ماما تعالى خدينى أرجوكي

“ماما، تعالي خديني أرجوكي… أهل جوزي بهدلوني وأذوني.” لواء في الجيش سابت كل اللي في إيدها وطلعت تجري على المستشفى عشان تحمي بنتها. بس لما واحدة من أكبر وأغنى العائلات في البلد حاولت تضغط عليها عشان تسكت، فهموا متأخر قوي إنهم غِلطوا مع الأم الغلط.

​كنت لسه بلبسي الميري لما خرجت من القيادة العسكرية المغربية كده.

​البدلة الرسمية كانت مكوية على الشعرة، والدبابيس والأوسمة اللي على صدري بتلمع مع آخر خيوط شمس النهار وأنا سايقة في طريقي لمستشفى الشفاء العام.

​بادج الاسم الدهبي اللي فوق جيبي كان مكتوب عليه:

​اللواء فايزة المنشاوي

​ما كانش في مخي غير فكرة واحدة بس.

​أوصل لبنتي.

​أول ما دخلت من باب الطوارئ، ممرضة وقفت في طريقي بسرعة:

“يا فندم، ممنوع الدخول هنا—”

​قاطعتها: “بنتي.. أمل المنشاوي فين؟”

​بصت في وشي ولمحت الرتبة والجدية اللي في عيني، وفي ثانية وسعت من طريقي وسابتني أعدي.

​لقيت “أمل” في أوضة ملاحظة صغيرة في آخر الممر. كانت منكمشة تحت ملاية المستشفى الخفيفة، وشها خاطف ولونها رايح وتعبانة جداً. علامات البهدلة والضرب كانت باينة على دراعاتها، وفستانها الأبيض الغالي مقطوع ومتبهدل.

​بنتي الجميلة..

​نفس البنت الصغيرة اللي كانت بتكلمني كل يوم وأنا في مأمورياتي بره عشان تقولي “صليت وادعيتلك يا ماما”.

​نفس الطفلة اللي كانت بترسم صور للعساكر وتعلقها على التلاجة لما أرجع بالسلامة.

​دلوقتي مش قادرة حتى ترفع راسها.

​همست وهي بتعيط: “ماما…”

​قربت منها بسرعة وأخدتها في حضني.

​جسمها كله كان بيتفض في إيدي زي العصفور الخايف.

​وفجأة، سمعت ضحكة جاية من ورايا.

​”عمرها ما هتبطلي دراما وتسهوك.”

​لفيت وشي بالراحة.

​عند الباب كان واقف جوزها “إياد زهران”، وأمه “ماجدة زهران”، وأخوه الكبير “باهر زهران”.

​بِدل براندات.

​ساعات ألماظ.

​ضحكة صفرا مرسومة على الوشوش.

​والتناكة والغرور باينين في كل حركاتها.

​”ماجدة” كانت لابسة حلق ألماظ ومركبة على وشها ابتسامة باردة تقطع الخميرة من البيت.

​قالت بنبرة ناعمة ومستفزة: “سيادة اللواء فايزة، بنتك جتلها حالة عصبية ووقعت لوحدها.. محدش لمسها.”

​أمل تبتت في كم بدلتي وصوتها بيرتعش: “لأ يا ماما.. حبسوني في فيلا الضيوف، وأخدوا مني تليفوني، وقالوا لي لو اتطلقتي من إياد هنفضحك ونبوظ سمعتك في كل حته.”

​إياد نفخ وبص لفوق: “بتألف وبتكبر المواضيع.. طول عمرها حساسة وبتاعة مشاكل.”

​باهر ضحك باستهزاء: “في ستات كده بتتجوز في عائلات أكبر منها ومش بيبقوا قد المقام.”

​فضلت واقفة جنب بنتي ومتبتة فيها ومسبتهاش.

​ماجدة قربت خطوة وقالت: “مش عايزين شوشرة وقلة قيمة.. إحنا عيلتنا ليها معارف واصلين في المحاكم، وفي الإعلام، وفي الحكومة كلها.”

​قربت أكتر وقالت بخبث: “يعني رتبتك العسكرية دي متخوفناش ولا تفرق معانا.”

​باهر ابتسم بثقة وشماتة: “خدي بنتك وروحي بيتك واحمدي ربنا إننا مش هنرفع عليها قضية تشهير وبلاغ كاذب بسبب الكلام الفارغ ده.”

​بصيت لواحد واحد فيهم.

​بالدور.

​بكل هدوء.

​برود قاتل.

​هم افتكروا إن سكاتي ده خوف وقِلة حيلة.

​وده كان أول وأكبر غلطة غلطوها في حياتهم.

دخل العساكر والضباط الأوضة في خط واحد، خطواتهم كانت بتهز الأرض، والتحية العسكرية ضربت في ثانية: “تمام يا فندم! القوات أمنّت المستشفى بالكامل، وفي انتظار أوامرك.”

​بصيت للضابط المسؤول وقلتله وعيني لسه في عين ماجدة زهران: “الناس دي تتحفظوا عليها هنا.. لحد ما وكيل النيابة يوصل بنفسه، التقرير الطبي بتاع بنتي هيتكتب تحت إشرافي، والمحضر هيتقفل في مكتب مدير المستشفى.”

​باهر حاول يتقدم خطوة وهو بيترعش: “يا سيادة اللواء.. أرجوكي اسمعينا، إحنا ناس ولاد عائلات وبنحب أمل، ده كان مجرد خلاف زوجي بسيط والشيطان دخل بيننا! إحنا مستعدين لأي شروط تطلبيها!”

​ضحكت ضحكة مكتومة، ضحكة كلها سخرية: “شروط؟ إنت فاكر نفسك لسه بتعمل صفقة تجارية في شركتك؟ إنتوا أهنتوا بنتي، وعزلتوها عن العالم، وهددتوها بسيرتها.. ودلوقتي جاي تتكلم عن الشروط؟ القانون هو اللي هيحط الشروط من اللحظة دي.”

​إياد انهار تماماً، وبص لأمه بصوت مليان لوم ورعب: “مش قلتي لي أمها مجرد ست عسكرية مش هتعمل حاجة قدام فلوسنا؟ أهو بيت خرب بسببك!”

​ماجدة بصت لابنها بغِل وهي مش قادرة تنطق، الوجاهة الاجتماعية اللي عاشت عمرها تبنيها بالفلوس والمنظرة، اتهدت في أقل من عشر دقائق قدام هيبة بدلة ميري وصوت أم مفيش في قلبها رحمة للّي ييجي على ضناها.

​قربت من السرير، ووطيت على أمل. شيلت الملاية من عليها بالراحة، وسندتها لحد ما وقفت على رجليها. جسمها كان لسه بيترعش بس النظرة اللي في عينها اتغيرت.. الخوف اختفى، وحل مكانه الأمان الفطري اللي بتديه الأم لبنتها.

​”تقدري تمشي يا قلب أمك؟” سألتها بحنان.

هزت راسها بدموع، بس المرة دي دموع ارتياح: “طول ما إنتي جنبي يا ماما، أقدر أعمل أي حاجة.”

​حاوطت كتفها بدراعي، وبدأنا نتحرك نخرج من الأوضة. وأنا بمر من جنب ماجدة، وقفت ثانية واحدة، وبصيت للحلق الألماظ اللي في ودنها وقلت لها بنبرة هادية جداً:

“اهتموا بالهدوم اللي لابسيرنها دلوقتي كويس.. عشان البدل البراندات والساعات الألماظ دي مش هتشوفوها تاني لفترة طويلة قوي.. النيابة العامة هتوصل كمان شوية، والملفات اللي هتتفتح من بكرة الصبح لشركاتكم.. هتخليكم تتمنوا لو مكنتوش اتولدتوا أصلاً.”

​خرجت من الأوضة وأنا ساندة بنتي، وكل ما نمشي خطوة في ممر المستشفى، العساكر والضباط يوسعوا لنا الطريق ويضربوا التحية العسكرية.

​أول ما طلعنا للهوا بره المستشفى، أمل بصت للسما وأخدت نفس عميق لأول مرة من شهور، كأنها كانت مسجونة وطلعت للنور.

​ركبتها الكنبة اللي ورا في عربيتي القيادية، وقعدت جنبها. مسكت إيدها وبصيت ل سواق العربية: “اطلع بينا على البيت يا ابني.”

​العربية اطلقت في شوارع القاهرة، وأنا ببص من الشباك وعارفة إن المعركة الحقيقية لسه هتبدأ بكرة في المحاكم وفي المكاتب.. بس كنت متأكدة من حاجة واحدة؛ عيلة زهران انتهت، والدرس اللي هيتعلموه مش هينسوه طول ما هم عايشين: إياك تستهين بأم.. خصوصاً لو كانت الأم دي لواء في الجيش.

 

وصلنا البيت.. البيت القديم بتاعنا اللي ريحة النصر والجدية ماليين كل ركن فيه.

​نزلت أمل وسندتها لحد ما دخلتها أوضتها القديمة، الأوضة اللي سابتها من كام شهر وهي عروسة وفرحانة، ورجعتلها الليلة مكسورة.. بس مش لآخر العمر. غيرت هدومها ونامت في سريرها، ولأول مرة من يوم جوازها أشوف جفونها بتسترخي وتنام نوم عميق من غير ما تتفزع.

​قعدت جنبها على طرف السرير، مشيت إيدي على شعرها وأنا لسه ببدلتي الميري. النجمتين والنسر اللي على كتفي مكنوش مجرد رتبة، دول كانوا درع الأمان اللي ربنا سخرهولي عشان أحمي بيه حتة من قلبي.

​سبتها ترتاح، وخرجت الصالون. قعدت ورا مكتبي الصغير، شيلت الكاب العسكري وحطيته قدامي، وبدأت أتحرك. المعركة في الميدان خلصت، بس معركة “الإبادة التامة” لنفوذ عيلة زهران كانت لسه بتبتدي.

​طلعت تليفوني، واتصلت بـ “مكتب الرقابة الإدارية”:

“مساء الخير يا فندم، معاكِ اللواء فايزة المنشاوي. عندي ملف كامل ومستندات تخص شركات ‘زهران جروب’ للاستيراد والتصدير والمقاولات.. تلاعب في الجمارك، وتهرب ضريبي، وتسهيل استيلاء على أراضي دولة. الملف هيبقى على مكتبك الساعة تمانية الصبح.”

​قفلت الخط، واتصلت برئيس تحرير واحدة من أكبر الجرايد القومية، وصديق سلاح قديم:

“يا فندم.. بكرة الصبح قضية تعذيب واحتجاز حرية وابتزاز مواطنة، المتهمين فيها إياد وباهر وماجدة زهران. عايز الرأي العام كله يعرف إن مفيش حد فوق القانون، والنيابة هتباشر التحقيق من الفجر.”

​سندت ضهري على الكرسي وأنا بتنفس بهدوء. أنا عارفة الناس دي كويس، عيلة عايشة على الرشاوي والمنظرة وفكرة “إحنا نشتري أي حد”. ميعرفوش إن في ناس في البلد دي، شرفهم العسكري وكرامتهم أغلى عندهم من كل مليارات الأرض.

​الساعة دقت تمنية الصبح.

​كنت واقفة في مكتب وكيل النيابة، بكامل هيبتي العسكرية. وعلى الكراسي اللي قدام المكتب، كان قاعد باهر وإياد وماجدة.. بس المرة دي مكنش في ساعات ألماظ، ولا بدل براندات مكوية. كان وشوشهم باهتة، الهالات السودا تحت عينيهم، والكلابشات الحديد بتلمع في إيدين “إياد” و”باهر”.

​أول ما دخلت، ماجدة وقفت بلهفة ودموعها نازلة من غير حساب: “فايزة هانم! أرجوكي.. إحنا مستعدين نطلق أمل ونديها كل حقوقها، المؤخر، الشقة، والفيلا.. بس تنازلي عن المحضر، ولادنا مستقبلهم بيضيع، والشركات اتقفلت من الصبح من حماية المستهلك والضرائب!”

​بصيت لها من فوق لتحت ببرود قاتل، ومردتش عليها. وجهت كلامي لوكيل النيابة مباشرة:

“سيادة المستشار.. التقرير الطبي الشرعي بيثبت وجود كدمات وسحجات، بالإضافة للحالة النفسية السيئة نتيجة الاحتجاز. والرسائل والتهديدات الصوتية اللي بعتوها على تليفون بنتي القديم كلها متفرغة وجاهزة في حرز رسمي.”

​وكيل النيابة هز راسه بجدية: “تمام يا فندم. التهم ثابتة، وتم إصدار قرار بحبس المتهمين إياد وباهر زهران 4 أيام على ذمة التحقيق، وإخلاء سبيل السيدة ماجدة زهران بكفالة مالية ضخمة على ذمة قضية الابتزاز، مع منع الثلاثة من السفر والتحفظ على أموالهم لحين انتهاء تحقيقات الرقابة الإدارية.”

​كلمة “التحفظ على الأموال” نزلت على ماجدة زي الصاعقة. حطت إيدها على قلبها ووقعت على الكرسي وهي بتصرخ: “شقا عمرنا ضاع.. ضيعتينا يا فايزة!”

​قربت منها، وقفت فوق راسها بالظبط، وقلت لها بصوت واطي وواضح:

“شقا عمرك ضاع عشان بنتي دموعها غالية.. إنتي قلتي لي إن رتبتي مش هتخوفك.. وأنا أثبتلك إن رتبتي مش عشان أخوفك بيها، رتبتي عشان أجيب بيها حق المظلوم من عيون الظالم. اشربي بقى من نفس الكأس.”

​لفيت ضهري وخرجت من المكتب، وصوت بيادتي العسكرية بيرن في الممر، وورانا صوت عياطهم وندمهم اللي جه متأخر قوي.

​رجعت البيت، فتحت باب أوضة أمل.. لقيتها قاعدة في السرير، الشمس داخلة من الشباك ومنورة وشها، ولأول مرة من سنة كاملة.. شوفت ضحكتها الصافية الحقيقية وهي بتقولي: “حمد الله على السلامة يا سيادة اللواء.. يا أحلى وأقوى أم في الدنيا.”

​ابتسمت، وأخدتها في حضني وأنا عارفة إن الدرس انتهى.. وإن عيلة زهران مش مجرد خسرت قضية، دول اتعلموا بالطريقة الصعبة إن في أمهات.. الغلط معاهم بيمحي عائلات من الخريطة.

 

عدى أسبوع كامل على اليوم ده.

​أسبوع كانت الأخبار فيه في كل مكان بتتكلم عن سقوط “إمبراطورية زهران”. الجرايد وبرامج التوك شو مكنش وراهم غير قضية حبس رجالة العيلة، والتحقيقات اللي كشفت بلاوي تانية تشيب الراس؛ من تهرب ضريبي لصفقات مشبوهة، وكله تحت غطاء “النفوذ” اللي انهار في ثواني قدام كلمة “قانون”.

​في الصالون عندنا، كانت أمل قاعدة ووشها بدأ يرد فيه الدم والنور تاني. المحامي بتاعنا كان قاعد قدامنا وحاطط ورقة على الترابيزة.

​”سيادة اللواء، دي قسيمة الطلاق.. طلاق رسمي بائن، وبكل الحقوق والمؤخر والتعويض اللي حكمت بيه المحكمة إجبارياً بعد ما ثبت الضرر والاعتداء.”

​أمل بصت للورقة، ودمعة واحدة نزلت من عينها، بس المرة دي مكنتش دمعة قهر.. كانت دمعة حرية. رفعت راسها وبصتلي: “أنا مش مصدقة يا ماما.. أنا كنت فاكرة إني هفضل محبوسة في الكابوس ده طول عمري.”

​طبطبت على كتفها وقلت لها: “مفيش كابوس بيقعد يا قلب أمك، طول ما في رب اسمه العدل، وطول ما ضهرك فيه أم مبتخافش غير من اللي خلقها.”

​في نفس اليوم بالليل، تليفوني رن. الرقم كان غريب بس خمنت مين اللي بيتصل. فتحت الخط وجالي صوت “ماجدة زهران”.

​صوتها كان رايح، مكسور، ومفيهوش نبرة التناكة والتعالي بتاعة زمان. كانت بتعيط وبتتكلم بنهجان:

“فايزة هانم.. أرجوكي.. أنا بكلمك كأم لأم. إياد وباهر اتجدد لهم حبس 15 يوم، والشركات كلها اتقفلت والبنك حجز على أرصدتنا.. إحنا بنتدمر.. أبوس إيدك كفاية كده، إحنا خسرنا كل حاجة.. بنتك اتطلقت وأخدت كل اللي عايزاه، سيبيلنا الباقي نعيش بيه.”

​سكتّ ثانية، وسمعت صوت شهقاتها وهي مستنية مني كلمة رحمة. أخدت نفس هادي وقلت لها:

“إنتي بتكلميني كأم لأم يا ماجدة؟.. طب فين مشاعر الأمومة دي لما بنتي كانت بتستغيث بيكي وإنتي بتبتسمي في وشها وتقولي لها ‘وقعت لوحدها’؟ فين الإنسانية لما سبتي ابنك يمد إيده عليها ويحبسها ويحرمها من تليفونها؟”

​اتنهدت وكملت بجمود: “إنتي مش بتعيطي ندم على اللي عملتوه في بنتي.. إنتي بتعيطي على الفلوس والمنظرة والجاه اللي راحوا منك. وأنا مبرجعش في معركة بدأتها.. القانون هياخد مجراه لآخر خطوة، واحمدي ربنا إن القضاء عندنا عادل ومش بيظلم حد.. اللي هتحصدوه هو اللي زرعتوه بإيديكم.”

​وقبل ما تنطق بكلمة تانية، قفلت السكة في وشها.

​تاني يوم الصبح، كنت لابسة لبسي الميري بالكامل، وواقفة قدام المراية بعدل الياقة والأوسمة. بصيت لملامحي.. ملامح ست شافت كتير، بس عمرها ما انكسرت.

​أمل دخلت عليا الأوضة، كانت لابسة فستان بسيط وجميل، ورجعت تحط ضحكتها اللي بتنور البيت على وشها. قربت مني وظبطت لي الكاب العسكري على راسي وقالت لي بفخر: “جاهزة يا سيادة اللواء؟”

​ابتسمت لها وقلت: “جاهزة يا قلب سيادة اللواء.. يلا بينا.”

​خرجنا مع بعض، ركبنا العربية، وأنا عارفة إننا قفلنا الصفحة دي للأبد. عيلة زهران بقوا مجرد درس وعبرة لكل حد يفتكر إن فلوسه تخمّي عين الحق، وأنا رجعت لحياتي وشغلي، بس بأكبر انتصار حققته في دنيتي كلها.. إن حتة من قلبي رجعت لحضني، سالمة، ورافعة راسها فوق.

مرت الشهور، وبقت القضية دي حديث مجتمع المال والأعمال في مصر، والكل بقوا يضربوا المثل بنهاية “عيلة زهران” اللي افتكروا إن نفوذهم ملوش سقف. المحكمة العسكرية والمدنية كملوا شغلهم بكل نزاهة؛ “إياد” و”باهر” أخدوا أحكام بالسجن المشدد بتهم الاحتجاز والابتزاز والتربح غير المشروع، والشركات الكبيرة بتاعتهم دخلت تحت الحراسة القضائية لتسديد أموال الدولة.

​أما “ماجدة زهران”، فالناس شافوها أكتر من مرة قاعدة على رصيف المحكمة، بعباية سودا سادة ومن غير أي ألماظ أو براندات، مستنية زيارة ولادها في السجن.. والكسرة اللي في عينها كانت تمن كل لحظة غرور عاشتها.

​في الناحية التانية، الحياة رجعت تنبض من جديد في بيتنا.

​أمل ملقعتش في مكانها؛ بالعكس، الصدمة خلتها أقوى. بدأت ترجع لشغلها القديم في مجال الديكور، وأسست مكتب صغير خاص بيها. كانت بتنزل من النجمة، ملامحها مليانة حيوية، وعينها فيها لمعة تحدي ونجاح مكنتش موجودة زمان. أمل اتعلمت من أمها إن الضربات اللي متموتش.. بتصنع أبطال.

​وفي يوم من الأيام..

​كنت قاعدة في مكتبي بالقيادة العسكرية، براجع تقارير مأمورية جديدة، لما الباب خبط ودخل سكرتير المكتب وضرب التحية: “تمام يا فندم.. بشمهندسة أمل بره وعايزة تدخل لمعاليكي.”

​ابتسمت وقلت له: “خليها تدخل فوراً.”

​دخلت أمل وهي شايلة في إيدها لوحة هندسية كبيرة ومُجسم لـ مشروع جديد. ملامحها كانت فخر وعزة. حطت الحاجه على المكتت وقالت لي وعينها بتلمع:

“ماما.. أنا كسبت مناقصة تصميم الحي الإداري الجديد للوزارات. المشروع ده كان داخل فيه شركات كبيرة جداً، وبمجهودي وشغلي وتصميمي.. أنا اللي أخدته!”

​قمت من ورا مكتبي، وقفت قدامها وبصيت للوحة، وبعدين بصيت في وشها. أخدتها في حضني طويل قوي، حضن حسيت فيه إن رسالتي كأم كملت على أكمل وجه.

​فكت الحضن وبصت للأوسمة اللي على صدري وقالت برقة: “أنا عارفة إن الأوسمة دي أخدتيها عشان بطولاتك في الجيش.. بس بالنسبة لي، إنتي تستاهلي وسام الشرف الأعلى في الأمومة.”

​قلت لها وأنا بمسح دمعة فخر نزلت من عيني بسرعة عشان هيبة البدلة: “وسامي الحقيقي يا أمل.. هو إني أشوفك

 

واقفة على رجليكي، قوية، وناجحة، ومش خايفة من حد. البدلة دي أنا هقلعها لما أطلع معاش قريب.. بس هيبتك إنتي وشرفك هيفضلوا عايشين العمر كله.”

​مسكنا إيد بعض وخرجنا من المكتب، وأنا حاسة براحة نفسية مفيش بعدها. علمت بنتي إن القوة مش بالفلوس ولا بالصوت العالي.. القوة بالحق، والنزاهة، وبإنك متطاطيش راسك لمخلوق طول ما إنتي على حق.

​قصتنا مكنتش مجرد قصة انتقام.. دي كانت قصة استرداد كرامة، ودرس قاسي لكل ظالم فاكر إن ملوش رادع، كتبته “الأم اللواء” ببيادتها العسكرية على وشوش اللي داسوا على قلب بنتها.

مرت السنتين اللي فاضلين لي في الخدمة العسكرية كلمح البصر.

​جه اليوم اللي كنت مستنياه وبخاف منه في نفس الوقت.. يوم حفل إحالتي للتقاعد (المعاش) بعد رحلة طويلة من الشرف والخدمة في القوات المسلحة. القاعة الكبيرة في وزارة الدفاع كانت مليانة قيادات وضباط من كل الأسلحة، والكل واقف بيصقف احتفالاً بمسيرتي.

​قفت على المنصة بكامل هيبتي العسكرية لأخر مرة، ألقيت كلمتي ووجهت التحية لزمايلي وعساكري. وفي قاعة الحضور، كانت عيني مثبتة على أمل.. اللي كانت قاعدة في أول صف، بتصقف وعيونها مليانة دموع فخر، وجنبها مهندس شاب محترم وطيب، ربنا عوضها بيه وبقى شريك حياتها وبيقدر قيمتها بجد.

​لما نزلت من على المنصة، أمل جريت عليا وأخدتني في حضنها وقالت لي وهي بتهمس: “مبروك يا سيادة اللواء.. أديتي الرسالة في الخدمة، ودلوقتي جه وقت ترتاحي في حضني.”

​بعد مرور فترة..

​في يوم جمعة هادي، كنت قاعدة في جنينة بيتنا الجديد، لابسة هدوم مدنية مريحة، وبشرب قهوتي الصبح وأنا بقرأ الجرنان. في صفحة الحوادث والقضايا، عيني لمحت خبر صغير في الركن:

​”رفض الاستئناف وتأييد الحكم بالسجن المشدد لمتهمي قضية ‘مجموعة زهران’ بتهم الكسب غير المشروع..”

​بصيت للخبر وابتسمت ابتسامة هادية، وحطيت الجرنان على الترابيزة. الكاب العسكري والأوسمة بتوعي كانوا محطوطين في برواز إزاز شيك في صالون البيت، شاهدين على تاريخ محفور بالحق والشرف.

​في اللحظة دي، خرجت أمل من باب البيت وهي شايلة بنتها الصغيرة اللي سمتها “فايزة” على اسمي. البنت كانت ممشية إيدها الصغيرة على وشي وبتضحك، وأمل بصتلي وقالت: “يلا يا ماما.. الأكل جهز، وفايزة الصغيرة مش راضية تأكل غير لما تيجي تقعدي جنبها.”

​شيلت حفيدتي في حضني، وبصيت لأمل ولحياتنا الهادية المستقرة. المعارك الكبيرة بتسيب علامات، بس النهاية دايماً بتكون من نصيب اللي بيمشي سكة الحق.

​عيلة زهران افتكروا في يوم من الأيام إنهم بفلوسهم ونفوذهم يقدروا يكسروا بنت اللواء فايزة المنشاوي، وميعرفوش إن النفوذ بيروح، والفلوس بتتأمم، والغرور بيكسر صاحبه.. لكن الشرف، والكرامة، وهيبة الأمومة المحمية بقوة القانون، بتفضل واقفة زي الجبل، مبتنحنيش أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *