انا واختى هنا متجوزين 3

وقـ . ـعت الشنطة من إيدي على الأرض، والدنيا لفت بيا. صـ . ـرختي هزت الشارع كله: “لياااان!! بنتي فين؟!”

أحمد وطارق بصوا لبعض بصدمة، والعداوة اللي كانت بينهم اختفت في ثانية وحل مكانها الرعـ . ـب. أحمد مسكني من كتفي وهو بيترعش: “مروة، اهدى، في إيه؟ البنت مالها؟”

قلتله وأنا بنهج ومش قادرة أتنفس: “الخدامة بتقول ليان مش في البيت.. وفي جواب على سريـ . ـرها!”

طارق سحبني بسرعة ناحية عربيتة وقال بحسـ . ـم: “اركبي يا مروة، مفيش وقت للكلام، لازم نروح البيت فوراً.” أحمد مجادلش وركب معانا، وطول الطريق مكنش فيه صوت مسـ . ـموع غير ضـ . ـربات قلوبنا المرعـ . ـوبة ونشيجي اللي مش راضي يقف. كنت بدعي ربنا وأقول: “يا رب، أنا صدقت إنك عوضتني، بلاش تفجعني في ضنايا.. خد عمري وسيبلي ليان.”

وصلنا البيت، جريت على الأوضة زي المجـ . ـنونة. الخادمة كانت واقفة بتعيـ . ـط وبتترعش. بصيت على السريـ . ـر، لقيت ورقة بيضاء مطوية. خطفتها وفتحتها وإيدي بتترعش، وقريت الكلمـ . ـات اللي مكتوبة بخط إيد مهزوز.. خط ليان:

“ماما حبيبتي.. أنا أسفة إني مشيت. أنا سـ . ـمعت بابا أحمد وهو بيكلم عمو أخوكي في التليفون امبارح وكان بيقوله إنه عايز يرجعلك، وسـ . ـمعتك وأنتِ بتتكلمي في التليفون مع عمو طارق. أنا حسيت إني لسة مشـ . ـكلة.. وحسيت إن وجودي هو اللي مخليكي مش عارفة تعيشي وتتجوزي وتكوني مبسوطة زي باقي الناس. أنا رحت عند تيتة عشان أقعد معاها وأريحك مني يا ماما.. متزعليش مني، أنا بحبك أوي.”

الورقة وقـ . ـعت من إيدي، ودمـ . ـوعي غرقت وشي. البنت فهمت غـ . ـلـ . ـط! البنت لسة جواها الرعـ . ـب القديم من إنها تكون “عبء” أو “مشـ . ـكلة”.

أحمد ضـ . ـرب بإيده على الحيطة بغضـ . ـب وندم: “أنا الغبي.. أنا كنت بكلم أخوها وبقوله إني هعمل المـ . ـستحيل عشان أرجع لمروة ونبقى عيلة، البنت فهمت إني هضغط عليكي!”

أما طارق، فبص للجواب وبصلي وقال بسرعة: “مروة، هي قالت إنها رايحة عند جدتها (أمك).. هي تعرف تروحلها لوحدها؟”

رديت وأنا بمسح دمـ . ـوعي وبحاول أستجمع قوتي: “بيت أمي مش بعيد، وهي راحت معايا هناك كذا مرة بالتاكسي.. بس أمي تعـ . ـبانة في السريـ . ـر ومش هتقدر تفتح لها الباب، وأخويا وألحاحه ممكن يطـ . ـردوها!”

أحمد قال بلهفة: “يلا بينا على بيت والدتك فوراً.”

نزلنا جري، وركبنا العربية تاني. طارق كان بيسوق بأقصى سرعة، وأحمد عمال يتصل بأخويا لكن تليفونه كان مقفول. وأنا كنت قاعدة ورا، حاطة إيدي على قلبي وبدعي. عرفت في اللحظة دي إن كل نجاحي، وكل الفلوس، والفساتين، والأتيليه، وحتى قلبي اللى بدأ يدق.. كل ده ميسواش قشـ . ـرة بصلة من غير ضحـ . ـكة بنتي وأمانها.

وصلنا بيت أمي بعد نص ساعة كانت كأنها سنة. جريت على السلم وورايا أحمد وطارق. فضلت أSelection أرزع على الباب بكل قوتي وأصـ . ـرخ: “لياااان! افتحي يا حبيبتي، أنا ماما!”

الباب انفتح ببطء.. ومكنش اللي فتح ليان ولا أخويا.

كانت مامت زوجي القديم.. أم “حسام”!

واقفة في الصالة، وبتبصلي بنظرة كلها شمـ . ـاتة وغـ . ـل، وجـ . ـنبها راجلين ضخام باين عليهم إنهم رجال أمن أو حراس.

تنحت مكاني، ورجعت خطوة لورا. طارق وأحمد وقفوا قدامي فوراً لحمايتي. أحمد زعق وقال: “أنتِ مين؟ وإيه اللي جابك هنا؟ وفين بنت مروة؟”

أم حسام ضحكت ببرود وقالت وهي بتلعب في غوايشها الدهب:

* “أهلاً يا مروة.. عاش من شافك يا فنانة. ابننا حسام نايم في المـ . ـستشفى بيمـ . ـوت، وتعـ . ـبان بسبب القهر والوحدة اللى سبتيه فيهم. وأنتِ عايشة حياتك بالطول والعرض ودايرة بين الأتيليهات والرجالة.. كان لازم حد يربيكي ويعرفك مقامك.”

قلبي وقف من الرعـ . ـب، صـ . ـرخت فيها: “بنتي فين يا ست أنتِ؟! بنتي كانت جاية هنا! أنتِ عملتي فيها إيه؟!”

أم حسام قربت مني وقالت بفحيح الأفاعي:

* “بنتك مجاتش هنا أصلًا يا حلوة.. إحنا اللى بعتنا لها عيل صغير من الشارع وفهمها إنك عايزة تتجوزي وهي عائق في طريقك، وخليناه يمليها الجواب ده عشان تنزل من البيت بإرادتها.. ودلوقتي، بنتك الأستاذة ليان، موجودة في مكان أمين تبعنا.. ومش هتشوفي ضفرها تاني غير لما ترجعي لبيت حسام وتخدميه وهو عيان، وكتفِك ينكسـ . ـر زي زمان!”

الدم تجمد في عروقي، وطارق صـ . ـرخ فيها وهو بيمسكها من هدومها: “أنتِ اتجـ . ـننتي؟! دي جـ . ـريمة خطف! وربنا ما هسيبكم!”

لكن الحراس بتوعها قربوا وحصلت خنـ .ـاقة وشابك بين أحمد وطارق من ناحية والحراس من ناحية تانية..

وفي وسط الصريخ والخنـ .ـاقة دي كلها، رن تليفوني في جيبي.. سحبته بسرعة وأنا برتعش، ولقيت رسالة جاية من رقم ليان الشخصي (اللى ساعتها مكنش معاها)، الرسالة كانت عبارة عن تسجيل صوتي.

فتحت التسجيل وأنا ببكي، وجالي صوت ليان وهي بتصـ . ـرخ وبتعيـ . ـط وسط ضلمة واضحة في الخلفية، وبتقول:

* “ماما الحقيني!! أنا مش في بيت تيتة.. أنا في مكان ضلمة وبسـ . ـمع صوت مية كتير جـ . ـنية.. يا ماما أنا خايفة أوي!!”

وفجأة الخط قطع..

بصيت حوليا.. أحمد وطارق بيضـ . ـربوا في الحراس، وأم حسام بتضحك بشـ . ـر، وصوت بنتي بيرن في ودني “صوت مية كتير جـ . ـنية”.. ياترى ليان فين؟ وإزاي هوصلها قبل ما يعملوا فيها حاجة؟..

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

“صوت مية كتير”.. الجملة دي كانت المفتاح. في اللحظة دي، طارق اللي كان بيضـ . ـرب الحارس، اتجمد مكانه وبصلي وعينيه بتلمع: “مروة، المية! المية اللي جـ . ـنب البيت القديم بتاعهم على النيل! المخزن القديم اللي بيستخدموه كراج للمراكب.. هو ده المكان!”

من غير كلام، أحمد، اللي كان لسة بيثبت الحارس على الأرض، ساب كل حاجة وبص لأم حسام بوعيد: “لو شعرة واحدة من بنتها اتأذت، ما تلوميش غير نفسك، حسابنا لسة مخلصش!”

جرينا كلنا ناحية العربية. طارق كان بيسوق بجـ . ـنـ . ـون، وأحمد كان قاعد جـ . ـنبي وبيدعي بصوت مسـ . ـموع، وأنا كنت ماسكة تليفوني، بفتحه وأقفله، مستنية أي إشارة أو صوت تاني من ليان. وصلنا للمخزن القديم، كان عبارة عن مبنى متهالك بيطل مباشـ . ـرة على النيل، وصوت المية كان عالي جداً تحت الأساسات.

نزلنا من العربية، والمكان كان ضلمة تماماً. أحمد وطارق طلعوا كشافات الموبايلات، وبدأنا ندور في كل ركن. فجأة، سـ . ـمعت شهقة مكتومة.

“ماما؟”
الصوت كان جاي من ورا كومة من الخشب القديم في زاوية المخزن. جريت ناحية الصوت، ولقيت ليان.. كانت مربوطة في كرسي خشبي، وعنيها معصوبة، ومبين على وشها الرعـ . ـب.

“ليان!”

فكيت الرباط بسرعة وخدتها في حـ . ـضني، وهي فضلت تعيـ . ـط وتترعش في إيديا. أحمد وطارق كانوا واقفين بيحرسوا المكان، وفجأة سـ . ـمعنا صوت عربية بتقرب، وصوت ناس بتنزل.. الحراس بتوع أم حسام ومعاهم حد تاني.. حسام نفسه! كان نازل من العربية وهو بيسند على عكاز، ووشه أصفر وشاحب، وعينيه فيها نظرة انتقـ. ـام غريبة.

حسام وقف في مدخل المخزن وبصلي وبص لبنته وقال بصوت مبحوح:

* “كنت عارف إنكم هتيجوا هنا.. مروة، كان لازم تيجوا عشان تشوفي النهاية بنفسك.”

طارق تقدم خطوة وحاول يحميني، بس حسام طلع مسدس من جيبه ووجهه ناحيتنا:

* “لا يا طارق.. مش عايز بطل يتدخل. مروة، قدامك خيار واحد.. يا تيجي معايا دلوقتي وتسيبي كل حاجة، يا إما هخلص على الراجل اللي واقف قدامك ده، وبعدها هتشوفي بنتك بتعمل إيه.”

ليان صـ . ـرخت وهي بتستخبى ورا ضهري، وأنا حسيت إن العالم بيضيق عليا. كنت واقفة بين حب طارق، وندم أحمد، وتهـ . ـديد حسام اللي مبيعرفش الرحمة.

بصيت لحسام وعينيا في عينيه، ولأول مرة، مبقاش فيا خـ . ـوف. بصيت لطارق وأحمد، ولقيت في عيونهم استعداد للمـ . ـوتعشانا.

قلت بحزم: “يا حسام، أنت مريض.. ومريض بمحبتك للسيطرة والامتلاك. لو فاكر إنك ممكن تخـ . ـوفني بعد ما فقدت بنتي ورجعتلي، تبقى غـ . ـلـ . ـطان.”

حسام ضغط على الزنـ . ـاد، بس قبل ما الرصاصة تخرج، سـ . ـمعنا صوت صـ . ـرخة تانية.. صوت بوليس ونور كشافات قوية جداً بدأت تنور المكان من كل ناحية. أحمد كان باعت رسالة للبوليس وهو في الطريق من غير ما حد فينا يعرف!

الحراس اتجمدوا، وحسام بص حواليه بذهول، المـ . ـسدس وقع من إيده، وهو بيحاول يهرب بس البوليس حاصروه في ثواني.

أخدت ليان وخرجـ . ـنا من وسط الدوشة دي كلها. أحمد وطارق كانوا واقفين برة، وشفت لأول مرة نظرة تقدير متبادلة بينهم.. نظرة بتقول إنهم عرفوا مين فيهم اللي بيحبنا بجد.

ركبنا العربية، ومشينا من المكان ده، وأنا باصة لبنتي اللي نامت في حـ . ـضني من التعـ . ـب. كل شيء انتهى.. حسام اتعاقب، وأم حسام اتقبـ . ـض عليها، والماضي اللي كان بيحاول يرجعنا لمكان مكسور، اندفـ . ـن للأبد.

وصلنا البيت، ونزلت ليان على سريـ . ـرها. وقفت قدام الشباك وأنا بتفرج على النور وهو بيبدأ يظهر في السـ . ـما. أحمد وطارق كانوا واقفين مستنيين برة في الصالة.. الاتنين كانوا مستنيين كلمتي الأخيرة.

مين فيهم اللي اختارته؟ ومين اللي حياتي هتكمل معاه؟

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

خرجت للصالة، وبصيت لهم هما الاتنين.. أحمد وطارق. كانوا واقفين مستنيين الكلمة اللى هتحدد مسار حياتى اللى جاية، وعيونهم مليانة تساؤلات ولهفة.

قعدت على الكرسى، وأخدت نفس عميق، وحسيت براحة وسـ . ـكينة مكنتش عارفاهم من سنين. بصيت لأحمد الأول، اللى وقف ندمان وبيرمم في علاقته ببنته، وقلت له بنبرة هادية ومليانة تقدير:

* “أحمد.. أنت أبو ليان، واللى عملته النهاردة عشان تنقذها يثبت إنك فوقت وبقيت أب بجد. بس اللى اتكسـ . ـر بينى وبينك كزوجين ميرجعش.. الحب مـ . ـات واللى فاضل هو الاحترام والأبوة. شقائك وتعـ . ـبك والتزامك مع بنتك هو ده اللى أنا عايزاه منك، ومكانك في حياة ليان هيفضل محفوظ ومحترم، بس كأب وبس.”

أحمد نزّل راسه، وخد نفس طويل، وهز راسه بالموافقة والرضا وكأنه كان متوقع الإجابة، بس عزاه الوحيد إنه مأخسرش بنته.

بعدين لفت وشى لطارق، اللى عينيه لمعت بالأمل، فابتسـ . ـمت له ابتسامة صافية وقلت له:

* “أما أنت يا طارق.. جيت في وقت كنت فاكرة فيه إن قلوب الناس مفيهاش أمان. جيت ورجعتلى إيمانى بالحب القديم والنقى. بس أنا اتعلمت من كل اللى فات إن الست لازم تبنى بيتها على أساس صلب ومطمن الأول. أنا مش هرفضك، بس مش هجرى ورا مشاعرى وأستعجل. ليان محتاجة فترة تطمن وتفهم إن مفيش راجل هييجى ياخد مكانها أو يخليها ‘مشـ . ـكلة’ تانى. لو قادر تستنانى لحد ما البنت تقف على رجلها وتثق فيك.. الباب مفتوح، والوقت بينا.”

طارق ابتسـ . ـم ابتسامة عريضة وكله امتنان، وقال: “مستنيكى العمر كله يا مروة.. المهم إنك وبنتك بخير.”

مرت السنين.. وأثبتت الأيام إن الحكمة في الصبر، وإن القرار الصح هو اللى بنشتريه بكرامتنا وراحة عيالنا.

ليان كبرت وبقت في المدرسة الإعدادية، متفوقة وضحتكها بتملا البيت، وبقى عندها “جيش” بيحميها: أم قوية صاحبة أتيليه مشهور، وأب بيعوضها عن كل لحظة غياب وبيدعمها، وطارق اللى فضل ساندنى في شغـ . ـلى وحياتى كصديق وأخ لحد ما كسب قلب ليان وبقت هى اللى بتقولى: “يا ماما.. عمو طارق بيحبنا بجد، وافقى بقى تتجوزيه”.

واتجوزت طارق بفستان فرح من تصميمى أنا.. فستان ملبستوش وأنا مكسورة، بل وأنا ملكة متوجة بحب بنتى، واحترام ذاتى، وعوض ربنا اللى بييجى دايماً للى بيصون الأمانة.

**الحكمة اللى خرجت بيها من كل سنين عذابى:**

. “إياكِ تضحى بضناكى عشان تشترى راجل، لأن اللى يقبل إنك ترمى لحمك عشان ترضيه، أول واحد هيرميكِ لما تخلـ . ـص مصلحته معاكِ. كونى لنفسك كل حاجة، والراجل الصح مش اللى هيخيرك بينه وبين عيالك، الراجل الصح هو اللى هيشيل عيالك في عيونه قبل ما يشيلك أنتِ.”

.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *