من غير ما يحس ابني 1
من غير ما يحس، ابني ساب الخط مفتوح… وسمعته بودني وهو بيقول عليا إني “حِمل تقيل” على حياته.
عشان كده، وفي الوقت اللي كان هو ومراته “أحلام” بيتفسحوا بين تركيا ودبي، بياخدوا صور وبيخططوا لمستقبلهم، وهما واثقين ومطمنين إن بيتي ده هيبقى حتة من المستقبل ده، كنت أنا بنفذ خطتي في هدوء تام.
بعت البيت اللي شقيت أنا ووالده الله يرحمه اتنين وتلاتين سنة عشان نسدد أقساطه ونبنيه طوبة طوبة.
لميت كراكيب وعمري كله من غير ما أقول لمخلوق.
ومشيت.
وبعدين رجعت في الوقت المناسب بالظبط…
عشان أشوف مفتاحه وهو بيلف على الفاضي في كالون باب بيتي.
المفتاح كان معصلج.
“سيف” واقف قدام الباب بهدوم السفر اللي راجع بيها من المطار، ماسك في إيد شنطة سفر كبيرة، والإيد التانية بتعافر بالمفتاح جوه الكالون مرة ورا التانية، وكأن الكالون هو اللي غلطان.
“أحلام” واقفة جنبه بنظارتها الشمسية الكبيرة وشنط الشوبينج والمشتريات اللي مالية إيديها.
الابتسامة كانت لسه مرسومة على وشها…
لحد ما الباب حالف ما يتفتح.
ساعتها سيف جرب تاني، وبغُشم أكتر.
الابتسامة اختفت من على وشه.
سحب المفتاح، فضل باصص له ثواني، وبعدين بص للباب…
وكأن البيت هو اللي خانه.
لكن البيت مخانوش.
أنا اللي عملتها.
من تلات أسابيع بس، بيتي ده كان لسه مليان دفا وذكريات.
صور العيلة المتبروزة على الحيطان.
كرسي “كريم” جوزي الله يرحمه اللي مركون جنب البلكونة.
والعلامات اللي كنا بنعملها بالقلم على حيطة أوضة الغسيل عشان نقيس طول سيف سنة ورا سنة وهو بيكبر قدام عينينا.
كنا عايشين في حتة هادية في المعادي، من الأماكن اللي الجيران لسه عارفين بعض فيها، بيصبحوا على بعض وهما طالعين ونازلين، وبيقضوا صباحية الجمعة في الجناين الصغيرة بتاعتهم.
هناك أنا وكريم بنينا حياتنا.
وهناك برضه…
خسرنا ابننا بطريقة مفهمناهاش إلا بعد فوات الأوان.
بعد ما جوزي اتوفى، سيف ومراته أحلام بقوا بيزوروني كتير.
كل الناس كانت بتقولي “يا بختك بيهم”.
ابني بيجيبلي طلبات البيت.
ومراته بتجيبلي أكل في علب متستفة وشيك، وبتتكلم بالصوت الهادي الحنين اللي يخلي الأنانية تبان وكأنها خوف واهتمام بجد.
بعدين بدأت التلميحات:
”البيت ده كبير أوي عليكي لوحدك يا ماما.”
”السلالم دي خطر عليكي لما تكبري كمان شوية.”
”لازم تبدأي تفكري في بكرة.”
سيف كان بيتكلم كتير عن الضرايب، والمصاريف، وإزاي لازم أكون “عقلانية”.
وأحلام كانت بتبعتلي صور لدار مسنين “فايف ستارز”. أسوار بيضا شيك، جناين كلها ورد، وناس كبار بيضحكوا وشكلهم كأنهم سلموا بيوتهم وحياتهم من زمان ومبسوطين.
كانوا بيمثلوا إنهم خايفين عليا وعايزين مصلحتي.
لكن الحقيقة إنهم كانوا بيقربوا من هدفهم خطوة خطوة.
واكتشفت ده بالصدفة.
قبل ما يسافروا بيوم، سيف رن عليا وأنا فوق بطبق الغسيل.
مسمعتش التليفون. وبعد دقيقة، لقيت رسالة صوتية مبعوتة.
شغلتها. كنت فاكراها مكالمة عادية، يمكن نسي حاجة.
لكن اللي سمعته كان حاجة تانية خالص.
صوت باب عربية بيتهبد.
وبعدين ضحكة أحلام الحقيقية… الضحكة الرخمة المجلجلة اللي عمرها ما ضحكتها قدامي.
وبعدها جه صوت ابني، بيقول:
”دي بقت حِمل تقيل أوي يا أحلام.. بس هي مش حاسة. إحنا موقفين حياتنا عشانها بقالنا كتير.”
الفوط وقعت من إيدي.
وبعدين سمعت أحلام بتقول:
”أول ما نخلص من حوار البيت ده، كل حاجة هتبقى أسهل بكتير.”
في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتكسرت، وحاجة تانية اتغيرت.
المشكلة مكنتش في طمعهم. ولا حتى في الكلام نفسه. المشكلة كانت في البرود اللي كانوا بيتكلموا بيه.
في اللحظة دي، أنا مكنتش أمه.
أنا كنت “عقبة”. عطلة ملهاش لازمة. حاجة واقفة بينهم وبين اللي قرروا بيناتهم إنه هيبقى بتاعهم.
عيطت ليلتها.
مشيت في البيت كله والدنيا ضلمة. مشيت إيدي على ترابزين السلم، وعلى البيانو، وعلى باب أوضة سيف القديمة، وعلى ترابيزة المطبخ اللي كريم كان بيقف جنبها كل يوم بالليل ينشف الأطباق.
وفضلت كلمة “حِمل” ترن في وداني… لحد ما بطلت تبقى مجرد كلمة.
وبقت حُكم إعدام صدر ضدي.
مع طلوع النهار، دموعي كانت نشفت.
فتحت ورق كريم القديم. وطلعت الصندوق اللي سيف كان شايل فيه ورقه.
واللي لقيته هناك خلاني أحس ببرودة في جسمي كله.
إيميلات. ورق مكتوب فيه ملاحظات. ومناقشات كاملة عن إزاي يعملولي “توكيل عام” ويديروا هما فلوسي.
كلام زي: “ابتدت تخرف”، “أمانها الشخصي”، “نقل لمكان رعاية”.
الكلمات دي لو قريتها لوحدها تبان بريئة… لكن لما تحطها جنب بعض، بترسم صورة مرعبة.
دول مكنوش بس مستنييني أكبر أو أعجز عن إدارة شؤوني. دول كانوا بيألفوا قصة كاملة عني. قصة تخلي استيلائهم على كل حاجة يبان وكأنه القرار العاقل الصح.
عشان كده، قررت أعمل خطتي أنا كمان.
كلمت سمسار عقارات من المعارف القدام، واحد بيعرف إزاي يخلص الشغل في الساكت.
وبعدين كلمت المحامي اللي كان ماسك شغل كريم الله يرحمه.
راجعت حساباتي في البنك. وسحبت ونقلت كل قرش سيف كان فاكر إنه في يوم هينزل في كرشه.
البيت اتعرض للبيع في السر.
من غير يافطة على الباب. من غير قعدات عيلة. من غير ما أحذر حد.
وفي الوقت اللي سيف وأحلام كانوا بينزلوا صورهم من إسطنبول ودبي، وبيبتسموا تحت الأضواء وماسكين كوبايات العصير في المطاعم الغالية، كان عمال النقل بيفضوا بيتي حتة حتة.
لموا الأطباق. غلفوا الصور القديمة. وشالوا سنين عمري كلها بره باب البيت.
البيعة خلصت في لمح البصر.
أما أنا، فأجرت شقة صغيرة هادية بتبص على النيل.
وسبت ورايا حاجة واحدة بس.
جواب.
عشان كده، لما سيف وأحلام رجعوا من السفر… بوشوشهم اللي لوحتها الشمس، وشنطهم المليانة هدايا وماركات، مرجعوش بيتي.
دول رجعوا لحيطان فاضية.
ومن جوه عربية راكنة في الشارع اللي قصادهم، كنت بتفرج على المشهد في صمت.
شفت سيف وهو أخيرًا بيعرف يفتح الباب.
وشفت أحلام بتدخل وراه على طول.
وبعدين شفتهم بيتسمروا في مكانهم.
الحيطان فاضية. الأوض فاضية.
ومفيش غير السكوت. سكوت تقيل خلى البيت يبان غريب حتى بالنسبة لي.
بعد ثواني، عين سيف لمحت ظرف أبيض يتيم محطوط على رخامة المطبخ.
الظرف كان في النص بالظبط. ومكتوب عليه من بره بخط واضح:
“لسيف”
وفي اللحظة دي، سيف مكنش يعرف إن البيت اللي ضاع منه ده كان مجرد البداية… أما اللي مجهزاهوله بعد كده، فميطبش على خياله حتى في أسوأ كوابيسه.
شفت سيف وهو بيقرب من رخامة المطبخ بخطوات مهزوزة، كأنه خايف يكون اللي شايفه ده كابوس وهيصحى منه. أحلام كانت واقفة وراه، شنط الشوبينج وقعت من إيدها على الأرض، ونظارتها الشمسية الماركة اتهزت ونزلت لطرف مناخيرها، وعينيها كانت بتلف في الأوض الفاضية بذهول وصدمة مأثّرة على كل ملامحها.
سيف مد إيده، صوابعه كانت بترتعش وهو بيمسك الظرف الأبيض. فتحه ببطء، وطلع الورقة اللي جوة. أنا كنت حافظة كل كلمة كتبتها في الجواب ده، كنت عارفاها بالتشكيل، لأن كل حرف فيه كان طالع من وجع قلب أم اتغدر بيها.
الجواب كان مكتوب فيه:
> “يا سيف.. الحمل التقيل خف من عليك، ومبقاش واصل بينك وبينه غير الورقة دي. البيت اللي كنت بتخطط تاخده وتوديني دار مسنين عشان تعيش حياتك، ميروحش للي شايف أمه عقبة. البيت اتباع، والفلوس في مكان أبعد بكتير من خيالك أنت ومراتك. متدورش عليا، لأنك مش هتلاقيني.. بس استنى مني مكالمة قريب، عشان لسه الحساب مقفلش.”
>
أنا كنت براقبه من شباك العربية المفتوح حتة صغيرة. شفت الون الخطف من وشه، وإزاي الورقة وقعت من إيده وهو بيبص لأحلام اللي خطفتها من على الأرض وتقرأها بصوت واطي وهي بتلطم على شفتها. في اللحظة دي، سيف طلع تليفونه وبدأ يتصل بيا بلهفة وجنون.
تليفوني اللي في إيدي نور.. “سيف يتصل بك”.
سبته يرن.. ويرن.. ويرن لحد ما فصل لوحده.
كنت عايزة النار اللي جوايا تتنقل له، يعيش في حيرة، ميبقاش عارف أوله من آخره.
شاورمت للسواق يتحرك، والعربية بدأت تبعد عن شارع المعادي الهادي، وأنا باصة لآخر مرة على البيت اللي عشت فيه أجمل أيام عمري، بس مكنتش زعلانة.. كنت حاسة بنوع من القوة الغريبة اللي مكنتش أعرف إنها جوايا.
وصلت شقتي الجديدة على النيل. المكان كان دافي وصغير، النور داخل من البلكونة بيعكس زرقان المية على الحيطان الفاضية. قعدت على كرسي هزاز، وفتحت اللاب توب بتاعي. سيف كان فاكر إن الموضوع مجرد بيت وفلوس اتباعت، ومكنش يعرف إن اللعبة الحقيقية لسه هتبدأ.
من تلات أسابيع، لما فتحت الصندوق القديم بتاع سيف ولقيت الإيميلات اللي بيمهدوا فيها لإثبات إني “عقلانيًا مش مظبوطة” عشان يحجروا عليا، ملقيتش بس ورق البيت. أنا لقيت فلاشة صغيرة كانت محطوطة في جيب سري جوة الصندوق.
الفلاشة دي كان عليها ملفات الشغل الخاصة بالشركة اللي سيف شغال فيها.. شركة المقاولات الكبيرة اللي هو ماسك فيها قطاع الحسابات والعقود. سيف كان بيعمل “شغل من تحت الترابيزة”.. عقود متباينة، عمولات مخفية، وتلاعب في حسابات الموردين عشان يطلع لنفسه بنصيب الأسد، وهو ده القرش اللي كان مخليه يسافر تركيا ودبي ويعيش أحلام في مستوى فوق طاقته. كان بيسرق الشركة اللي مأبضاه، وكان ناوي يكمل السرقة عليا أنا.
طلعت الفلاشة من شنطتي، وحطيتها في اللاب توب.
فتحت إيميل جديد.. إيميل مجهول، وكتبت عنوان المدير التنفيذي للشركة بتاعته.
أرفقت في الإيميل أول ملفين بس.. ملفات تثبت تلاعب في مناقصة مشروع الشيخ زايد الأخير، وكتبت جملة واحدة:
“ده جزء صغير من الأمانة اللي سيف بيمد إيده عليها.. الباقي هيوصلكم لو المراجعة الميت حقيقية مابدأتش بكره الصبح.”
قفلت اللاب توب، وبصيت للنيل وأنا ببتسم لأول مرة من تلات أسابيع بجد.
تاني يوم الصبح، الساعة كانت عشرة. كنت عارفة إن ده وقت اجتماع مجلس الإدارة الأسبوعي. مسكت تليفوني، وطلبت رقم سيف.
الخط مرنش مرتين.. رد عليا علطول، صوته كان رايح، باين عليه إنه منامش طول الليل، وصوت أحلام كان طالع جمبه بتعيط وبتزعق.
* “أمي! أنتي فين؟ إيه اللي أنتي عملتيه ده؟ البيت فين؟ والفلوس فين؟ أنتي مش واعية للّي بتعمليه!”
رديت عليه بكل برود، وبصوت هادي جداً، الصوت اللي عمره ما سمعه مني قبل كده:
* “أنا واعية أوي يا سيف.. واعية لدرجة إني عرفت إنك مش بس شايفني حمل تقيل، أنت كمان شايف شركتك مغارة علي بابا.”
السكوت حل في الخط فجأة. سيف أنفاسه سريعة وتكتمت، كأنه اضرب بالقلم.
* “أنتي.. أنتي بتقولي إيه؟”
* “بقولك بص على باب مكتبك يا سيف.. بره في اتنين من الشؤون القانونية والأمن مستنيينك، والمدير بتاعك لسه قاري الإيميل بتاعي من دقيقتين. ده أول قسط من تمن ‘الحمل التقيل’.. لسه الأقساط الباقية هتدفعها، أنت وست أحلام.”
قبل ما ينطق بحرف، قفلت السكة في وشه، وشيلت الشريحة من التليفون خالص ورميتها في كوباية المية اللي قدامي. وبصيت من البلكونة، وأنا عارفة إن سيف دلوقتي بيقع في البير اللي حفرةولي بإيده، بس القاع لسه بعيد.. ولسه الخطوة الجاية هتخليه يندم على اليوم اللي فكر فيه يبيع اللي شالته في بطنها.