عروسة جديدة 2

فتحتُ باب الشقة الخارجي، والتفتُّ خلفي نظرة واحدة ألقيتُ فيها بكل ما بقي من احترامي لهذا البيت. كان حازم واقفاً ومذهولاً، كأنه لم يتوقع أن خطواتي ستكون بهذه القوة، بينما كانت سمر تتابعني بنظراتها التي تحولت فجأة من الانتصار إلى الترقب والوجس.

خطوتُ أول خطوة خارج العتبة، فاندفع حازم نحوي وجذبني من ذراعي بعنف وهو يصرخ بصوت مكتوم: “انتي رايحة فين؟! اطلعي بره البيت ده بالمنظر ده عشان تأكدي التهمة على نفسك وتفضحينا في وسط المنطقة؟! ادخلي جوه بقولك!”.

نفضتُ يده عني بقوة هزت ثباته، ونظرتُ في عينيه بنبرة لم يعهدها مني من قبل، نبرة جافة خالية من أي مشاعر: “أنا لو دخلت الأوضة دي يا حازم، يبقى أنا بقر بالوساخة اللي اتقالت في حقي. أنا خارجة وراسي في السماء، والبيت اللي اتهان فيه شرفي وكرامتي من أول قلم ومن أول كلمة شك، ماليش قعاد فيه دقيقة واحدة. وأهلي هيعرفوا كل حاجة بالدليل”.

هنا صرخت سمر بجفاء وهي تحاول إشعال النار أكثر: “شايف يا حازم؟ بتلوّي دراعك وبتهددك بأهلها عشان عارفة نفسها غلطانة! سيبها تغور في داهية!”.

التفت إليها طارق، وكان وجهه قد تحول إلى اللون الأحمر من فرط الغضب والغل، وتقدم نحوها بخطوات سريعة وزأر في وجهها: “انتي تقفلي خشمك خالص! ويميناً بالله العظيم يا سمر، لو ما لميتي لسانك ده وقولتي الحقيقة، ليكون برمي عليكي يمين الطلاق حالا وفوقه طردة من البيت ده ملوكيش رجعة ليها!”.

ارتبكت سمر وتراجعت للخلف بعدما رأت العين الحمراء من طارق، وبدأت نبرتها تهتز: “بتطلقني عشانها يا طارق؟ بتدافع عنها قدام أخوك وقدامي؟!”.

في هذه اللحظة، تدخّل حازم ودفع أخاه طارق بعيداً عن سمر، وكانت عيناه تشعان بالشرر، والشك قد تملك من عقله تماماً بعد دفاع طارق المستميت. صرخ حازم في وجه أخيه: “جرى إيه يا طارق؟! انت هتعمل عليا راجل في بيتي وتطلق مرتك عشان تدافع عن مرتي أنا؟! سيبها تتكلم، وسيب الهانم تمشي وتروح لأهلها، عشان أنا اللي هعرف أجيب حقي وحق شرفي بطريقتي!”.

سادت حالة من الفوضى، واستغلتُ أنا هذا الاشتباك اللفظي الحاد بين الأخوين، والنزاع الذي بدأ ينخر في جدران العائلة، وخرجتُ مسرعة على سلم العمارة. كانت دموعي تنهمر بغزارة، لكن خطواتي لم تهتز. كنت أسمع صراخ حازم وطارق يتردد في مناور العمارة، والبيت الذي كان من المفترض أن يكون سندي، أصبح ساحة معركة بسبب كلمة مسمومة.

نزلتُ إلى الشارع، وكانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، والبرودة تلفح وجهي ومكان القلم الذي ما زال يعلم على خدي، وقلبي يعتصر ألماً وخوفاً مما هو قادم. أخرجتُ هاتفي من حقيبتي ويدي ترتعش، وضغطت على رقم والدي.

وفي نفس الوقت، داخل الشقة، انغلق باب الصالة بعنف بعدما دخل حازم خلف طارق، وواجه الأخ الأكبر أخاه الأصغر في مواجهة هي الأولى من نوعها في تاريخهم، مواجهة كان عنوانها الشك القاتل والفتنة التي زرعتها سمر بنجاح.

#الكاتب_رومانى_مكرم

تابعو صفحه رومانى مكرم

رنّ الهاتف في يد والدي في تلك الساعة المتأخرة من الليل، وجاءني صوته الخائف القلق: “أيوة يا بنتي؟ خير يا رب.. في إيه في الوقت ده؟”. لم أستطع تجميع الحروف، انخرطت في بكاء مرير هز كيانه، وجعل كل أنشاص الخوف تستيقظ في قلبه. قلت له بكلمات متقطعة: “تعالالي يا بابا.. أنا في الشارع.. حازم ضربني وسمر طعنتني في شرفي.. أنا مش قادرة أقف على رجلي”.

في تلك الأثناء، داخل الشقة، كانت الأجواء قد وصلت إلى نقطة الغليان. أغلق حازم باب الشقة بعنف بعد خروجي، والتفت إلى أخيه طارق وعيناه تجسدان أبشع معاني الغدر والشك. صرخ حازم بصوت هز جدران البيت: “أنت بدافع عنها بالغل ده كله ليه يا طارق؟! من إمتى وأنت بتدخل في علاقتي بمراتي وتزعق لسمر عشانها؟! الكلام اللي سمر قالته صح؟ عينك منها وعينها منك؟!”.

وقع الكلمات كان كالمطرقة على رأس طارق. تراجع خطوة للخلف، ونظر إلى أخيه الصغير بنظرة مليئة بالخزي والذهول، وقال بنبرة مخنوقة: “أنا يا حازم؟ أنا طارق أخوك الكبير اللي ربّاك وشالك على كتافه؟ تشك فيا وفي شرفي وشرف مراتك عشان خاطر واحدة مريضة بالغيرة؟ البنت غلبانة وشافتني راجع تعبان وعملتلي فنجان قهوة كتر خيرها، تقوم سمر تطلع عليها إشاعة تلمس العِرض؟! وأنت بدل ما تدبح اللي جاب سيرتها، جاي تشك في أخوك؟!”.

هنا تدخلت سمر وهي تبكي بدموع التماسيح، محتمية بظهر حازم: “شايف يا حازم؟ بيلف الكلام ويطلعني أنا اللي مريضة! طب اسأله كده، هو مش الأسبوع اللي فات لما كنت أنا عند أهلي، نزل شقتها بحجة إنه بيصلح السباكة وقعد معاها؟ أنا جارتها وبشوف وبسمع كل حاجة!”.

طارق جن جنونه، وتقدم نحو سمر وهو يرفع إصبعه بالوعيد: “ورب العزة يا سمر لو ما سكتي، لأكون دافنك مكانك هنا! السباكة كانت طافحة في عمارة كاملة والكل عارف! انتي بتألفي قذارة عشان تخربي البيت!”. لكن حازم، الذي أعماه الشك تماماً وتمكنت منه الغيرة الجاهلة، وقف حائلاً بين طارق وزوجته، ودفع طارق في صدره قائلاً: “م تمدش إيدك عليها في بيتي! سمر مش كدابة، والشك ما بيبدأش من فراغ! الهانم مشيت وراحت لأهلها، وأنا مش هسيب الموضوع ده يمر بالساهل.. العِرض مألفهوش هزار يا ابن أبويا!”.

أما أنا، فكنت أقف على أول الشارع، أرتجف من البرد ومن قهر الرجال. مرت ربع ساعة كأنها دهر، حتى ظهرت سيارة والدي تقفز فوق المطبات بسرعة جنونية. نزل منها والدي ومعه شقيقي الأكبر أحمد. ارتميت في حضن والدي وأنا أنتحب، ونظر أحمد إلى وجهي ورأى أثر القلم يحمرّ على خدي، فاشتعلت عيناه بنار الغضب. قال أحمد بصوت هادر: “مين اللي عمل فيكي كده؟! حازم؟ والله ما هيرحمه.. اطلعي معانا على البيت يا بنتي وحقك هييجي تالت ومتلت”.

لكن والدي، برغم نيران الغضب التي تأكل صدره، كان رجلاً حكيماً يعلم الأصول. أمسك بذراعي وقال بصوت حازم: “لا يا أحمد.. إحنا مش هناخد بنتنا ونمشي كأنها هربانة أو عاملة عاملة. إحنا هنطلع البيت ده دلوقتي، وناخد حقها قدام الكل، ونعرف مين اللي مد إيده على تربيتي ومين اللي جاب سيرتها بالباطل”.

صعدنا السلم، وكان صوت الشجار بين حازم وطارق ما زال مسموعاً في العمارة. طرق أحمد باب الشقة بقوة وكأنه يهدّه. انفتح الباب، وظهر حازم بوجهه المحتقن، وخلفه طارق وسمر.

دفع أحمد الباب ودخل بغضب، ووقف والدي في منتصف الصالة، مهيباً كالجبل، ونظر إلى حازم ثم إلى سمر وقال بنبرة تقطر حزماً: “أنا جيت آخد بنتي.. بس قبل ما تمشي من هنا، عايز أعرف الكف اللي انضربت بيه بنتي ده انضرب بأي حق؟ والكلمة المقرفة اللي اتقالت في حق شرفها مين اللي هيتحاسب عليها؟!”.

تراجع حازم خطوة، ورغم شكه، إلا أن هيبة والدي جعلته يرتبك. أما سمر، فبدأت ملامح الخوف تظهر عليها بعدما رأت أن الأمر تحول إلى مواجهة بين رجال وعائلات.

#الكاتب_رومانى_مكرم

يا ترى والدي وأخويا هيتصرفوا إزاي مع حازم بعد ما يعرفوا أصل الحكاية؟ وإيه القنبلة التانية اللي هتنزل فوق رأس سمر وتكشف كدبها قدام الكل في الجزء اللي جاي؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *