ابن اخويا كان كل ماييجى

ابن أخويا كان كل ما يجي عندي بعد المدرسة يطلب رغيف عيش ناشف من غير أي حاجة لكن يوم ما حطيتله جبنة ولحمة في الساندوتش، فضل باصصلي شوية وسألني أنا عملت إيه حلو عشان أستاهل الأكل ده؟
اسمي نادية.
عندي 36 سنة.
ومتجوزتش.
وعايشة لوحدي في شقة صغيرة ورثتها عن أبويا.
ومن أكتر الحاجات اللي كانت بتفرحني زيارة ابن أخويا يوسف.
يوسف عنده 8 سنين.
وكان تقريبًا بيجيلي كل يوم بعد المدرسة.
يخبط الباب.
يدخل بهدوء.
يسلم عليا.
ويقعد على طرف الكنبة.
وبعدين يقول نفس الجملة كل مرة
ممكن رغيف عيش؟
بس كده.
لا جبنة.
لا مربى.
لا حلاوة.
ولا أي حاجة.
رغيف عيش ناشف وخلاص.
في الأول افتكرت إنه طفل غريب شوية.
أو يمكن مش بيحب الأكل.
لكن مع الوقت بدأت أخد بالي من حاجات مقلقاني.
الولد كان بياكل الرغيف بسرعة كأنه جعان من يومين.
وكان دايمًا يلم الفتافيت اللي تقع منه ويحطها في جيبه.
وأول ما يشبع يقول
ينفع آخد الباقي معايا؟
في يوم قررت أعمله ساندوتش جبنة ولحمة.
حاجة بسيطة يعني.
أول ما حطيته قدامه اتجمد مكانه.
وبص للساندوتش كأنه عمره ما شافه.
قلت له مبتسمة
مالك يا يوسف؟ كل.
رفع عينه ناحيتي.
وكان فيه خوف غريب في نظراته.
وبعدين سألني بصوت واطي جدًا
أنا عملت إيه حلو عشان أستاهل الأكل ده؟
ساعتها حسيت إن قلبي وقع.
قلت له
يعني إيه؟
نزل عينه للأرض.
وقال
عشان بابا بيقول إن الأكل الحلو بيكون للناس اللي تستاهل وأنا أغلب الوقت ما بستاهلش.
في اللحظة دي
عرفت إن في حاجة غلط بتحصل في البيت.
حاجة أكبر بكتير من مجرد طفل جعان.
لكن اللي اكتشفته بعدها بأيام
خلاني أندم إني ما سألتش من بدري.
لأن يوسف ما كانش بيخبي فتافيت العيش في جيوبه علشان ياكلها بعدين
كان بيخبيها لشخص تاني.
وشخص ما كنتش أتخيل أبدًا إنه محتاج الأكل أكتر منه.

سكتُّ لحظة، وقلبي كان بيدق بسرعة، مش عارفة أرد عليه إيه. كلامه زي السکين دخل في قلبي، وخلاني أحس بغصة كبيرة. نزلت لمستواه، وقعدت على الأرض قدامه عشان أكون قريبة منه، وقلت له بصوت هادئ ومليان حنان
يا حبيبي، الأكل مش حاجة بتاخدها لما تعمل حاجة حلوة. الأكل حق كل إنسان، وخصوصًا الأطفال. أي حد جعان من حقه ياكل، سواء عمل حاجة ولا لأ. مفيش حد في الدنيا مش مستاهل ياكل يا يوسف، فاهم؟
رفع عينه ببطء، وكانت عينيه مليانة دموع بيحاول يخبيها، وقال بس بابا بيقول كده دائمًا بيقول إن اللي مش بيشتغل ومش بيجيب فلوس مش من حقه ياخد حاجة كويسة.
حسيت إن الكلام ده مش مجرد كلام، وإن وراه قصة كبيرة. قلت له طيب، ممكن تقولي لي لما بتلم الفتافيت وتحطها في جيبك بتاخدها لمن؟ قلت لي إنك مش بتاكلها بعدين.
ارتجف شوية، وبدا عليه الخۏف، وكأنه بېخاف يقول أي حاجة. مسكت إيده الصغيرة الدافئة، وقلت له متخفش، أنا معاك، ومش هقول لحد حاجة إلا لو أنت عاوز. بس عاوز أطمن عليك

موقع أيام نيوز

وعلى اللي بتروح له.
سكت كتير، وبعدين همس بصوت بالكاد يسمع لجدتي أم بابا. هي نايمة في الغرفة الصغيرة اللي في آخر البيت، ومش بتطلع منها كتير. بابا بيقول إنها عبء علينا، ومش بيعطيها أكل كتير. فأنا بلم الفتافيت وباخدها لها عشان ما تموتش من الجوع.
ساعتها حسيت إن الدنيا كلها وقفت في وشي. جدته! أم أخويا الكبير اللي ماټت زوجها من سنين، وسكنت معاه هو وزوجته. كنت أعرف إنها عايشة معاهم، بس ما كنتش أتخيل إن حالها كده. كنت أزورهم من فترة للتانية، وكنت بشوفها قليلة الكلام، بس ما خطرش في بالي أبدًا إنها بتتعامل كده.
قلت له وأنا بحاول أتماسك عشان ما أخوفه أكتر طيب ليه ما قلتليش من قبل كده؟ أنا كنت ممكن أعملك ساندوتشات كتير وتاخدها معاك.
قال وهو بيمسح دموعه بإيده الصغيرة بابا بيقول لو عرف إنني جبت من عندك حاجة، هياخدها مني ويزعل مني، وبيقول إنني مش عاوز أتعبك. وأمي بتقول إننا لازم نعتمد على نفسنا.
الكلام ده كان بيوضح لي الصورة شوية. أخويا، الله يسامحه، كان راجل قاسې الطباع، بيفكر إن الحياة بس فلوس وشغل، وإن اللي مش بيجيب فلوس ما له قيمة. وزوجته كانت ساكتة، أو يمكن متواطئة معاه. وكل ده بيقع على رأس الطفل العجوزة والطفل الصغير.
قلت له طيب، اسمع مني. من النهاردة، كل يوم لما تجيلي، هعملك ساندوتشين، واحد تاكله هنا، والتاني تاخده معاك. بس بشرط ما تقولش لحد إنك جبته من عندي، فاهم؟ عشان محدش يزعلك، ومحدش ياخده منك.
فرحت عينيه شوية، وبدا عليه الارتياح. أكل الساندوتش ببطء المرة دي، وكأنه بيحس بطعمه، وبعدين لما خلص، قلت له خد، ده التاني، حطه في جيبك بعناية، ومتخليش حد يشوفه.
أخده منه بفرحة، وقام يسلم عليا ويروح. وقفت عند الباب أراقبه وهو بيمشي في الشارع، وقلبي كان معاه. عرفت إن المشكلة مش بسيطة، وإنني لازم أتصرف، بس بحذر، عشان ما أجيب مشاكل ليوسف وجدته.
مرت الأيام، وكل يوم كان يوسف يجيلي، وكل يوم كنت أعمله الأكل، وكنت أحط له معاه أحيانًا قطعة جبن إضافية، أو شوية مربى، أو حتى فاكهة زي الموز أو التفاح، أشياء بسيطة بس كانت تعني له كتير. وكل مرة كان بياخد الحاجة التانية ويقول لي بامتنان شكرًا يا خالتي نادية، جدتي بتدعي لك كتير.
وفي يوم من الأيام، لما كان بياخد الساندوتش، سألته طيب يا يوسف، جدتك بتعرف إنك بتجيب لها الأكل ده؟
قال أيوة، بتعرف. وهي بتدعي لي، وبتقول إنني راجل البيت الصغير، وإنني بحميها. بس هي پتخاف من بابا زيي بالظبط. بتقول إنها مش عاوزة تسبب لي مشاكل.
الكلام ده زاد قلقي. عجوزة في سنها، محتاجة رعاية وأكل وشراب، ومحپوسة في غرفة، ومش بتاخد حقها. وطفل

صغير مضطر يخبي الفتافيت عشان يطعمها. ده مش معقول.
فكرت كتير، إيه اللي ممكن أعمله؟ لو رحت واجهت أخويا مباشرة، ممكن يمنع يوسف من المجيء لي، وممكن يعاملهم أسوأ. ولو سكت، الحالة هتستمر ويمكن تسوء أكتر. فقررت أروح أزورهم، بطريقة عادية، عشان أشوف بنفسي الوضع.
بعد يومين، جهزت كيس فيه شوية خضار وفاكهة، وروحت لبيتهم. لما فتحت زوجة أخويا الباب، استغربت شوية، وقالت أهلاً يا نادية، اتفضلي.
دخلت، وسلمت على أخويا اللي كان قاعد على الكنبة بيشاهد التلفزيون. قلت لهم جيت أطمن عليكم، وعلى أمك كمان. هي عاملة إيه؟
نظر أخويا لي بنظرة غريبة، وقال هي كويسة، زي ما هي دائمًا. مش بتقدر تتحرك كتير، فبتبقى في غرفتها.
قلت ممكن أشوفها؟ أطمن عليها.
تردد شوية، وبعدين قال طيب، تعالي.
مشيت وراه لحد الغرفة الصغيرة في آخر البيت. فتحت الباب، وطلعت لي رائحة قديمة ومكتومة. الغرفة كانت ضيقة، فيها سرير واحد قديم، وكرسي، وطاولة صغيرة. وكانت الجدة قاعدة على السرير، وشكلها هزيل جدًا، وجهها أصفر، وعينيه تعبانة.
لما شافتني، حاولت تبتسم، وقالت بصوت ضعيف أهلاً يا بنتي.
اقتربت منها، ومسكت إيدها الباردة، وقلت لها إزيك يا طنط؟ عاملة إيه؟
قالت الحمد لله، على كل حال. شكرًا لزيارتك.
نظرت حولي، لقيت على الطاولة كوب ماء بارد، ولا شيء تاني. حسيت بغصة في قلبي، بس حاولت أخلي كلامي طبيعي. قلت جبت معايا شوية فاكهة، أكلها لما تجوعي.
شكرتني، وقالت لي بهمس الله يخليك لابنك، ويجازيك خير.
عرفت إنها تقصد يوسف. سلمت عليها، وطلعت، وقلبي محروق. في الطريق، قلت لأخويا يا أخي، الوضع مش كده. أمك محتاجة أكل كويس ورعاية، ومش معقول تسيبها كده.
رد عليا بحدة أنا بعمل اللي عليا. مش عاوزة تتدخلي في حاجات مش بتخصك. أنا عارف مصلحة بيتي أكتر منك.
قلت له مش مصلحة إنك تسيب أمك تتضور جوعًا! وابنك كمان، مش معقول تعلمه إن الأكل حاجة بتاخدها بالاستحقاق!
زعق وقال ده تربيتي، ومش هسمح لك تتكلمي كده. يوسف ابنى، وأنا حر فيه. لو مش عاجبك، متجيش تاني.
طلعت من البيت وأنا مکسورة الخاطر، عارفة إن الكلام معاه مش هينفع. رجعت لشقتي، وفكرت في حل تاني. مكنش ينفع أسكت، ولا ينفع أواجهه أكتر من كده. فقررت أتكلم مع حد من أهل الثقة، عمي الكبير، راجل كبير في السن، ومحترم في العائلة، وبيحكم بالعدل.
في اليوم التالي، رحت له، وحكيت له كل حاجة، من أول ما يوسف بدأ يجيلي ويطلب العيش الناشف، لحد ما عرفت الحكاية، ولحد ما شفت الوضع بعيني. استمع لي بتركيز، ووجهه اتغير، وقال ده مش معقول. أمي وأبونا ربونا على الخير، وده مش من أخلاقنا.
قرر إنه يروح معايا، ومعاه تاني من أعمامي، عشان نتكلم مع أخويا بهدوء، ونوضح له غلطه. رحنا كلنا، ولما دخلنا، استغرب

أخويا من وجودهم، وقام يسلم. جلسنا، وبدأ عمي الكبير الكلام بهدوء، وشرح له إن بر الوالدين واجب، وإن معاملته لأمه مش صح، وإن ما يفعله بيؤثر على الطفل وبيغرس فيه معاني غلط.
في البداية، أخويا كان معاند، وبيقول إننا مش فاهمين ظروفه، وإن الحياة صعبة، وإن تكاليف المعيشة غالية. بس عمي قاطعه وقال الظروف مش بتجوز قسۏة القلب. حتى لو كان عندك قليل، الحق يبقى حق. أكل أمك مش هياخد من رزقك، والله بيزيد الرزق للي بيعمل الخير. وابنك، اللي بتعلمه إياه دلوقتي، هو اللي هيعمله معاك لما تكبر وتضعف. فكر في كده.
وبدأوا كلهم يتكلموا معاه، بهدوء وبدون صړاخ، ويوضحوا له الدين والأخلاق والقيم. وبدأت معالم وجهه تتغير، وبدا عليه الندم، وإن الكلام وصل لقلبه. قال بصوت أهدأ أنا أنا ما كنتش أقصد أؤذيها. بس الضغط كتير، وكنت شايف إنها عبء، ومش عارف أتصرف. وكنت فاهم إن كده بعلم ابني الاعتماد على النفس.
رد عمي التعليم مش بالقسۏة، ولا بحرمان الحقوق. التعليم بالحب والعدل. الاعتماد على النفس مش معناه إنك تمنع الأكل عن الضعيف.
بعد نقاش طويل، وافق أخويا إنه هيغير معاملته، وإن هيهتم بأمه، ويوفر لها الأكل والشراب والرعاية، وإن هيغير طريقة كلامه مع يوسف، ويعلمه القيم الصحيحة. وطلب مني أنا وعمي نتابع معاه عشان نطمن.
من اليوم التالي، جاء يوسف عندي كالعادة، بس كان فيه فرق كبير في نظراته. قلت له إيه الأخبار يا يوسف؟
قال بفرحة بابا غير معاملته كتير. جاب لجدتي أكل كتير، وقال لها إنه آسف، وإنها مش عبء. وبيقول لي إن الأكل حق كل واحد، وإن الحاجة الحلوة بتكون للي بيحب الخير.
فرحت قلبي جدًا، وقلت له شفت؟ كل حاجة بترجع لطبيعتها لما نعرف الحق من الباطل.
واستمر يوسف يجيلي كل يوم، بس المرة دي مش عشان ياخد عيش ناشف، بل عشان يجلس معايا، ويحكي لي عن مدرسته، وعن أصدقائه، وعن جدته اللي بدأت تتحسن صحتها شوية، وبدأت تطلع من الغرفة وتجلس معاهم في الصالة. كنت أعمله الأكل، وكان ياكل بفرحة، وكنت أحيانًا أجلس معاه ونأكل سوا، ونتكلم.
مع مرور الشهور، تحسنت أحوال الجدة أكتر، وبدأت تستعيد قوتها، وكانت كل مرة تشوفني، تدعي لي وتقول إنني رديت الحياة لبيتهم. وأخويا، بدأ يغير طباعه، وبدأ يعامل الناس برحمة، وبدأ يهتم بابنه ويقضى معاه وقت أكتر.
ويوسف، بقي طفل سعيد، بيلعب ويضحك زي أي طفل في سنه، ومش بيلم الفتافيت ولا بيخبي حاجة. كان دائمًا بيقول لي أنا بحبك يا خالتي نادية، أنتِ علمتني إن الحق أحلى حاجة.
كنت أبتسم وأقول له الحق هو اللي بيجعل الحياة طيبة يا يوسف. ومهمتنا كلنا إننا نكون جنب بعض، ونعين بعض على الخير.
وبقيت زيارة يوسف ليا من أجمل الأوقات
في يومي. لم تكن مجرد زيارة طفل عاوز أكل، بل كانت علاقة حب واحترام وثقة. وعرفت من القصة دي إن الصمت على الظلم مش حل، وإن الكلمة الطيبة والمحاولة الصادقة ممكن تغير حياة ناس كتير، وترجع الحقوق لأصحابها، وتعيد البسمة لقلوب اللي اتكسرت.
والجدة، بعد ما استعادت صحتها، كانت بتجلس مع يوسف وتحكي له قصص زمان، وتعلمه الصدق والكرم، وإن القلب الطيب هو أغلى ما يملكه الإنسان. وكل يوم كانوا بيجوا مع بعض يزوروني، ويجلسوا معايا، ونشرب الشاي، ونحكي، ونضحك. وبيتي الصغير، اللي كنت أعيش فيه لوحدي، بقي مليان ضحك وحنان، وملئ بالحب اللي جمعنا كلنا.
وعرفت إن العيش الناشف اللي كان يطلبه يوسف في البداية، ما كانش مجرد أكلة، بل كان رسالة، كانت بتقول إن وراها قصة، وإن وراها حاجة محتاجة إنها تتكشف، وتتصلح. وإن الساندوتش البسيط اللي عملته له، كان بداية طريق لإنقاذ عائلة كاملة، وإنقاذ قلوب كانت على وشك أن تقسو أو تنكسر.
والحياة استمرت، وكل يوم بيتعلم فيه الإنسان درس جديد، وكل درس بيخليه أقوى وأكثر رحمة، وبيخليه يعرف إن مهما كانت الظروف، الخير دائمًا هو اللي بيكسب في النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *