بعد فرحي 2
وصلت بيت أبويا، البيت اللي خرجت منه قبل شهر واحدة عروسة وفرحانة، ورجعتله بشنطة هدومي ومكسورة الجناح. دخلت أوضتي القديمة، رميت نفسي على السرير وانفجرت في عياط هيرستياني، عياط على نفسي، على قلة أصلي اللي اؤتمنت عليها، وعلى الغدر اللي شوفته من أول شهر.
أحمد ومحمود سابوني أرتاح، ونزلوا قعدوا في الصالة. سمعت صوت أحمد وهو بيتكلم في التليفون بحسم وعصبية، بيقفل كل الأبواب، وبيكلم محامي العيلة عشان يجهز الإجراءات لو كريم وأهله منفذوش الكلام.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت حركة غريبة في الصالة. قمت غسلت وشي وخرجت، لقيت أحمد ومحمود قاعدين، ووشوشهم مفيهاش أي رحمة.
أحمد بصلي وقال:
* “جهزي نفسك يا ندى، الـ 24 ساعة خلصوا، وكريم كلمني من شوية صوته زي الحريم وبيعيط، وعايز يجي هو وكبار عيلته عشان يحلوا.”
رديت بصوت مخنوق:
* “يحلوا إيه يا أحمد؟ الدهب هيرجع؟”
* “هيرجع ورجله فوق رقبته، بس القعدة دي مش عشان الدهب بس، القعدة دي عشان نعرفهم مقامك، وعشان نكسر عين اللي فكر يمد إيده على حاجة تخصك.”
على العصر، الباب خبط. فتح محمود، ودخل كريم ومعاه عمه الكبير “الحاج صالح” -راجل وقور ومحترم ومعروف في منطقتهم بالأصول- ومعاهم كمان خال كريم. حماتي وشيماء مكنش ليهم عين يظهروا.
كريم دخل وشه في الأرض، عينه متعلقتش في عيني ولا لحظة من الكسوف والخوف. قعدوا في الصالة، وأحمد ومحمود قعدوا قصادهم ونظراتهم زي الصقر.
الحاج صالح عم كريم بدأ الكلام بنبرة هادية وفيها أسف:
* “يا حاج أحمد، إحنا جينا اليوم وجايبين عيبنا معانا. اللي حصل من كريم وغباء أمه ده ميرضيش ربنا ولا يرضي أولاد الأصول. الواد اتزنق والشيطان شاطر، وأمه بدل ما تعقله، عمته.”
أحمد رد عليه بجفاء وبدون مقدمات:
* “الشيطان شاطر في البيع والشراء يا حاج صالح، مش في السرقة! ابنكم دخل أوضة أختي في غيبتها وسرقها، دي تسمى سرقة في شرع ربنا وفي القانون. وإحنا لولا بنحترم شيبتك وبنحترم الأصول، كان زمان ابنكم بايت في القسم من امبارح.”
كريم اتكلم بصوت مرعوب ومبجح في نفس الوقت:
* “يا حاج أحمد أنا مكنتش هأكل حقها، أنا بس سديت الدين وـ…”
أحمد قاطعه بضربة قوية على الترابيزة هزت الكوبايات:
* “اخرس خالص ومتنطقش! صوكت ده مسمعهوش طول ما إحنا قاعدين! أنت حسابك معايا بعدين.”
الحاج صالح هدأ الوضع وحط إيده على ركبة أحمد:
* “حقك عليا أنا يا بني، وبنتكم مكانتها فوق راسنا. ده حق ندى كامل مكمل.”
طلع الحاج صالح كيس قطيفة تقيل وحطه على الترابيزة، وفتح ورقة:
* “ده الدهب اللي كان يخص والدة ندى الله يرحمها، كريم راح لتاجر الصاغة اللي اشتراه منه ورجعه بالملي ودفع الفرق وخسارة المصنعية من جيبه، والدهب التاني اللي اتباع، دي الفلوس بتاعته كاش على داير المليم وحسب سعر الجرام النهاردة في السوق.”
محمود مسك الكيس والفلوس، وبدأ يراجع الدهب حتة حتة، ويبص في الفواتير القديمة اللي كانت معانا، وعد الفلوس بدقة. وبص لأحمد وهز رأسه بمعنى: “كله تمام وبزيادة”.
كريم اتنفس الصعداء، وافتكر إن الموضوع كده خلص، وبصلي وبدأ يتكلم بلهفة:
* “شايفة يا ندى؟ حقك رجعلك وزيادة أهو.. يلا بقى يا حبيبتي لمي هدومك عشان نرجع بيتنا ونقفل الصفحة دي.”
أنا وقفت، وبصيت له بكل برود وقسوة الدنيا، وقولتله:
* “ترجع فين؟ أنت صدقت نفسك؟”
أحمد قام وقف وبص لكريم وعمه وقال:
* “الدهب والفلوس دول حقها اللي اتسرق، وده مش معناه إنها هترجع معاك. أختنا دخلت بيتك بكرامتها، وخرجت منه مكسورة ومسروقة.”
خال كريم اتدخل وقال:
* “جرى إيه يا جماعة؟ ما الحق رجع لأصحابه والمسامح كريم، والست ملهاش إلا بيت جوزها.”
أحمد بص لخال كريم وقال بحسم:
* “بيتها لما يكون فيه راجل بيصونها ويحميها، مش راجل بيستغل غيابها ويفتش في دولابها! ندى مش هعتب باب البيت ده تاني إلا بشروطنا، والشرط الأول والأساسي ملوش علاقة بالفلوس.”
كريم وقف وبص لأحمد برعب:
* “شرط إيه يا حاج أحمد؟”
أحمد بص له بنظرة خبيثة وقال:
* “الشرط اللي يضمن إنك لو فكرت تكررها، متشوفش الشمس تاني.. والشرط ده هو…”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
أحمد بص له بنظرة حاسمة وقوية وقال:
* “الشرط الأول.. هتكتب لأختي شيك بمبلغ يساوي ضعف تمن الدهب ده، ويكون شيك مقبول الدفع أو يفضل واصل أمانة على بياض يفضل في إيدي أنا ومحمود. والشرط التاني والأهم.. شقتكم اللي فوق أمك دي، تتقفل! وتأجر لأختي شقة بعيد عن منطقة أهلك تماماً، ومقاطعة كاملة لأمك وأختك، ميعتبوش باب شقة أختي ولا ليهم دعوة بحياتها.”
كريم وشه اتقلب ألوان، وقام وقف وهو مش مصدق:
* “شقة إيه اللي أقفلها وأبعد عن أمي؟ أنت عايزني أطرد أمي وأقاطعها يا حاج أحمد؟ وبعدين واصل أمانة إيه اللي أمضيه على بياض؟ أنت كده بتكتفني!”
الحاج صالح، عم كريم، ضرب كف على كف وبص لكريم بعتاب:
* “اتكتم أنت خالص يا كريم! اللي يعمل عملتك يتحمل شروطها. إحنا جايين نشتري البنت ونصلح غلطتك.”
وبص لأحمد وقال:
* “يا بني، شروطك على الراس، بس موضوع مقاطعة الأم ده صعب في شرع ربنا، والشقة دي شقته اللي حيلته، منين هيجيب إيجار شقة تانية في الغلا ده وهو لسه بيسد أقساط الفرح؟”
أحمد رد بجفاء وصوته متهزش:
* “يتصرف يا حاج صالح! زي ما عرف يتصرف في الدهب من ورا أختي، يعرف يتصرف في قرشين الإيجار. أمك وأختك يا كريم هما أساس الخراب، ونزلوا شجّعوك على السرقة، وبنت الأصول متقعدش في بيت ناس يبصولها في لقمامها ومالها. والواصل ده عشان لو فكرت بس تبص لدولابها تاني، يكون حبل المشنقة حوالين رقبتك.”
كريم بصلي بعينين مليانة رجاء ودموع:
* “يرضيكِ كده يا ندى؟ يرضيكِ تخرّبي بيتي وتبعديني عن أهلي؟ أنا غلطت وجبتلك حقك وزيادة، اتقي الله فيا وفي بيتنا!”
خرجت عن صمتي ووقفت قصاده، وبكل القسوة اللي زرعها في قلبي في الكام يوم اللي فاتوا قولتله:
* “أنت اللي خربت البيت يا كريم يوم ما حطيت إيدك في دولابي. تمن الأمان غالي أوي، وأنت دفعتهوني من كرامتي ودموعي، ودلوقتي جه وقتك تدفع التمن. شروط إخواتي هي شروطي، لو مش عاجبك.. ورقتي تطلبي وتوصلي لحد هنا، وال قواضي تاخد مجراها.”
الخال قام وقف وقال بعصبية:
* “جرى إيه يا جماعة؟ دي مش قعدة صلح، دي قعدة لوي دراع! يلا بينا يا كريم، واللي يحصل يحصل، هما فاكرين بلدنا مفيهاش حكومة ولا إيه؟”
أحمد ضحك ضحكة قوية رنت في الصالة:
* “حكومة؟ كويس إنك فكرتني. محمود.. خد الفلوس والدهب واطلع بيهم على المحامي، خليه يرفقهم بمحضر السرقة اللي جهزناه الصبح، وخلينا نشوف مين اللي دراعه هيلوي التاني في المحاكم!”
كريم جِري على خاله ومسكه من إيده وهو مرعوب:
* “لا يا خالو بالله عليك اسكت! محاكم إيه وقواضي إيه؟ أنا مستقبلي هيضيع وشغلي هيروح!”
لف لعمه وبكى:
* “الحقني يا عمي صالح.. أنا مش حمل حبس وبهدلة.”
الحاج صالح بص لأحمد وقال بقلة حيلة:
* “خلاص يا حاج أحمد، اعتبر الشروط مقبولة. كريم هيمضي على واصل الأمانة دلوقتي حماية لحق بنتنا، وموضوع الشقة هنديله مهلة شهرين بالظبط يكون لقى شقة إيجار ونقل حاجته فيها، وطول الشهرين دول ندى تفضل هنا في بيت أبوها معززة مكرمة لحد ما ينقل، وأمه وأخته ملمحش طيفهم في الموضوع.”
أحمد بص لكريم وسأله:
* “موافق يا كريم؟ ولا تحب تجرب حظك في المحاكم؟”
كريم هز رأسه بكسرة وهو بيبص للأرض:
* “موافق.. موافق يا حاج أحمد.”
محمود طلع واصل الأمانة من جيبه وحطه قدام كريم، وكريم مسك القلم وإيده بتموت من الرعشة، ومضى وبصم وهو حاسس إنه بيمضي على وثيقة استعباده، بس ده كان التمن الطبيعي للي عمله.
بعد ما أمضى، الحاج صالح أخد الوصل سلمه لأحمد، وقاموا وقفوا عشان يمشوا. كريم بصلي بصه حزينة ومكسورة وقال بصوت واطي:
* “أنا هعمل كل اللي قولتوا عليه يا ندى.. بس أتمنى تكوني ارتحتي.”
مردتش عليه. مشوا وقفلنا الباب وراهم.
أحمد قرب مني وطبطب على كتفي وقال:
* “حقك رجعلك في جيبك يا ندى، وكرامتك وبنت الأصول كسرنا عين اللي فكر يجي عليها. دلوقتي هتقعدي هنا، والشهرين دول هما اللي هيحددوا.. يا إما كريم هينظف ويبعد عن عقربتين أمه وأخته ويبقى راجل ويصونك، يا إما هيكون واصل الأمانة ده هو نهايته.”
دخلت أوضتي، قعدت على السرير وبصيت لكيس الدهب اللي رجع. كنت فاكرة إن رجوعه هيفرحني، بس اكتشفت إن في حاجات لما بتكسر، مبترجعش تاني زي الأول حتى لو رجع معاها دهب الدنيا كله.
مر أسبوع.. والتاني.. وأنا قاعدة في بيت أبويا، وكريم كان بيكلمني كل يوم يعتذر ويتحايل ويقولي إنه بيدور على شقة، لحد ما في يوم.. لقيت تليفوني بيرن برقم غريب، فتحت ولقيت صوت صريخ وعياط عالي، وجاء لي الصوت اللي مكنتش أتوقعه تماماً.. صوت شيماء أخت كريم وهي بتصرخ بهستيريا وتقولي:
* “الحقيني يا ندى! كريم اتقبض عليه في الشغل ومتبهدل.. تعالي انقذي جوزك!”
وقبل ما أفهم في إيه، الخط قطع..
