ركبت فريدة الطيارة 4

الكلمة نزلت على فريدة زي الصدمة الكهربائية. القلم وقع من إيدها، وجسمها كله بدأ يترعش تاني:

“أحمد؟! أحمد ابن خالتي ملوش ذنب! أنا.. أنا فعلاً سيبت معاه نسخة احتياطية في الإسكندرية قبل ما أركب الطيارة، قولت عشان لو طارق مسكني في المطار وفتش شنطي، يبقى حق أبويا مضاعش.. يا نهار مش فايت، أحمد هيموت بسببي!”

​كريم ضغط على زرار اللاسلكي وعينه في الأرض بيفكر بسرعة الصاروخ:

“عاصم! اطلع بره حالا، هات المأذون اللي واقف مع الحرس يدخل المكتب.. وخلّي تلات عربيات يتحركوا فوراً على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، عايز أرقام الرجالة بتوع طارق اللي ماسكين الواد هناك تكون عندي في دقيقة!”

​عاصم رد بسرعة: “علم وينفذ يا فندم.”

​التفت كريم لفريدة، وقرب منها، مسك إيدها اللي كانت بتترعش تلوج، وبص في عينيها بكل الجبروت والقوة اللي يملكها:

“امضي يا فريدة.. امضي القسيمة حالا. طول ما أنتي مش مراتي رسمي، أنا بره اللعبة دي قانوناً، ومش هقدر أتحرك لإنقاذ ابن خالتك بكل تقلي، طارق ورجالته لازم يعرفوا إن البلاغ والنسخة اللي مع الواد بقوا يخصوا كريم الشناوي.. امضي!”

​فريدة مكنتش شايفة قدامها من الدموع، مسكت القلم وبإيد مهزوزة مضت اسمها على قسيمة الجواز الشرعية.. “فريدة أحمد الهواري”.

​في نفس اللحظة، المأذون دخل وكتب الكتاب في ثواني معدودة، وفريدة مكانتش سامعة غير طنين في ودنها.. وبنتها خديجة كانت بتعيط فوق. أول ما المأذون قفل الدفتر وقال: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، كريم سحب الدفتر وحطه في خزنته المصفحة وقفلها بكلمة السر.

​بص لعاصم اللي دخل ومعاه الموبيل: “وصلت لإيه؟”

​عاصم وشه كان عرقان: “يا فندم، رجالة طارق اللي في الإسكندرية محتجزين أحمد ابن خالتها في مخزن قديم تبع شركات سليم في منطقة العامرية.. ومعاهم النسخة التانية. بس هما عرفوا إن طارق سليم اتمسك في القاهرة، فمبقوش عارفين يتصرفوا إزاي.. وجالنا تسريب إنهم ناويين يصفّوا الواد ويحرقوا النسخة ويهربوا بره مصر قبل ما رجلهم تيجي في القض..ية!”

​فريدة صرخت وحطت إيدها على بؤها: “يموتوه؟! لاء يا كريم.. لاء أبوس إيدك، أحمد يتيم وموش غير والدته!”

​كريم عدل ساعته الذهب في إيده، وبص لعاصم بنظرة كلها شر:

“جهزوا الطيارة الهليكوبتر الخاصة بالمجموعة في مطار إمبابة.. إحنا طالعين على الإسكندرية حالا. عاصم.. كلملي مدير أمن الإسكندرية على خطي الخاص، وقوله قوة الأمن المركزي تقفل مداخل ومخارج العامرية بالكامل.. أنا مش هسيب كلب من رجالة طارق يخرج عايش من هناك.”

​التفت لفريدة وقالها بصوت هادي بس يطمن: “خليكي هنا مع بنتك، القصر متأمن بـ 50 حارس من رجالتي، ومفيش دبانة تقدر تدخل.. أنا هروح الإسكندرية بنفسي، وهجيب ابن خالتك.. والنسخة التانية.”

​فريدة مسكت في كم قميصه وهي بتبكي: “أنا هاجي معاك! المخزن ده أنا عارفاها.. ده كان مخزن أراضي أبويا اللي طارق وأبوه استولوا عليها، أنا الوحيدة اللي عارفة المداخل الخلفية بتاعته.. لو دخلتوا من البوابة الرئيسية هيحسوا بيكم ويقتلوا أحمد في ثانية!”

​كريم بص لها بتمعن، وشاف في عينيها نظرة قوة وغل مكنتش موجودة من ساعة ما ركبت الطيارة. أخد نفس طويل وقال: “ماشي يا فريدة.. البسي عبايتك، واطلعي معايا.. بس كلمة واحدة مني هناك، تتنفذ بالثانية، فاهمة؟”

​هزت راسها بالمواقفة.

​بعد ساعة ونص بالظبط..

صوت ريش الطيارة الهليكوبتر كان بيشق ضلمة الليل فوق منطقة العامرية في الإسكندرية. الجو كان مغيم، ونسمة البحر المحملة بالملوحة كانت قوية. الطيارة نزلت في حتة أرض فضا بعيدة عن المخزن بكيلومتر واحد عشان محدش يحس بيهم.

​نزلت فريدة ومعاها كريم وعاصم وعشرة من الحرس المدربين على أعلى مستوى، ومعاهم أسلحة كاتمة للصوت.

​المخزن كان عبارة عن هنجر حديدي ضخم وقديم، حواليه سور طوب مكسر، والأنوار جواه كانت ضعيفة جداً. فريدة شاورت لكريم بصوت واطي: “شايف المدخنة القديمة اللي ورا دي؟ تحتها فيه باب حديد صغير كان أبويا عامله للطوارئ عشان يهرب منه الفلوس لو حصل هجوم زمان.. الباب ده ميعرفهوش غيري أنا وصالح سليم اللي مات.. طارق ورجالته ميعرفوش عنه حاجة.”

​كريم شاور لعاصم والرجالة: “اتقسموا مجموعتين.. مجموعة تفتح جبهة من الباب الرئيسي وتعمل شوشرة من غير ما تقتحم، وأنا وعاصم والمدام هندخل من الباب الخلفي.”

​عاصم قلق: “كريم بيه.. خطر عليك تدخل بنفسك!”

كريم بصه نظرة خلت عاصم يسكت فوراً: “نفذ يا عاصم.”

​الخطة بدأت.. فجأة بره المخزن، رجالة كريم بدأوا يضربوا طلقات فوت صوتها عالي جداً بره البوابة الرئيسية، وعربياتهم فتحت النور العالي على الشبابيك.

​جوه المخزن، الرجالة بتوع طارق اتفزعوا. كانوا خمس رجالة مع شوم وأسلحة، وواقفين حوالين أحمد ابن خالتها اللي كان مربوط في كرسي ووشه كله دم من الضرب، والملف محطوط على ترابيزة جنبه.

زعيمهم صرخ: “في إيه بره؟! الحكومة جت ولا إيه؟ اخلص يا منسي وولع في الواد والورق ده!”

​في نفس اللحظة.. الباب الحديدي الصغير الخلفي اتفتح بهدوء شديد من غير ما يعمل صوت. كريم دخل الأول وراه فريدة وعاصم.

​كريم لمح الراجل اللي ماسك قداحة ورايح يولع في الورق وأحمد.. وبمنتهى السرعة والاحترافية، كريم رفع طبنجته الكاتمة للصوت وضرب طلقة جت في إيد الراجل بدقة مرعبة.. الراجل صرخ والسلا..ح والقداحة وقعوا من إيده!

​الرجالة الباقيين التفتوا وراهم بذهول، بس عاصم وكريم مدهمش فرصة.. في أقل من عشر ثواني، تلاتة منهم كانوا في الأرض ومضروبين في رجليهم ومش قادرين يتحركوا، والاتنين الباقيين رفعوا إيديهم وركبهم بتخبط في بعضها لما شافوا كريم الشناوي بنفسه واقف قدامهم وجاكيته الكحلي عليه نقط تراب وهيبته تخد العين.

​فريدة جريت على ابن خالتها وهي بتعيط: “أحمد! أحمد أنت كويس؟”

أحمد بص لها بتعب ومش مصدق: “فريدة؟ أنتي إيجتي إزاي هنا؟ ومين دول؟”

​كريم مشي ببطء، ومسك النسخة التانية من الملف اللي كانت على الترابيزة. قلب فيها بسرعة.. وبص لفريدة وأحمد ونظرة الغموض رجعت لوشه تاني.

​لكن قبل ما حد يتحرك خطوة، الراجل المصاب اللي في الأرض ضحك بوجع وطلع موبايله اللي كان مفتوح على مكالمة شغالة من أول ما كريم دخل، وقال بصوت مخنوق:

“أنت جيت بنفسك يا شناوي.. ههههه.. المدير الكبير كان مستنيك تدخل المخزن ده بالذات.. المخزن كله متفخخ بديناميت من تحت الأرض.. والمكالمة دي مع السكرتير التنفيذي القديم بتاع أبوك.. وهو اللي هيدوس على الزرار دلوقتي حالا ويموتكم كلكم بالملفات!”

​صوت من الموبيل اللي في الأرض طلع، صوت راجل عجوز وضحكته شريرة: “منور يا كريم بيه.. الورق ده لو طلع أنا هتحبس.. ولو تموت أنت وفريدة، عيلة الشناوي كلها هتبقى ملكي أنا.. مع السلامة يا ابن الغالي!”

​وفجأة.. صوت تكتكة رقمية سريعة جداً بدأت تطلع من تحت الأرض في زوايا المخزن كله، والعد التنازلي ظهر على شاشة صغيرة مثبتة على الحيطة.. “30 ثانية”!

​فريدة صرخت، وأحمد حاول يقوم وهو مربوط، وعاصم رفع سلا..حه برعب: “كريم بيه! لازم نخرج حالا!”

​كريم بص للشاشة.. وبعدين بص لفريدة والملف اللي في إيده.. والوقت بيجري: 25.. 24.. 23..

 

في اللحظة دي، ملامح كريم الشناوي اتحولت لبرود جليدي يرعب، مفيش في قاموسه حاجة اسمها استسلام.

​في أقل من ثانيتين، لمح عاصم بيجري يفك أحمد، وكريم صرخ فيه بصوت زي الرعد زلزل الهنجر: “عاصم! سيب الواد وشيله واطلع بيه بره فوراً من الباب الخلفي! فريدة.. ورايا!”

​كريم مسك الملف بإيد، وبالإيد التانية كلبش في دراع فريدة وشدهم هما الاتنين وجري بأقصى سرعة ناحية الباب الحديدي الصغير. العداد على الحيطة كان بيصفر بنغمة مرعبة: 10.. 9.. 8..

​عاصم شال أحمد المربوط على كتفه وزق الباب وخرج، وراه كريم وفريدة اللي كانت رجليها بتخبط في الأرض وبتصرخ من الرعب والتراب العامي عينيها. أول ما رجليهم عتبت بره المخزن وبقوا في الأراضي الفضا..

​0!

​المخزن كله انفجر في ثانية واحدة! كتلة لهب ضخمة جداً ولعت في السماء، وصوت الانفجار هز أرض العامرية كلها، والموجة الانفجارية حدفت كريم وفريدة وعاصم في الأرض.

​فريدة غابت عن الوعي لثواني من خضة الصوت، ولما فتحت عينيها لقت الدنيا ضلمة وكحل، ومفيش نور غير نار المخزن اللي بيتحرق وبيتفحم وراهم. لقت نفسها متغطية بمرتبة جسم كريم الشناوي، اللي كان واخد الصدمة كلها في ضهره لحمايتها.

​كريم قام بتعب وهو بيكح من الدخان، وبص لفريدة: “أنتي كويسة؟”

هزت راسها وهي بتعيط ومنهارة. التفت لقى عاصم وأحمد واقعين جنبهم بس عايشين وبيتنفسوا.

​كريم وقف على رجليه، نفض التراب من على جاكيته الكحلي بكل ثقة وكبرياء، وبص للمخزن اللي بقا رماد.. والملف التاني بقا رماد جواه. السكرتير القديم فاكر إنه كسب ودمر الأدلة، وميعرفش إن كريم الشناوي مبيرحمش.

​كريم طلع تليفونه التاني السري من جيبه، وطلب رقم شخصي، ورد عليه رئيس جهاز رقابي كبير في الدولة، كريم قال بصوت هادي ومرعب:

“يا فندم.. السكرتير التنفيذي القديم لوالدي، صفوت الغريب، لسه محاول اغتيالي حالا في العامرية.. الراجل ده ترفعوا عنه الحصانة وتجيبوه من قفاه قبل الصبح، كل ملفات فساده وغسيل أمواله مع عيلة سليم أنا باعتها على إيميل الجهاز حالا من السيرفر الخاص بتاعي.. اخلصوا منه.”

​قفل الخط، والتفت لفريدة، ومد إيده ليها عشان تقوم. فريدة مسكت إيده وقامت وهي بتبص له بذهول.. الراجل ده مفيش قوة على الأرض تقدر تكسره.

​كريم قرب من ودنها وهمس لها بنبرة دافية وصافية، رجعت فيها حنية الطيارة:

“الملفات اللي كانت مهدداكي ومهدداني اتحرقت وانتهت يا فريدة.. بس حق أبوكي وحق عيلتي هيرجع بالدستور والقانون والشركات اللي هتقع بكره.. دلوقتي، تقدري ترجعي لبيتك في التجمع وتنامي في أمان.. أنتي وخديجة في عصمة كريم الشناوي، والرحلة الصعبة اللي بدأت في الطيارة.. انتهت هنا.”

​فريدة بكت، بس المرة دي كانت دموع راحة وأمان عمرها ما عاشته.. مشيت جمبه وكتفها في كتفه، وركبوا الهليكوبتر وهي عارفة إنها من اللحظة دي.. بقت هانم أكبر عيلة في مصر.

بعد اللي حصل في ليلة العامرية، القصر في التجمع الخامس رجع له هدوءه، بس مكانش هدوء خوف.. كان هدوء بداية جديدة.

​صفوت الغريب وطارق سليم بقوا ورا الشمس، وكل شركاتهم وقعت في البورصة وبقت تحت التصفية، وحق أبو فريدة رجع لها تالت ومتلت بالقانون ومن غير ما اسم عيلة الشناوي يتهز سم واحد.

​مرت ست شهور..

فريدة كانت قاعدة في جنينة القصر، الشمس بتاعة العصر دافية ونضيفة، وخديجة بنتها عمالة تجري وتلعب على النجيل الأخضر وتضحك من قلبها. فريدة مكانتش مصدقة شكل حياتها إزاي اتبدل؛ ملامحها الخايفة والمكسورة اختفت، وحل مكانها وش منور ورايق يليق بـ “فريدة هانم الشناوي”.

​صوت عربية كريم دخل من البوابة. خديجة أول ما شافت العربية وقفت، جريت عليها وهي بتصرخ بفرحة: “بابا كريم! بابا كريم!”

​باب العربية انفتح، ونزل كريم الشناوي بكل هيبته، وبمجرد ما شاف خديجة بتجري عليه، ضحكته الصافية اللي مبتطلعش غير ليها ولأمها ظهرت على وشه. وطى وشال خديجة وضمها لقلبه وباسها: “يا قلب وعين بابا كريم.. عملتي إيه النهاردة في الحضانة؟”

​فريدة قامت وقفت وبصت لهم وهي مبتسمة، الحب كان باين في عينيها ومنور وجهها. كريم مشي ناحيتها وهو شايل البنت، وقف قدامها وبص في عينيها بنظرة طويلة مليانة حنية وشغف.. النظرة الغامضة وبتاعة الشغل اختفت تماماً من شهور، وحل مكانها حب حقيقي وصادق وراجل ميتخيرش عن غيره.

​كريم حط إيده التانية على وسط فريدة وقربها منه وهمس لها: “وحشتيني.”

​فريدة وشها جاب ألوان من الكسوف وقالت بصوت واطي: “حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. لحقت توحشك؟ أنت لسه سايب البيت من كام ساعة بس!”

​كريم نزل خديجة تخليها تلعب تاني، وأخد إيد فريدة وقعدوا سوا على الكراسي في الجنينة، وقال وهو باصص في عينيها وبيتأمل ملامحها: “أنتي بتوحشيني وأنتي قاعدة معايا في نفس الأوضة يا فريدة. أنا طول عمري عايش في الدنيا دي لوحدي، وسط فلوس وحراسة ومؤامرات، وعمري ما تخيلت إن فيه ست تقدر تخليني أعوز أرجع البيت جري أول ما الشغل يخلص.. أنتي وبنتك غيرتوا حياتي ودخلتوا الروح للقصر ده.”

​فريدة دمعة فرحة هربت من عينها، مسكت إيده وضغطت عليها: “أنا اللي ربنا بعتك ليا طوق نجاة يا كريم. أنا مكانش في خيالي إن فيه راجل بالشهامة والحنية دي.. أنا بجد بحبك يا كريم، ومبقيتش قادرة أتخيل حياتي من غيرك.”

​كريم ابتسم من قلبه، وقرب منها وباس راسها باحترام وحب كبير: “وأنا بقيت عايش عشان أشوف الابتسامة دي على وشك.. ومفيش قوة في الدنيا هتبعدك عني تاني. إحنا بدأنا الرحلة دي بكذبة في الطيارة عشان نحمي بعض.. ودلوقتي بنعيشها بجد وأنا حابب كل ثانية فيها معاكي.”

​فريدة ريحت راسها على كتفه.. نفس الكتف اللي نامت عليه وهي خايفة في الطيارة، بس المرة دي ريحت راسها وهي مطمنة، وعارفة إنها أخيرًا لقت بيتها الحقيقي، والراجل اللي بيعشقها وهيصونها هي وبنتها بقية العمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *