وحاطه في شنطته، وفاكر إن الموضوع مجرد عطل فني عادي في الطيارة.
أول ما باب الطيارة اتفتح، دخل ضابط برتبة عقيد ومعاه تلات عساكر مسلحين. مفيش ثانية، عدى من جنب أبويا ورضوى، ووقف قدامي وضرب تعظيم سلام تمام يا فندم، القوة جاهزة برة، ومنتظرين أوامرك.
شريف وقف وهو مخضوض في إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ إنتوا عارفين أنا مين؟ أنا صاحب شركة مقاولات دفاع ومعايا حصانة وتصاريح!
بصيت له بكل برود وقلت للعقيد المتهم واقف قدامك يا سيادة العقيد. حيازة ملفات عسكرية سرية ومحظورة، وتسريب بيانات أمن قومي لجهات خارجية، وتخريب متعمد لسيستم طائرة مدنية وتعريض حياة الركاب للخطر. ارفعوا البصمات من على اللابتوب والشنطة بتاعته، وخدوه على إدارة المخابرات الحربية فوراً.
شريف وشه اتنفر مدمه،

لمحة نيوز

والشنطة وقعت من إيده. العساكر كلبشوه في ثانية وهو بيصرخ يا إلهام! أنا جوز أختك! اتكلمي! قولي لهم حاجة!
رضوى وقفت بتصوت وتمسك في العساكر إنتوا بتعملوا إيه؟ شريف معملش حاجة! إلهام، إنتي اتجننتي؟ إزاي تعملي في جوزي كده عشان حتة كرسي ورا؟
بصيت لها وقلت بمنتهى الهدوء جوزك خاين يا رضوى، أو على أقل تقدير غبي لدرجة إنه هرب ملفات تودي حبل المشنقة، والغباء في الأمن القومي مفيش فيه سماح. الكرسي اللي ورا ده حماني من قرفه، بس هو خلاص ملوش مكان يقعد فيه غير ورا الشمس.
أبويا وقف وهو مرعوب ومش قادر ينطق، وبصلي كأنه أول مرة في حياته يشوفني.. أول مرة يفهم إن بنته اللي كان بيقعدها جنب الحمام هي اللي بتتحكم في أمن البلد دي كلها.
خرج شريف مجرور وسط العساكر، ورضوى وقعت على الأرض منهارة من الصدمة، والشركة الكبيرة اللي كانوا بيتنططوا بيها علينا اتقفلت بالشمع الأحمر قبل ما الطيارة ركابها ينزلوا.
التفتّ ومشيت برستيجي، وبصيت لكابتن الطيارة وقلت له شكراً يا كابتن على حسن الضيافة، والمرة الجاية.. ابقوا خدوا بالكم من حجوزات الكراسي.
نزلت من الطيارة وسيبتهم ورايا في حالة ذهول تام. رضوى كانت لسه على أرض الصالة بتصرخ وتلطم، وأبويا واقف ساند على الكرسي مبرق، مش مستوعب إن بنته بتاعت الكمبيوتر هي اللي لسه جارة جوز بنته التاني من قفاه على المخابرات الحربية.
ركبت عربية الجيب العسكرية اللي كانت مستنياني على أرض الممر، وطلعت مباشرة على مقر القيادة عشان أتابع التحقيق.
بعد ساعتين بالظبط، وأنا قاعدة في مكتبي بشرب قهوة نضيفة المرة دي ومن غير ما تدلق عليا، الباب خبط ودخل المساعد بتاعي سيادة العميد، والد حضرتك ووالدتك وأختك برة في

الاستقبال، وهيموتوا ويدخلوا لسيادتك.
ابتسمت ببرود وقلت له خليهم يدخلوا.
الباب اتفتح ودخلوا تلاتتهم، بس المرة دي مفيش بقى مناخير في السما ولا فساتين شيك ولا منظرة. وشوشهم كانت مخطوفة، ورضوى عينيها ورمت من العياط. أبويا دخل بخطوات مرعوشة، ولأول مرة في حياتي أشوفه بيكلمني بنبرة فيها رجاء وخوف إلهام يا بنتي.. إحنا أسفين. إحنا ما كناش نعرف إنك بالمركز ده.. شريف غبي ومستهتر، بس أكيد ما يقصدش يخون البلد. عشان خاطر أختك والفضايح، ارجوكِ حلي الموضوع ودياً.
رضوى جريت عليا ومسكت إيدي وهي بتعيط بوس إيدك يا إلهام.. شريف لو جرى له حاجة أنا هتموت، وشركته وكل فلوسنا هتضيع. أنا أسفة على اللي قلته في الطيارة، وعلى الكرسي، وعلى كل حاجة.. إحنا لحمك ودمك!
شلت إيدها من عليا بمنتهى الهدوء، وقفت ورا مكتبي وبصيت لهم كلهم لحمي ودمي؟ إنتوا ما افتكرتوش اللحم والدم ده وأنا قاعدة وسطكم كأني نكرة، بتتحككوا فيا بالإهانة وتضحكوا، وسايبين جوز الست يتمنظر بفلوسه ويقولي مرتب الحكومة! إنتوا جايبين واسطة لمين؟ جوزك يا رضوى مش بس غبي، ده طلع غرقان لشوشته.
فتحت الفايل اللي قدامي على المكتب وقلت التحقيق الأولي أثبت إن شريف كان بيبع ملفات بنية تحتية لاتصالات دفاعية لشركات برة مصر تحت غطاء مقاولات خاصة، والملف اللي فتحه على شبكة الطيارة كان تسليم شحنة بيانات جديدة، وبسبب غبائه السيرفر الخارجي اخترق الطيارة وكان هيوقعنا كلنا في البحر.
أبويا حط إيده على قلبه وقعد على أقرب كرسي وهو مش قادر يتنفس يا نهار أسود.. يعني شريف بيشتغل ضد البلد؟
شريف كان فاكر نفسه أذكى من السيستم، رديت عليه وأنا بصلهم بكل حسم، ودلوقتي أجهزته كلها اتمسكت، حساباته وحسابات شركته اتقفلت وبقت تحت التحفظ، وكل مليم دخل جيبه من السبوبة دي هيتجاب. يعني يا رضوى، مفيش شركات، ومفيش فساتين، ومفيش منظرة بالفيرست كلاس تاني.. إنتي من هنا ورايح لو لقيتي تذكرة في الأوتوبيس هتبوسي إيدك وش وظهر.
رضوى صرخت يعني إيه؟ هتحبسي جوزي وتخربي بيتي يا إلهام؟
بصيت لها وعيني في عينها أنا مابخربش بيوت يا رضوى، أنا بحمي بلد. القانون هياخد مجراه، والواسطة اللي بتدوري عليها ماتت من قبل ما تتولد في المكتب ده.
شاورت للمساعد يدخل يا عسكري، خد الجماعة وصلهم لأقرب بوابة برة المقر العسكري.. والزيارة دي ما تتكررش تاني.
أمي اللي ما نطقتش ولا كلمة من الصدمة، لفت وبصتلي وهي خارجة ودموعها نازلة، كأنها ندمانة على كل لحظة صغرتني فيها عشان ترضي أختي وجوزها.
خرجوا تلاتتهم يجروا أذيال الخيبة، والطيارة اللي كانت طالعة عشان يحتفلوا بعيد جوازهم الأربعين، بقت هي الطيارة اللي كتبت نهاية عزهم المزيف.
أما أنا، فقعدت في مكتبي، عدلت جاكتتي البديلة، وكملت قهوتي وأنا عارفة إن من اليوم ده.. ماحدش في العيلة دي هيجرؤ يرفع عينه فيا، ولا يفكر مجرد تفكير، يقعدني ورا.
مرت تلات شهور على واقعة الطيارة.
في ال 90 يوم دول، الحياة اتت واتقلبت راساً على عقب. القضية اتقفلت بأسرع ما يمكن لأن الأدلة الرقمية اللي سحبتها من اللابتوب بتاع شريف كانت حرز حاسم مفيش فيه ثغرة واحدة. المحكمة العسكرية حكمت عليه بالسجن المشدد 15 سنة بتهمة التخابر غير العمدي وتسريب وثائق أمن قومي تضر بمصالح البلاد، مع مصادرة كل أمواله وأملاك شركته شريف للأنظمة الجوية.
رضوى أختي اتقلب حالها 180 درجة. الفيلا اللي في التجمع اتسحبت لأنها كانت باسم الشركة، والعربيات الزيرو اتقيدت تحت التحفظ. اضطرت تأجر شقة صغيرة قانون جديد في منطقة شعبية، وبقت تنزل تدور على شغل بمرتب بسيط عشان تصرف على نفسها، بعد ما كانت مابتمشيش غير بمصاحبة السواق والشغالة.
أما أبويا وأمي، فالعزلة والكسرة بانوا عليهم. الجيران والمعارف في النادي لما عرفوا بالفضائح وقصة شريف، بطلوا يتعاملوا معاهم، وبقت نظرات الشفقة والهمس تلاحقهم في كل مكان.
في يوم جمعة، كنت قاعدة في بيتي بجهز حاجتي عشان عندي مؤتمر أمني برة مصر الصبح. الباب خبط. فتحت لقيت أبويا واقف، لوحده.
كان باين عليه إنه كبر عشر سنين في الكام شهر دول. ظهره محني، ونظرة الكبرياء والتعالي اللي كانت في عينيه دايماً اختفت تماماً. وقف على الباب ومرديش يدخل غير لما شاور تله ب إيدي.
إزيك يا إلهام يا بنتي؟ قالها بصوت واطي ومبحوح.
الحمد لله يا بابا. اتفضل.
قعد على طرف الكرسي، وفضل يبص في الأرض شوية، وبعدين رفع عينه ليا وقال أنا جاي أقولك كلمتين يا بنتي قبل ما تمشي.. أنا مش جاي أطلب واسطة لشريف، إحنا عرفنا خلاص إنه يستاهل كل اللي جرى له، وإنتي حميتي عِرضنا وبلدنا من مصيبة. أنا جاي أعتذر لك إنتي.
سكتت وسيبته يكمل.
دمعة نزلت من عينه وهو بيقول أنا وأمك غلطنا في حقك كتير. كنا دايماً بنشوف رضوى وجوزها هما الواجهة، هما الفلوس والمنظرة، ونسينا إن الذهب الحقيقي كان قاعد وسطنا في صمت. إحنا اللي قعدناكي ورا يا إلهام في حياتنا قبل ما هي تقعدك في الطيارة.. سامحينا يا بنتي.
بصيت لأبويا، وحسيت بمزيج من الشفقة والعدل. الوجع اللي عيشوهوني سنين اتمحى في لحظة، بس الدرس كان لازم يكمل للاخر.
وقفت، وقربت منه وحطيت إيدي على كتفه المسامح ربنا يا بابا. أنا عمري ما شلت منكم، بس كنت دايماً

بتمنى إنكم تشوفوني بعينكم مش بعين الفلوس والمظاهر. اللي حصل لشريف ده كان حمايتكم إنتوا كمان، لأنه لو كمل في السكة دي كان جرجركوا معاه.
أبويا مسح دموعه وهز رأسه عندك حق.. عندك حق يا سيادة العميد.
الكلمة طلعت منه بعفوية وفخر حقيقي لأول مرة.
ثاني يوم الصبح، كنت واقفة في صالة كبار الزوار بمطار القاهرة، لابسة بدلي العسكرية كاملة وعلشانها رتبة العميد بتلمع تحت الإضاءة. وفد عسكري كامل كان واقف في استقبالي ومصاحبني لحد باب الطيارة المتجهة لفرنسا.
وأنا داخلة من الممر، كابتن الطيارة وطاقم الضيافة وقفوا كلهم طابور وضربوا تعظيم سلام. المضيفة قربت مني بابتسامة واسعة وبمنتهى الاحترام قالت أهلاً بحضرتك يا فندم.. مقعد سيادتك جاهز في الكابينة الخاصة بالفيرست كلاس، جناح رقم 1A.
ابتسمت وافتكرت كرسي 34E والقهوة المدلوقة، وبصيت من شباك الطيارة على السحاب وأنا متأكدة من حاجة واحدة..
إن اللي بيصنع قيمتك ومكانتك هو تعبك وشرفك وشغلك، مش تذكرة بفلوس فانية، والي يقعد ورا بكرامته وذكائه، مسيره الأيام تدور ويقعد في أول صف.. والكل واقف له انتباه.
قعدت في الكرسي 1A، الطيارة بدأت تتحرك على الممر تمهيداً للإقلاع، وسندت راسي على الكرسي وأنا بحس بالهدوء لأول مرة من تلات شهور.
سافرت فرنسا، وفضلت هناك أسبوع كامل في المؤتمر الدولي للأمن السيبراني. كنت بلقي كلمة مصر قدام وفود من كل دول العالم، وبشرح إزاي قدرنا نطور منظومة حماية رقمية تقفل الباب في وش أي محاولة اختراق، وخصوصاً الواقعة الأخيرة اللي اتسجلت في التقارير الدولية كنجاح باهر لسرعة البديهة والتعامل الأمني. التصفيق اللي ملى القاعة ونظرات الانبهار من خبراء العالم كانت هي التقدير الحقيقي اللي يستاهله السهر والتعب.
لما رجعت مصر،

الأمور بدأت تاخد مجرى هادي ومستقر.
رضوى أختي، بعد ما الصدمة الأولى راحت، بدأت تفوق لنفسها. نزلت من برجها العالي وبدأت تشتغل موظفة علاقات عامة في شركة تسويق صغيرة. المرتب مش كبير، وما يجيش تمن شنطة من الشنط اللي كانت بتشتريها زمان، بس لأول مرة في حياتها بقت تفهم قيمة القرش اللي بييجي من عرق الجبين. مبقتش تتنطط على حد، ولما كانت بتيجي تزور أمي وأبويا في بيتهم، كانت بتقعد ساكتة وبكل أدب.
في يوم، كنت معزومة عندهم على الغدا.. كان أول تجمع عائلي من يوم الحادثة.
دخلت البيت بملابس مدنية بسيطة، أول ما رضوى شافتني، وقفت بسرعة وجت عليا. ماكنش في عينيها الغل ولا الغيرة بتاعة زمان، كان فيه نظرة انكسار مخلوطة باحترام حقيقي.
حمد الله على سلامتك من السفر يا إلهام، قالتها بصوت واطي.
الله يسلمك يا رضوى، إزيك وإزاي شغلك؟
دموعها رقرقت في عينيها وقالت الحمد لله.. الشغل مخليني أحس إني بني آدمة تانية. أنا كنت عايشة في وهم يا إلهام.. شريف كان مالي عيني بالفلوس والمظاهر، وكنت فاكرة إن دي كل حاجة في الدنيا. أنا أسفة على كل لحظة تعالي اتعاملت بيها معاكي.. أنا بجد فخورة إنك أختي.
أمي قربت مننا وأخدتنا إحنا الاتنين وهي بتعيط، وأبويا كان قاعد بيبص لنا والابتسامة راجعة لوشه من تاني. في اللحظة دي، حسيت إن القضية دي ما حمتش بلد بس، دي حمت عيلتي كمان من نفسهم وطهرتهم من مرض المظاهر الكدابة.
قعدنا كلنا على السفرة، وأبويا قعدني على رأس الترابيزة، في المكان اللي كان دايماً بيقعد فيه شر
يف. بصيت لصحن الأكل وافتكرت إن الحياة دي غريبة جداً.. بتلف وتدور عشان تحط كل واحد في مكانه الصح.
تليفوني رن، كان إشعار من قيادة العمليات. قمت من على السفرة واستأذنتهم عشان ورايا مأمورية شغل جديدة.
وأنا خارجة من الباب، التفت وبصيت لهم وقلت بابتسامة يلا، أشوفكم على خير.. الطيارة الجاية بتاعتي مابتستناش.
خرجت وركبت عربيتي، وأنا عارفة ومطمنة إن خلاص.. القصة دي اتقفلت للاخر، والست اللي كانوا فاكرينها بتاعت الكمبيوتر، بقت هي الدرع اللي بيحمي ضهرهم.. وهم وراها في أمان.
مرت سنة كاملة على أحداث الطيارة.
في السنة دي، الأمور استقرت تماماً وكل واحد عرف مقامه وحجمه الطبيعي. شريف بقاله سنة كاملة بيقضي عقوبته، والملف بتاعه اتقفل ومبقاش حد يجيب سيرته في العيلة، كأنه كان كابوس وصحينا منه. رضوى أختي نجحت في شغلها الجديد واتركت وبقت مديرة قسم، والقرش اللي بتجيبه من عرقها غير شخصيتها ونظرتها للحياة؛ ملامحها بقت أهدى، وبطلت تهتم بالمنظرة والماركات، ولما بنتقابل مبقاش يفارق لسانها كلمة يا سيادة العميد بكل فخر واحترام ومحبة حقيقية.
وفي يوم جمعة، جالي اتصال على تليفوني المؤمن من مكتب وزير الدفاع.
سيادة العميد إلهام.. صدر قرار جمهوري بترقية سيادتك لرتبة لواء وتعيينك مديراً لإدارة الحرب الإلكترونية بأكملها، تقديراً لجهودك وتميزك في حماية الأمن القومي. حفل التقليد غداً بوزارة الدفاع.
الخبر نزل عليا بفرحة وفخر ميتوصفوش، السهر والتعب السنين دي كلها وتفضيل شغلي على حياتي الشخصية كان تمنه الغالي هو اللحظة دي. رتبة لواء مش مجرد ترقية، دي مسؤولية أضخم وثقة غالية من قيادة البلد.
أول حاجة عملتها، كلمت أبويا وأمي وقلت لهم على الخبر. أبويا صوته مخنوق بالدموع من الفرحة وقال أنا وأمك ورضوى هنكون أول الحاضرين يا سيادة اللواء.. ده أعظم يوم في عمري.
ثاني يوم الصبح، في قاعة الاحتفالات الكبرى بوزارة الدفاع، كنت واقفة برستيجي وهيبتي ببدلتي العسكرية، وأبويا وأمي ورضوى قاعدين في الصفوف الأولى وعينيهم مش مفارقاها الدموع والفخر. تقدمت للمنصة، وتم تقليدي النسر والنجمتين.. رتبة اللواء.
القاعة كلها صقفت، وبصيت على عيلتي، شفت أبويا وهو واقف بيصقف ومرفوع الرأس وسط قادة الجيش، شفت أمي وهي بتدعيلي بقلبها، ورضوى اللي كانت بتصورني وفرحتها واصلة للسما.
بعد الحفلة، اتجمعنا كلنا في صالة الاستقبال. أبويا قرب مني، ووقف قدامي بكل هيبة وضمني بقوة وقال مبروك يا سيادة اللواء.. مبروك يا بنتي اللي شرفت اسمي وخليتيني أمشي وسط الناس رافع راسي.
رضوى جت وهي بتضحك ألف مبروك يا سيادة اللواء.. أنا من هنا ورايح هكتب على باب شقتي هنا تقيم أخت سيادة اللواء إلهام!
ضحكنا كلنا من قلبنا
، وحسيت إن الدائرة اكتملت. البنت اللي قعدوها ورا في الطيارة وجنب الحمام، وبصوا لها بنظرة استصغار، بقت هي صاحبة أعلى رتبة وأكبر هيبة في العيلة، وبقى اسمها لوحده حصن وأمان ليهم.
ودعتهم وركبت عربيتي الرسمية ومعايا الحراسة عشان أستلم مهام منصبي الجديد في قيادة الحرب الإلكترونية. وأنا في الطريق، بصيت للنسر والنجمتين على كتفي بابتسامة وثقة، وأنا عارفة إن الرحلة كانت صعبة، بس نهايتها بتثبت حاجة واحدة إن الحق دايماً بيبان، وإن الشغل والشرف هما اللي بيقعدوا البني آدم في أول صف.. والباقي كله كراسي بتطير مع الهوا.
بعد سنتين من الترقية، بقيت قاعدة في مكتبي الجديد في مبنى إدارة الحرب الإلكترونية. المكتب كان واسع، وشاشات المتابعة والتحليل الأمني محاوطة المكان، وصوت الأجهزة وهي شغال بتأمين شبكات البلد مبيفصلش. كنت براجع تقرير أمني دوري لما المساعد بتاعي دخل وضرب تعظيم سلام يا فندم، الوفد العسكري الألماني وصل وقاعد في قاعة الاجتماعات الكبرى في انتظار سيادتك لبدء توقيع بروتوكول التعاون المشترك.
وقفت، عدلت البدلة العسكرية،

وبصيت على النسر والنجمتين اللي على كتفي في المراية. النظرة اللي في عيني النهاردة كانت نظرة حد واثق من كل خطوة بيخطوها، حد مبقاش مستني تقييم أو نظرة رضا من حد، لأن الشغل فرض احترامه على الكل.
دخلت قاعة الاجتماعات، والوفد الأجنبي كله وقف انتباه تحية ليا. قعدت على رأس الترابيزة، وبدأنا مناقشة بنود الاتفاقية بمنتهى الحسم والمهنية. وأنا بتكلم وبعرض رؤيتنا الأمنية، لمحت من شباك القاعة الطيارات وهي طالعة ونازلة في المطار المدني القريب مننا.. وافتكرت في لحظة سريعة كأنها شريط سينما، الطيارة القديمة، تذكرة السياحية، وكوباية القهوة المدلوقة. ابتسمت في سري وكملت كلامي.
بعد ما خلصنا وتوقيع العقود انتهى، رجعت مكتبي عشان أريح شوية قبل ما أروح. تليفوني الشخصي رن، كانت رضوى.
إزيك يا سيادة اللواء؟ صوتها كان فيه بهجة حقيقية وطاقة مكنتش موجودة زمان.
الحمد لله يا رضوى، إنتي عاملة إيه؟ وشغلك أخباروه إيه؟
كل تمام يا حبيبتي، أنا مكلمة بابا وماما وعازماهم عندي في شقتي الجديدة النهاردة على العشا، وكنت بتمناكي تبقي معانا لو وقتك يسمح.. أنا عاملة لك المكرونة بالبشاميل اللي بتحبيها من إيد ماماتك.

شقتك الجديدة؟ سألتها بابتسامة.
آه، الحمد لله.. نقلت شقة أكبر شوية وفي حتة أحسن، وكل ده من تعبي ومكافئتي الأخيرة في الشغل. مفيش أحسن من لقمة العيش اللي بتيجي بالذمة يا إلهام، الواحد بينام وضميره مرتاح.
حسيت بنبرة فخر في صوتها، فخر حقيقي باللي بتنجزه بنفسها مش باللي كان بيصرفه عليها جوزها من فلوس حرام.
حاضر يا رضوى، هخلص المأمورية اللي في إيدي وأعدي عليكم فوراً.
قفل معاها وأنا حاسة برضا تام. العيلة اللي كانت على شفا الانهيار بسبب الطمع والمظاهر الكدابة، اتأدبت، واتربت من جديد على قيم حقيقية. شريف لسه بيقضي عقوبته، ورضوى بقت ست عاملة ومحترمة وليها كيان، وأبويا وأمي بقوا عايشين فخورين ببنتهم اللواء اللي اسماها بيزلزل الأرض.
نزلت وركبت عربيتي، وطوال الطريق كنت ببص على شوارع القاهرة والناس اللي ماشية في أمان، وبقول لنفسي إن ال 34E مكنش مجرد كرسي في آخر الطيارة.. ده كان نقطة التحول اللي رفعتني لأول الصفوف في الدنيا كلها.
وصلت لبيت رضوى الجديد، ركنت العربية الرسمية ونزلت ومعايا الحراسة اللي أصرت تأمنّي لحد باب العمارة. أول ما طلعت وفتحتلي، شميت ريحة الأكل البيتي اللي بيفكرني بلمة زمان، بس المرة دي اللمة ليها طعم مختلف.. طعم نضيف.
أبويا أول ما شافني واقفة على الباب بملابسي العسكرية، وقف على رجليه وفرد ظهره، وعينيه لمعت بالفخر أهلاً يا سيادة اللواء.. نور تِ بيتك يا بنتي.
أمي جرت عليا ، ورضوى كانت لابس مريلة المطبخ ووشها عرقان بس ضحكتها كانت مالية وشها، وأول حاجة عملتها إنها خدت مني الكاب العسكري والجاكتة وعلقيتهم في أحسن حتة في الصالة كأنهم قطعتين ديكور غاليين.
قعدنا كلنا على السفرة، ورضوى حطت الصواني وهي بتقول دوقي بقى يا إلهام، المكرونة دي أنا اللي عاجنة ميتها ومسوية لحمتها بنفسي، وماما أشرفت على البشاميل.
أكلنا وضحكنا، ولأول مرة من سنين طويلة، الحوار على السفرة ماكنش عن الماركات، ولا العربيات الزيرو، ولا مين سافر فين ومين اشترى إيه. الكلام كان عن نجاح رضوى في صفقة التسويق الأخيرة لشركتها، وعن صحة بابا وماما، وعن هيبتي وسط وفود العالم. أبويا بصلنا وإيده بترتعش من التأثر وقال أنا النهاردة أقدر أموت وأنا مطمن.. سيبت ورايا ستات بجد، بيعرفوا يشيلوا مسؤولية وبيجيبوا اللقمة بشرفهم وتعبهم.
رضوى بصتلي وقالت بكل نضج عارفة يا إلهام؟ زمان كنت فاكرة إن شريف هو السند، بس لما وقع، اكتشفت إن السند الحقيقي هو القرش اللي بتتعبي فيه، وأختك اللي ضهرها محمي برتبتها وشرفها. أنا بشكرك.. بشكرك لإنك فوقتيني، حتى لو كان القلم ناشف في الأول.
طبطبت على إيدها وقلت لها كلنا بنغلط يا رضوى، بس المهم إننا بنتعلم. وإنتي ثبتّي إنك أصيلة ووقفتي على رجليكي من تاني.
بعد العشا، وقفت في البلكونة وبصيت على الهوا النظيف، وأبويا جه وقف جنبي وسند على السور مسافرة تاني قريب يا بنتي؟
عندي مأمورية في بورسعيد الصبح يا بابا، تأمين وتطوير شبكات السيطرة في المحور.
أبويا ابتسم ودعالي تروحي وترجعي بالسلامة يا فخر عيلتنا.
لبست جاكتتي وكابي، ورضوى وبابا وماما وقفوا يودعوني لحد الباب. وأنا نازلة على السلم، سمعت الجيران وهم بيهمسوا لبعض بكل احترام دي سيادة اللواء إلهام.. أخت رضوى اللي ساكنة في الدور الثالث.
ركبت عربيتي وطلعت في طريق بورسعيد، والليل كان ساكت والبلد نايمة في أمان. بصيت في المراية وسألت نفسي يا ترى لو كان الوقت رجع بيا تاني، ورضوى حدفتلي تذكرة الكرسي 34E.. كنت هقبلها؟
وابتسمت.. طبعاً كنت هقبلها، لإن الكرسي ده هو اللي قعدني في أول صف في قلوب عيلتي، وفي أعلى منصب في بلدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *