شوكولاتة الاخير
تجمد الدّم في عروقي وأنا أنظر إلى الوجوه الثلاثة التي تشوهت ابتسامتها بشكل مرعب. الحوائط حولنا بدأت تصدر صوتاً أشبه بالفحيح، والظلام في الغرفة اشتد حتى لم أعد أرى سوى وميض الهاتف على الأرض، وأعينهم الجاحظة التي تسلطت عليّ كأعين الذئاب.
الرسالة الأخيرة على الهاتف كانت واضحة كالسّ..كين: “مروان الحقيقي معايا في العربية… اللي عندك في الشقة كلهم…”
إذاً، لا أحد منهم زوجي. الثلاثة الذين يقفون أمامي، والذين تلاعبوا بعقلي وبمشاعري وبأسراري، ليسوا سوى شظايا من ذلك الكيان الملعون الذي تغلغل في البيت بمجرد أن فُتحت علبة الشوكولاتة. الخاتم، كلمة السر، الدموع… كل شيء كان مجرد فخ لامتصاص ما تبقى من ثباتي الانفعالي لكي أستسلم.
تراجع الثلاثة خطوة إلى الخلف بالتزامن، كأنهم يفسحون مساحة لشيء أكبر. وفجأة، بدأت أجسادهم تتداخل وتذوب في بعضها البعض، الملابس تمتزج، والملامح تتشوه لتتحول إلى كتلة ضخمة من الظل الأسود اللزج الذي يرتفع حتى سقف الغرفة. كان للظل ثلاثة رؤوس برّاقة، كلها تنطق بصوت مروان المتداخل:
“مباقيش وقت يا ندى… العمل لازم يكتمل.”
في تلك اللحظة بالذات، انطلق صوت سارينة قطار قريبة… لا، لم تكن سارينة قطار، كان صوت آلة تنبيه سيارة مروان الحقيقية تصيح في الأسفل بعنف متواصل، يليه صوت ارتطام قوي ببوابة العمارة الحديدية بالأسفل.
الظل الضخم اهتز، وبدت الرؤوس الثلاثة كأنها تتلفت بقلق نحو النافذة. الكيان لم ينتهِ من تشكله بالكامل بعد، وصوت مروان الحقيقي الذي يقترب كان يربك وجوده.
لم أتردد لثانية واحدة. استجمعت كل ما تبقى لي من قوة واندفعت نحو الأرض، التقطت هاتفي، وبدلاً من الجري نحو الباب الذي كان الظل يغلقه بجسده، قفزت بكل ثقلي نحو ضلفة الشيش المفتوحة المطلة على المنور.
لم يكن هناك مجال للتفكير في الارتفاع أو الموت؛ الموت بالأسفل كان أرحم ألف مرة مما ينتظرني في هذه الغرفة.
لكنني لم أسقط في الفراغ.
امتدت يد بشرية قوية، دافئة، وحقيقية من شباك الجيران المقابل للمنور مباشرة في نفس اللحظة، وأمسكت بمعصمي بقوة هزت جسدي كله. رفعت رأسي بذعر وأنا معلقة في الهواء…
كانت جارتي، أم أحمد، السيدة العجوز التي لم أرها تخرج من شقتها منذ عامين. كانت تنظر إليّ بعينين حادتين، تتطاير منهما قسوة غريبة، ووجهها شاحب تماماً، وقالت بصوت أجش لم أسمعه منها من قبل:
“ادخلي يا بنتي… ادخلي… الساحر مش هيسيبك لو خرجتي للشارع.”
وقبل أن أنطق بكلمة، سمعت صوت انفجار شديد يأتي من باب الشقة الرئيسي بالخارج، وصوت صراخ مروان الحقيقي يملأ المكان: “ندى!!! انتي فين؟!”
وفي نفس الوقت، التفتت لتنظر وراءها في شقة جارتي المظلمة، لأرى علبة سوداء شيك، متربطة بشريطة ستان… مفتوحة على طاولتها، ومحاطة بدم غراب جاف.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
سحبتني أم أحمد بقوة خارقة لا تناسب سنها، لتهوي بي داخل مطبخها المظلم. سقطت على الأرض وأنا ألهث، وجسدي ينتفض بالكامل. التفتُّ بسرعة للخلف، فرأيت نافذة شقتي المقابلة عبر المنور قد أُغلقت بعنف، وصوت صراخ مروان الحقيقي لا يزال يتردد صداه مكتومًا من خلف الجدران: “ندى!!! انتي فين؟!”
حاولت الوقوف والتحرك نحو باب شقة جارتي لأخرج إليه، لكن أم أحمد وقفت كالسد أمام المطبخ. ضوء الشارع الخافت كان يعكس تفاصيل وجهها الجامد، وهي تشير بإصبعها النحيل نحو العلبة السوداء الشيك المستقرة على الطاولة وسط دم الغراب الجاف.
همست برعب:
“أنتي… إيه اللي جاب العلبة دي عندك؟ أم مروان بعتتلك إنتي كمان؟!”
ضحكت أم أحمد ضحكة خافتة، متقطعة، كأنها تخرج من حنجرة رجل عجوز، وقالت:
“أم مروان؟ سوسن الغبية افتكرت إنها لما تروح لساحر في آخر بلاد الله، هيعملها اللي هي عايزاه عشان ترجّع ابنها لحضنها؟ سوسن مجرد وسيلة… العلبة دي مخرجتش من بيت سوسن يا ندى… العلبة دي خرجت من هنا.”
تراجعت خطوة للخلف حتى اصطدمت بحوض المطبخ. سألتها وصوتي يكاد يختفي:
“يعني إيه؟”
قالت وهي تقترب مني ببطء، وعيناها تلمعان في العتمة:
“أربع سنين وأنا قاعدة في الشقة دي، بسمع كلامك مع مروان، وبسمع خناقاتكم، وبراقب كل خطوة بتخطيها في البيت. الكيان ده مكنش محتاج أكتر من ‘إذن’ عشان يدخل شقتكم وياخد شكل جوزك… والشوكولاتة كانت هي الإذن. سوسن افتكرت إنها بتأذيكِ إنتي، لكنها مكنتش تعرف إنها بتفتح الباب للي أقوى منها ومن شيوخها.”
في تلك اللحظة، رن هاتفي في يدي. كان المتصل: “حماتي… مدام سوسن”.
فتحت الخط وضغطت على مكبر الصوت بلا وعي. جاءني صوت سوسن وهي تبكي بتشنج وصراخ هستيري:
“ندى! اهرِبي! أنا لسة واصلة تحت بيتكم مع مروان… البواب بيقولنا إن مروان نزل وطلع تلات مرات، وبيحلف إن جارتكم أم أحمد ماتت في شقتها من سنتين ومحدش دخل الشقة دي من ساعتها!! ندى… اللي معاكي في البيت مش بشر!!!”
سقط الهاتف من يدي للمرة الأخيرة وتحطم تمامًا.
التفتُّ برعب نحو أم أحمد… أو الشيء الذي يرتدي مظهرها. كانت ملامح وجهها تبدأ في الذوبان والتموج، وبدأ جلدها يتشقق ليظهر من تحته نفس الظل الأسود اللزج ذو الرؤوس المتعددة التي رأيتها في غرفتي.
تحدثت الرؤوس معًا بصوت مروان المتداخل، وهي تسد مخرج المطبخ تمامًا:
“مروان الحقيقي تحت يا ندى… بس البيت خلاص بقى بتاعنا. تفتكري هتلحقي توصليله، ولا الشوكولاتة اللي أكلها مروان في مكتبه الصبح… خلتنا وبقينا جزء منه خلاص؟”
وفجأة… سمعت صوت خطوات ثقيلة ومسرعة تدخل شقة أم أحمد المظلمة، وصوت أنفاس لاهثة تقترب من باب المطبخ!
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
اندفعت الأنفاس اللاهثة داخل المطبخ، وظننت لثوانٍ أن مروان وصل لإنقاذي، لكن الضوء الخافت كشف عن شخص آخر تمامًا… كانت مدام سوسن! وجهها كان شاحبًا كالأموات، وعيناها غارقتان في الدموع، وبيدها مصحف صغير وزجاجة ماء مرشوش عليها ملح.
لم تنظر إليّ، بل اندفعت بجنون نحو الكيان المتشكل في جسد أم أحمد، وهي تصرخ بأعلى صوتها بآيات من القرآن الكريم وترش الماء في المواجهة.
تراجع الكيان خطوة، وأصدر فحيحًا مرعبًا هز جدران المطبخ، وبدأت ملامح أم أحمد تتلاشى كالدخان. التفتت إليّ سوسن وهي تدفعني بضعف وصراخ:
“اجري يا ندى! انزلي لمروان… أنا اللي فتحت الباب ده وأنا اللي لازم أقفل عليه!”
لم أنتظر. تحركت بغريزة البقاء، واندفعت خارجة من المطبخ، ثم من باب شقة أم أحمد المفتوح. ارتميت على السلالم وأنا أهبط درجاتها بسرعة جنونية، بينما كان صوت الصراخ والفحيح في الأعلى يصم الآذان، يليه صوت تحطم شديد وكأن الشقة بأكملها تنفجر من الداخل.
وصلت إلى مدخل العمارة، فاستقبلتني برودة هواء الشارع. رأيت مروان واقفاً مع البواب، وجهه يملؤه الرعب وضياع الحيلة. بمجرد أن رآني، اندفع نحوي وضمني إلى صدره بقوة وهو يرتجف. في تلك اللحظة، شعرت بدفء أنفاسه، وضربات قلبه المتسارعة، وخوفه الحقيقي الذي لا يمكن لكيان ملعون أن يزيفه… كان هذا مروان، زوجي الحقيقي.
نظرت للأعلى، فإذا بشقة أم أحمد وشقتي قد غرقتا في صمت تام، وانطفأت أنوارهما كأن شيئاً لم يكن.
### الحكمة
بعد تلك الليلة المرعبة، غادرنا تلك الشقة بل والحي بأكمله، ولم نعد هناك مجدداً. أما مدام سوسن، فقد نجت بجسدها، لكنها أمضت أشهراً طويلة في علاج نفسي وروحي لتستعيد سلامها، وتغيرت معاملتها لي تماماً؛ فلم تعد تلك الحماة الغيورة، بل أصبحت تنظر إليّ كابنة نجت معها من هلاك محتم.
الحكمة التي خرجت بها من هذا الكابوس، والتي تجسدت في “علبة الشوكولاتة” والعمل الذي انقلب على أصحابه، هي:
* **البيوت تُحمى بالحب والرضا، وتُهدم بالغيرة والتدخل:** إن التدخل السام في حياة الأبناء، ومحاولة السيطرة عليهم بالبطلان أو المؤامرات، لا يفسد بيوتهم فحسب، بل يفتح أبواباً من الجحيم والشرور والكيانات الخبيثة (سواء كانت شياطين الإنس أو الجن) التي تأكل الأخضر واليابس.
* **النوايا الخبيثة ترتد على صاحبها:** مَن يحفر حفرة لأخيه يقع فيها، ومن أراد سوءاً بغيره، دارت الأيام لتصيبه في أعز ما يملك.
* **التحصين الحقيقي هو سلامة الصدر:** البيوت التي تُبنى على المودة والرحمة والذكر تظل عصية على الاختراق، أما الثغرات فتبدأ دائماً من القلوب المليئة بالغل والغيرة المصطنعة.