بعد 7سنين زواج 3

دخلت شقتي وباب الهيكل القانوني اللي حماني قفلته ورايا بالترابيس. يوسف نام في حضني وهو ماسك في هدومي وكأنه خايف يصحى يلاقي نفسه تحت تاني. قعدت جنبه وأنا صاحية، عيني مش قادرة تغمض، وسامعة من المنور صوت دربكة وصريخ مكتوم في شقة حماتي تحت.. فضيحة البوكس والعساكر وسط المنطقة هزت برستيجهم اللي كانوا بيتنططوا بيه على الناس، ومدحت كان صوته طالع وهو بيزعق لأمه وأخته ويقولهم: “أهو شفتوا؟ اهي سحبت الفلوس وجابتلي الشرطة على باب البيت وفضحتنا قدام الحارة كلها!”.

على الساعة 10 الصبح، تليفوني رن، كان المحامي. صوته كان فيه نبرة انتصار وسرعة في الكلام:

* “مدام غادة، جهزي نفسك.. قرار التمكين المشترك من شقة الزوجية طلع رسمي ومختوم بختم النسر، وإحنا مش هنستنى لما هما يفوقوا من صدمة امبارح. أنا بلغت قوة التنفيذ، وعلى بعد الظهر هنكون عندك عشان ننفذ القرار ونثبت وضعك في الشقة بقوة القانون، عشان حتى لو جوزك فكر يطردك أو يبيع، القرار ده بيحميكي حماية كاملة كحاضنة.”

نزلت المحل بتاعي وبدأت أتابع شغلي بالركود اللي حصل فيه بسبب سحب الفلوس، بس كان لازم أثبت وأبان قوية قدام العمال والزبائن. وقبل الظهر بساعة، لقيت مكالمة جاية لي من رقم غريب، فتحت الخط لقيت صوت “نهى” أخت مدحت، بس المرة دي صوتها مكانش فيه الكبرياء والتعالي بتاع كل مرة، كانت بتتكلم بنبرة كلها غل ومكسورة:

* “عجبك اللي عملتيه يا غادة؟ خطيبي سابني! اتصل بيا الصبح وقالي إحنا ناس بتوع مشاكل ومحاكم ومينفعش يربط اسمه بعيلة الشرطة دخلت بيتهم امبارح بالليل! حبايبك اللي فرحانة بيهم خربوا بيتي ووقفوا حالي.. الشقة دي كانت حقي، وأنا مش هسيبك تفرحي ولا تتهني بشقاكي ده!”

رديت عليها بكل برود وثقة:

* “خربت بيتك؟ إنتي اللي طمعتي في شقا غيرك يا نهى، وكنتي عايزة تبني بيتك على حساب قهرتي وضياع مستقبل ابني. اللي حصل ده ذنب يوسف وتعب الليالي اللي كنت بصحى فيها وأنتوا نايمين.. اطلعي من دماغي بقى عشان أنا مش فاضية لك.”

قفلت السكة في وشها، وحسيت براحة غريبة.. العدالة الإلهية بدأت تتحرك أسرع مما كنت أتخيل.

على الساعة 2 الظهر، وصلت البيت لقيت المحامي مستنيني ومعاه معاون التنفيذ واتنين عساكر. طلعنا فوق، وأول ما مدحت فتح الباب وشاف القوة والمحامي، وشه بقى أزرق وفقد النطق. المعاون بصل لمدحت وقاله بصوت رسمي ناشف:

* “معانا قرار تمكين للمدام غادة من شقة الزوجية، هيتم إثبات وجودها وتمكينها من العين ومنع تعرضك ليها أو لأي حد من طرفها.”

حماتي طلعت تجري من شقتها تحت على الصوت، وبدأت تصوت وتلطم على وشها في الممر: “يا ناس يا عالم.. تعالوا شوفوا الفاجرة بتطرد ابني من بيته! الشقة دي ورث المرحوم! دي بلطجة!”

المحامي بصلها بكل برود وقام مطلع ورق رسمي من شنطته وقال بصوت عالي سمّع الجيران اللي واقفين على السلالم:

* “يا ست يا كبار، القانون فوق الجميع.. القرار ده تمكين مشترك بصفتها زوجة وأم حاضنة، يعني هتقعد هنا ومحدش يقدر يمس شعرة منها.. وبالمرة بقى، عشان تبقوا عارفين الخطوة الجاية، إحنا رفعنا النهاردة قضية نفقة متعة وعدة ونفقة صغار، وقضية (أجر مسكن) لأن الأستاذ مدحت مأمنش لمراته وابنه مسكن مستقل، وبكرة المحكمة هتحجز على المحل بتاعه والضمانات المالية اللي تخصه لو مدفعش!”

مدحت حس إن الحبل بيتدلى حوالين رقبته من كل حتة.. خسارة خطيب أخته، وضياع السيطرة على الحساب البنكي، والتمكين اللي اتفرض عليه في شقته بالقوة، والقضايا اللي هتحجز على ماله وشغله.

بصلي بعيون حمرا، وعروق رقبته كانت هتطق من كتر الغل والخزي، وقرب مني خطوة وهو بيوشوشني بصوت مرعب ومبحوح:

* “ماشي يا غادة.. فاكرة إنك كسبتي؟ والمحاكم والدفاتر هتحميكي مني؟ الشقة الجديدة اللي إنتي فرحانة بيها وكتباها باسم يوسف.. أقسم بالله العظيم ما هتدخليها، وهحرقها لك باللي فيها، ومش هخليكي تطولي منها حيطة واحدة واقفة.. وإنتي اللي بدأتي!”

ساب المعاون والعساكر، ونزل يجري على السلم زي المجنون، وحماتي بصتلي بنظرة توعد وراحت نازلة وراه وهي بتكلم حد في التليفون وبتقوله: “الحقنا يا أبو عماد.. البت خربت بيتنا وعايزين نخلص منها ومن ابنها الليلة دي!”.

وقفت في وسط الشقة وأنا بمسك يوسف اللي كان خايف، وجسمي كله سقع.. التهديد بالمرادي مكانش مجرد كلام، ومدحت وأهله مابقاش عندهم حاجة يخسروها بعد ما كل خططهم اتهدت فوق دماغهم.

 

جملة حماتي لـ “أبو عماد” ونبرة صوتها المرعوبة والمليانة شر خلت شعر جيراني يقف قبل شعري. المحامي بتاعي لقط الكلمة وبص لمعاون التنفيذ وقال له: “أثبت التهديد ده في المحضر يا فندم، الست دي بتستعين بناس برة القانون”. المعاون كتب كل حاجة، ومضيت أنا ومدحت—اللي كان بيمضي وإيده بترتعش من كتر الغل—على محضر التمكين.

بعد ما القوة مشيت والمحامي طمني وقالي: “أنا هروح أعمل بلاغ فوري بخصوص التهديد بالحرق وبلاغ ضد المدعو أبو عماد ده”، قفلت باب شقتي عليّ أنا وأمي وابني يوسف. مكنتش قادرة أقف على رجلي، قعدت في الصالة وعيني على الباب، وكل خبطة على السلم كانت بتخليني أتنفض.

على الساعة 9 بالليل، النور انقطع فجأة عن الشقة كلها! المنور كمان كان ضلمة كحل. طلعت بسرعة بصيت من العين السحرية، مكنش فيه أي صوت. فجأة، شميت ريحة غريبة.. ريحة جاز وبنزين نفاذة جداً بدأت تتسرب من تحت الباب وبتخنق الأنفاس!

أمي صرخت: “الحقيني يا غادة! في ريحة حريق برة والجو بيموت!”. جريت على الأوضة شلت يوسف في حضني، ولقيت ضوء نار برتقالي بدأ يظهر من تحت عتبة الباب، وصوت طقطقة الخشب وهو بيولع! مدحت نفذ تهديده، وكان بيحرق الشقة بينا وإحنا جواها!

صوت يوسف بقى عالي بالبكاء وهو مش قادر يتنفس، وأمي قعدت تكح وتصرخ وتخبط على حيطة الجيران. جريت على البلكونة وفتحتها بكل قوتي وصحت بأعلى صوتي في الشارع: “الحقونا يا ناس! بنموت! مدحت بيحرق البيت علينا!”.

الشارع كله اتقلب في ثواني.. الجيران جريوا وشباب المنطقة طلعوا يجروا على السلم وبدأوا يكسروا في الباب ببلطات وحديد، وبيرشوا مياه وطفيّات حريق. دقايق كانت كأنها سنة كاملة، لحد ما الباب اتكسر، والشباب دخلوا وسط الدخان، شالوا أمي ويوسف وسحبوني لبرة قبل ما النار تأكل الصالة بالكامل.

وأنا نازلة على السلم بجر نفسي وبلقط نفسي بالعافية، لقيت خناقة وضجة تحت في مدخل البيت.. الشباب بتوع الحارة كانوا ماسكين مدحت ومعاه واحد صايع بوش مشوه—اللي عرفت بعد كده إنه “أبو عماد”—وكان في إيديهم جرادل بنزين فاضية وولاعات! الجيران لما شافوا المنظر وشافوا ابني وهو بيختنق، هجموا على مدحت وأبو عماد وعجنوهم ضرب، لدرجة إن مدحت كان بينزف من كل حتة وبيصرخ ومحدش يرحمه.

على ما المطافي وصلت كانت النار اتمسكت في الصالة بس، والشرطة جات مع عربية الإسعاف. اتقبض على مدحت وأبو عماد متلبسين بالبنزين والولاعات وبشهادة الحارة كلها اللي شافتهم وهم بيولعوا في الشقة وبيقفلوا بوابة البيت من برة بالجنزير عشان مانعرفش نخرج!

حماتي كانت واقفة في ليلة سقوطها الأخير، بتلطم وتصرخ في وسط الشارع بعد ما شافت ابنها بيتركب في البوكس وهو متبهدل، وبتترجاني: “بوس إيدك يا غادة.. بلاش حبس يا بنتي! ده جوزك وأبو ابنك! بيتنا اتخرب وبنتنا اتفضحت وابني هيضيع!”.

بصيت لها ودموعي نازلة من الدخان والقهر، وقلت لها بصوت طالع من وسط الوجع:

* “ابنك كان عايز يموتني أنا وابنه عشان شقة وفلوس.. القانون اللي كنتوا بتستهزأوا بيه، هو اللي هيجيب لي حقي وحق ابني، والمرة دي مفيش تراجع ولا هقبل دية، ومكان ابنك من النهاردة ورا القضبان.”

اتحرك البوكس بمدحت، ورحت أنا وأمي ويوسف على المستشفى عشان نطمن على التنفس، وأنا قاعدة على السرير وضامة ابني ليوسف، المحامي اتصل بيا وقالي: “الجناية لبستهم رسمي يا مدام غادة، شروع في قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد، وحرق عمد.. مدحت مش هيشوف الشمس تاني قبل 15 سنة!”.

حسيت بنسمة هوا باردة دخلت صدري.. شقتي القديمة اتحرقت صالتها، بس شقتي الجديدة اللي باسم يوسف لسة زي ما هي، نضيفة وواسعة ومستنيانا.. والشر اللي عشت فيه 7 سنين انتهى للأبد، بس لسة باقي الخطوة الأخيرة عشان أقفل الصفحة دي تماماً.

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

بعد ليلة طويلة عشناها بين جدران المستشفى وممرات النيابة، طلع النهار.. بس المرة دي مكنش نهار عادي، كان أول نهار أحس فيه بنور الشمس بجد، نهار غسل من قلبي قهر سبع سنين كاملة.

مسكت إيد يوسف ابني وإيد والدتي، ورجعنا على الحارة. البيت اللي عشت فيه أجمل وأصعب أيام حياتي كان هادي تماماً، شقة حماتي تحت مقفولة وضلمة، بعد ما “نهى” أخدت أمها وسابوا المنطقة كلها هرباً من كلام الناس ونظرات الشماتة والفضيحة اللي لحقت بيهم، خصوصاً بعد ما المحامي أثبت في التحقيقات إن حماتي كانت شريكة بالتحريض ومكالمتها لـ “أبو عماد” هي اللي حركت الجريمة.

المحامي كلمني الصبح وصوته كان كله ثقة وفخر وهو بيقولي:

* “مبروك يا مدام غادة، النيابة أمرت بحبس مدحت وأبو عماد 15 يوم على ذمة التحقيق، والقضية اتحولت لمحكمة الجنايات بتهمة الشروع في القتل العمد والحرق العمد مع سبق الإصرار والترصد. الشهود من الجيران مسبوش ثغرة واحدة، والتقرير الفني للمطافي أثبت البنزين.. مدحت مستقبله ضاع، والمحل بتاعه والورث كمان هيتحجز عليه لصالح نفقة ابنك ومصاريف علاجكم وتعويض التلفيات.”

قفلت السكة وأنا بتنفس براحة لأول مرة. رحت للمحامي، ووقفت معاه وخلصت كل الإجراءات؛ رفعت قضية خلع عشان أقطع آخر حبل بيربطني بالراجل ده، ومبقاش على ذمته ولا ثانية واحدة.

بعد أسبوع، كنت واقفة قدام باب شقتي الجديدة.. الشقة اللي اشتريتها بعرقي وشقايا ونوم عيني اللي استرخصته. حطيت المفتاح في الكالون، وفتحت الباب. الشمس كانت مالية المكان، ريحة النضافة والأمان كانت مالية الهوا، مفيش دخان، مفيش غل، ومفيش حد يملي عليا أوامره أو يطمع في لقمة ابني.

يوسف دخل يجري وهو فرحان ببيته الجديد ويقولي: “المكان هنا جميل أوي يا ماما.. أنا هختار الأوضة دي عشان الشمس فيها واسعة”. بصيت له وابتسمت، ودموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع النصر والراحة.

تعب السنين مضعش، والـ 7 سنين المرار كانوا الدرس القاسي اللي صنع مني الست القوية اللي واقفة النهاردة، ست بـ 100 راجل، قدرت تحمي ابنها وتأمن مستقبله، ووقفت في وش الإعصار ومتهزتش.

### الحكمة

من وسط النار والرماد، طلعت بحكمة عمري كله واللي عشتها بدمي وشقايا:

* **التنازلات أولها اختيار.. وآخرها إجبار:** الست اللي بتبدأ حياتها بالتنازل عن حقوقها بحجة “المركب تمشي”، بتصحى تلاقي نفسها مجبرة تتنازل عن كرامتها وشقا عمرها.. المركب اللي متامنش على كرامتك، تغرق أحسن.

* **الطيب المتخاذل أشد خطراً من الشرير الظاهر:** “مدحت” كان في الظاهر راجل طيب، بس ضعفه قدام أهله وعدم قدرته على حماية بيته ومراته حوله لمجرم خان أمانته.. الراجل اللي ملوش كلمة في بيته، ملوش أمان.

* **شقى اليد ورث الولد.. والأمان الحقيقي هو السند القانوني والمادي:** في زمن غدر الزمان، مفيش حاجة بتحمي الست قدام الطمع والجشع غير شغلها، وذمتها المالية المستقلة، وقوة القانون. القرش اللي بتتعب فيه الست وتخبيه للزمن، هو السند اللي هيشيلها ويشيل أولادها لما كل الإيدين تتخلى عنها.

**#الكاتب_رومانى_مكرم**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *