جواز صالونات 2

تسمرتُ في مكاني لثوانٍ، وعيناي معلقتان بذاك الشخص الواقف في ظل شجرة عجوز قبالة مدخل العمارة. تلاقت أعيننا، وشعرت برغبة عارمة في الاندفاع نحوه وتمزيقه، لكنني تملكت أعصابي في اللحظة الأخيرة عندما رأيته يربط جأشه ويتقدم نحوي بخطوات هادئة، ولم يكن سوى “عم محمد” حارس العقار المجاور، يحمل في يده دفتر الفواتير اليومي.

تنكستُ برأسي قليلًا لأخفي معالم وجهي المشدودة، وأسرعت بخطوات واسعة نحو سيارتي. ركبتُ وأغلقت الباب، ثم استندت برأسي على عجلة القيادة وأنا أتنفس الصعداء. “الخوف يصنع الأشباح يا رامي”، قلت لنفسي محاولًا استعادة توازني. الغضب الأعمى كان سيودي بي إلى خلف القضبان في دقيقة واحدة، والقاتل في مجتمعنا لا يغسل الشرف بل يثبت الفضيحة.

أخرجت هاتفها من جيبي، ونظرت إلى الصورة والرسالة مجددًا. أدركت في تلك اللحظة أن هذا النذل ليس مجرد عاشق قديم مجروح أو منتقم؛ النبرة الواثقة، والتهديد المنظم، وطلب “ثمن السكوت” بسرعة، كلها مؤشرات تدل على عقلية إجرامية معتادة على هذا النوع من القذارة.

أدرت محرك السيارة وانطلقت، ولم يكن في عقلي سوى وجهة واحدة: “مباحث الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات”.

### في أروقة القانون

وصلت إلى المقر، والدوامات تدور في رأسي. دخلت بخطوات ثابتة رغم الارتجاف الخفي في أعماقي. استقبلني ضابط التحقيق، رجل في أواخر الثلاثينيات، يبدو على وجهه الصرامة والخبرة في التعامل مع دهاليز النفس البشرية. جلس خلف مكتبه، ونظر إلى وجهي الشاحب وقال بنبرة هادئة:

“اتفضل يا فندم.. قولي إيه مشكلتك بالظبط؟”

أخذت نفسًا عميقًا، وقررت أن أضع كرامتي جانبًا وأتحدث بلسان رجل يدافع عن بيته:

“يا فندم، أنا متجوز من أسبوع واحد بس.. وجاي أعمل محضر ابتزاز وتشهير ضد شخص بيمهد لتدمير حياتي وحياة مراتي.”

قصصت عليه القصة باختصار شديد، ركزت على مكالمة اليوم والرسائل التي أرسلها على الواتساب، وقدمت له الهاتف كدليل مادي. أخذ الضابط الهاتف، وتصفح الرسائل بتمعن، وفحص الرقم بمهنية، ثم نظر إليّ وقال:

“الرقم ده معمول بنظام الكارت، وصاحبه ذكي ومش مسجله ببيانات حقيقية.. بس سيبك من التكنولوجيا دلوقتي، قولي.. مرتك تعرف عنه إيه بالظبط من زمان؟”

هنا، انفجرت في داخلي كل خيوط الحكاية التي روتها لي زوجتي ليلة الدخلة، وقلت بصوت مخنوق:

“الراجل ده ضحك عليها من سنة.. كان معشمها بالحب والجواز، ولما وثقت فيه وضيع شرفها، اختفى تمامًا.. وأهله ادعوا إنه عمل حادثة ومات عشان يهرب منها وم تطالبوش بأي حاجة، ومراتي عاشت شهور في عذاب نفسي وفاكراه مات، لحد ما ظهر من يومين وابتدا يهددها بعد ما عرف إنها اتجوزت.”

### المفاجأة الصادمة

صمت الضابط لبرهة، ثم ضغط على زر في مكتبه واستدعى أحد أمناء الشرطة، وأمره بفتح السجلات الجنائية لجرائم الابتزاز المماثلة في منطقتنا بناءً على أسلوب التهديد والصوت والاسم الأول الذي ذكرته زوجتي في بكائها.

مرت نصف ساعة وكأنها دهر، حتى عاد أمين الشرطة ومعه ملف يضم عدة صور وتقارير. وضع الملف أمام الضابط الذي تصفحه ببطء، ثم التفت إليّ وعيناه تحملان نظرة شفقة ممزوجة بالصدمة.

“شوف يا رامي بيه.. أنا عاوزك تجمد وتسمعني كويس”، قال الضابط وهو يقلب الأوراق. “مرتك مش الضحية الأولى للندل ده.. ولا الأخيرة.”

شعرت ببرودة تسري في جسدي: “يعني إيه يا فندم؟”

تابع الضابط: “الاسم اللي معاك ده، ده مسجل عندنا في تلات قضايا ابتزاز وتهديد ببلاغات مماثلة في السنتين اللي فاتوا.. دي شغلته! بيصطاد بنات الناس، يعيشهم في وهم الحب، ولما يوصل لغرضه ويضيع شرفهم، يختفي تمامًا بنفس الحجة.. يغير خطه وأهله أو أصحابه يشيعوا إنه عمل حادثة ومات عشان البنت تيأس وتخاف تتكلم، ويسيبها تعيش في جحيم الشك والخوف.”

استطرد الضابط وعيناه تشتعلان غضبًا: “وبعد ما البنت تتجوز وتستر نفسها عشان تبدأ حياة جديدة، يظهر هو زي الشيطان من تاني.. يراقب، ويعرف عنوان الشقة الجديدة، ويبدأ يبتز الزوج أو البنت بطلب مبالغ مالية ضخمة تحت تهديد الفضيحة.. تلات عائلات قبل كده اتدمروا بسببه، وفي عريس طلق مراته ليلة الصباحية بسبب نفس الأسلوب!”

### الهدوء الزائف والكمين

وقعت الكلمات عليّ كالمطر الثلجي.. لم يكن الأمر مجرد غلطة عابرة لزوجتي، بل كانت ضحية لشبكة ممنهجة من النصب والابتزاز يديرها وحش بشري يتغذى على أعراض الناس. تلاشت نبرة الاحتقار التي كانت في قلبي لزوجتي قليلًا، وحلت محلها رغبة شرسة في القصاص القانوني.

“والعمل يا فندم؟” سألت بلهفة. “الراجل مدينا مهلة ساعتين، والوقت بيجري.”

ابتسم الضابط ابتسامة واثقة وقال: “العمل إننا هنعمل المحضر رسمي دلوقتي.. بس مش هنخليه يحس بحاجة. أنت هتمشي معاه في الخط.. اتصل بيه وقوله إنك خايف على منظرك، وإنك مستعد تدفع اللي هو عاوزه، بس بشرط.. التسليم يكون إيد باليد عشان تضمن إنه يمسح الصور قدام عينك.”

أومأت برأسي موافقًا. قمنا بتحرير المحضر بالكامل، وأُرفقت به صور الواتساب وتفريغ المكالمة.

خرجت من مركز الشرطة والليل قد بدأ يرخي سدوله. ركبت سيارتي، وأمسكت بهاتف زوجتي، وضغطت على زر الاتصال بالرقم الخبيث. لم تمر رنتان حتى جاءني صوته المستفز:

“ها يا عريس؟ فكرت؟ الساعتين خلصوا.. أبعت بقية الصور لأبوك؟”

ضغطت على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضت مفاصلي، وحاولت تقليد صوت الرجل المكسور الخائف:

“بلاش فضايح الله يخليك.. أنا راجل مغترب وشقيت عمري كله في الشقة دي ومش عاوز بيتي يتخرب.. أنت عاوز كام والمهزلة دي تنتهي إزاي؟”

ضحك بانتصار سادي هز جدران قلبي: “أيوا كده.. تعجبني لما تفهم الأصول.. أنا مش طماع، أنا عاوز مائة ألف جنيه كاش.. وتجيبهم لي بكره الصبح في المكان اللي هقولك عليه، وتيجي لوحدك.. وإلا…”

“ماشي.. هجيب الفلوس”، قاطعته بصوت يرتجف تمثيلًا، “بس هقابل مين؟ وفين؟”

“بكره الساعة عشرة الصبح.. في الكافيه المهجور اللي على طريق المحور.. ومحمحش كتير يا رامي، عشان لو شميت ريحة حكومة، الصور هتبقى تريند على كل الصفحات قبل ما رجلك تعتب المكان.”

أغلق الخط.. ونظرت أمامي إلى الطريق المظلم. غدًا ستكون المواجهة، وغدًا سينكشف القناع بالكامل، لكنني لم أكن أعلم أن هذا المجرم كان يخبئ مفاجأة أخرى قد تقلب الطاولة على الجميع…

#الكاتب_رومانى_مكرم

انقشع ظلام الليل وجاء الصباح يحمل معه أنفاسًا ثقيلة، وصدرًا يغلي برغبة عارمة في الخلاص. لم أنم طوال الليل؛ كنت جالسًا على مقعد في الصالة، وعيناي معلقتان بالباب، بينما زوجتي تقبع في غرفتها تبكي بصوت مكتوم حتى جفت دموعها. كانت تنظر إليّ عبر شق الباب بنظرات تجمع بين الرعب والامتنان، بعد أن أخبرتها بنبرة جافة أن الشرطة كشفت حقيقة هذا الشيطان، وأنها لم تكن سوى ضحية في شباكه الملعونة.

في تمام الساعة التاسعة صباحًا، رن هاتفي. كان الضابط “أحمد” من مباحث الإنترنت:

“جاهز يا رامي؟ القوة اتوزعت من الفجر حوالين الكافيه المهجور اللي على المحور.. لبسوا مدني وكأنهم عمال وصيادين في المنطقة.. أنت هتدخل بعربيتك، ومعاك الشنطة اللي اتفقنا عليها، وافتكر.. برود تام، متخليهوش يحس بأي قلق لحد ما يمسح الصور ويمسك الفلوس في إيده.”

“جاهز يا فندم.. ثواني وأكون هناك”، أجبته بصوت صلب كالحجر.

### في ساحة الشرك

وصلت إلى طريق المحور. كان الكافيه المهجور يقع على أطراف الطريق السريع، مكان مقطوع يسهل فيه الهرب والمراقبة. صففت سيارتي ونزلت وأنا أمسك بحقيبة سوداء صغيرة وضعت فيها أوراقًا عادية ومبلغًا بسيطًا في المقدمة ليوهم بالجدية.

تطلعت حولي.. الأجواء كانت هادئة تمامًا، لدرجة جعلت قلبي يرتجف خوفًا من أن يكون قد شعر بالكمين وهرب. دخلت إلى ساحة الكافيه المفتوحة، المليئة بالأتربة والمقاعد المحطمة.

وفجأة، خرج من خلف جدار مهدوم.. كان شابًا في أواخر العشرينيات، يرتدي نظارة شمسية سوداء، وسترة جلدية، وعلى وجهه ابتسامة ثقة مقززة. كان يمسك بهاتفه في يده ويمد يده الأخرى بسيجارة مشتعلة.

“منضبط في مواعيدك يا عريس.. تعجبني”، قالها بنبرة متهكمة وهو يقترب مني وعيناه تتفحصان المكان خلفي بدقة ثعلب.

وقفت مكاني، وحافظت على ملامحي خائفة ومكسورة كما اتفقنا: “الفلوس اهي.. مائة ألف جنيه كاش.. بس أنا عاوز أشوف الحاجات دي وهي بتمسح قدام عيني، وتديني خط مراتي القديم اللي معاك.”

ضحك بصوت عالٍ، ضحكة خبيثة هزت أركان المكان: “أنت فاكرني غبي؟ أنا هآخد الفلوس الأول، وأعدها.. وبعدين هوريك الحاجة وهي بتمسح.. بس عشان تبقى فاهم، الخط القديم أنا رميته من زمان، الصور والرسايل معايا على السيرفر، يعني لو فكرت تلعب بديلك بعد كده، بكبسة زرار واحدة حياتك تنتهي.”

### لحظة الصفر

تقدم نحوي، ومد يده الجشعة ليمسك بالحقيبة السوداء. في اللحظة التي تلاقت فيها أصابعه بمقبض الحقيبة، واستقرت في قبصته، شعرت برعشة انتصار تسري في جسدي. تراجعت خطوتين للخلف، ورفعت يدي إلى أعلى برفق، وهي الإشارة المتفق عليها مع القوة الحاضرة.

في لمح البصر، تحول السكون المحيط بالكافيه إلى إعصار.

من خلف الأشجار، ومن داخل سيارة ربع نقل قديمة كانت تقف على جانب الطريق، اندفع أربعة رجال بملابس مدنية، تشهر أسلحتها الميري بصوت زلزل المكان:

“اثبت مكانك! الشرطة! ارمي الشنطة وارفع إيدك لفوق!”

تغير وجه المجرم في ثانية واحدة من الانتصار السادي إلى الرعب الخالص. شحب لونه كالأموات، وسقطت الحقيبة من يده، وحاول الالتفات للهرب نحو الطريق السريع، لكن أمين شرطة ضخم البنية كان قد انقض عليه من الخلف كالصقر، وطرحه أرضًا على وجهه وسط التراب.

“أنا معملتش حاجة! دي فلوس ديون بيني وبينه! هو اللي مديهالي!” صرخ بصوت مخنوق والتراب يملأ فمه، بينما كان أحد الضباط يكبله بالكلابشات الحديدية خلف ظهره.

خطا الضابط “أحمد” نحو الساحة، وابتسامة حازمة ترتسم على وجهه. التقط الحقيبة من الأرض، ثم انحنى وسحب الهاتف من يد المجرم بعناية مستخدمًا قفازًا بلاستيكيًا للحفاظ على الأدلة الرقمية.

نظرت الشرطة إلى وجه المجرم الذي كان يتخبط أرضًا، وقال الضابط بنبرة تقطر تشفيًا وقوة:

“خلاص يا (ممس).. اللعبة انتهت.. المحضر مقفول وموثق بتفريغ المكالمات ورسايل الواتساب والابتزاز المالي، والقبض عليك متلبس بالفلوس.. تفتكر التلات بنات اللي خربت بيوتهم قبل كده مش هيجوا يتعرفوا عليك في النيابة؟ أنت قضيتك جناية تدمير أعراض وابتزاز، وهتتعفن في السجن.”

### المواجهة الأخيرة

قبل أن يرفعوه لوضعه في سيارة الشرطة، طلب الضابط أحمد أن يتركه ثوانٍ أمامي. وقف المجرم منكس الرأس، النظارة الشمسية تحطمت تحت الأقدام، وعيناه الزائغتان يملؤهما ذل لم أره في حياتي من قبل.

دنوت منه، ونظرت في عينيه مباشرة، وقفت بطولي وبكل كرامة الرجل الذي دافع عن بيته وشرفه وقانون بلده، وقلت له بصوت منخفض يسمعه هو وحده:

“كنت فاكر نفسك ذكي.. وفاكر إن بنات الناس ملهمش ضهر، وإنك لما تدعي إنك مت، ربنا هيسيبك؟ ربنا هو اللي جابني وجاب مراتي في طريقك عشان نكون السبب في قطع رقبتك ورقبة أمثالك.. خاف من اللي جاي يا ندل، لإن اللي زيك جوه السجن مالهمش دية.”

بصق على الأرض حسرة وهو يُسحب بعنف نحو سيارة الترحيلات، وأُغلق عليه الباب الحديدي الثقيل ليعلن نهاية حقبة من الفساد والابتزاز عاش فيها على آلام الضحايا.

التفتُّ إلى سيارتي، وركبتها وأنا أشعر لأول مرة منذ ثمانية أيام بوزن ثقيل ينزاح عن صدري. الهاتف في حوزة النيابة كأدلة جنائية، والمجرم خلف القضبان، والشرف لم يتلوث بالفضيحة بل حماه القانون. لكنني وأنا أتحرك بالسيارة عائداً إلى البيت، تذكرت زوجتي القابعة هناك.. المجرم سُجن، والابتزاز انتهى، لكن كيف ستبدأ حياتي مع إنسانة سترتُ عليها لوجه الله، والآن تشاركني سرًا لن يمحوه الزمن؟

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *