السنة اللي عمى2
أبويا عبد العزيز هجم زي الضبع الهيجان، عينيه كانت طالعة لبرة والشر مالك كل عِرق في وشه. رفع الشومة وبكل قوته كان نازل بيها على راس عمي يونس عشان يخلص عليه وياخد الشنطة. أنا صرخت من ورا الباب وأمي كتمت بوقي وهي بتبكي وتترعش، لكن اللي حصل في اللحظة دي وقف الزمن في المربوعة.
عمي يونس متفاداش الضربة، ولا جري.. هو كل اللي عمله إنه رفع إيده التانية اللي كانت مخبية حاجة حديد صغيرة تحت كم الجلابية البيضا، وضغط عليها.
صوت “تكة” عالية ورنين معدني مألوف هز جدران الأوضة. أبويا ثبت في مكانه والشومة متعلقة في الهواء كأنه اتمسخ حجر. بصينا كلنا على إيد عمي.. كان ماسك القفل القديم، القفل اللي أنا كسرته بقالب الطوب! بس مكنش مكسور.. عمي كان مصلحه، أو يمكن مكنش اتكسر أصلاً وهو اللي كان سايق الهبل على الشيطنة طول السنين دي.
عمي يونس بص لأبويا وابتسم الابتسامة الباردة اللي تقطع النفس، وقال بصوت هادي وزي الفخار الناشف: “الشومة دي لو نزلت يا عبد العزيز، مش هتلحق تدفن الورق ده، لأن الورق ده ملوش نسخة واحدة.. الدفتر ده أصله في بندر مصر، والورق اللي في إيدي ده مجرد إعلام شرعي وقرار تمكين.. التمكين اللي إنت وجدك رضوان زورتوا ورق غيره من عشر سنين عشان تاخدوا ورث أمي الغريبة اللي ملهاش ضهر في العزبة”.
جدي رضوان قعد على الكنبة فجأة، كأن عافيته اتهدت في ثانية. الراجل اللي كان بكلمة منه يزلزل عزبة الجميزة كلها، بقيت شفايفه تترعش وهو باصص لعمي يونس: “إنت.. إنت كنت واعي طول السنين دي يا يونس؟ كنت شايفنا وإحنا بنرمي لك الطفح في الطين؟ كنت سامعنا وإحنا بنقول عليك مجنون؟”.
عمي يونس قرب من جدي، خطوة ورا خطوة، وجلابيته البيضا كانت بتتحرك مع الهوا البارد اللي داخل من خرم الشباك. وطى برأسه لحد ما بقى في وش جدي بالظبط، وقال بنبرة مليانة وجع ملوش آخر: “الجنون كان أرحم يا جدي.. أنا قعدت تلات سنين مربوط وسط البهائم، باكل من فضلات الخلق، وبشرب من مية المطر، عشان خايف منكم! خايف تقتلوني زي ما قتلتوا أمي بالبطيء لما حطيتوا لها السِم في نقط العين عشان تروح وتتوفى ويخلو لكم الجو. أنا عملت نفسي مجنون عشان أعيش.. عشان السلسلة الحديد اللي ربطتوني بيها كانت هي حبل النجاة الوحيد اللي مخليني بعيد عن غدركم. طول ما أنا مجنون ومربوط، إنتوا مطمنين إن السر مات في عقلي.. لكن السِر كان بيكبر تحت شجرة الجميزة مع كل شبر بحفره بضوافري بالليل وإنتوا نايمين”.
أبويا عبد العزيز نزل الشومة، ووشه بقى خالي من الدم، وبص لجدي وقال برعب: “يا بوي.. يونس لو خرج بالدفتر ده، العزبة كلها هتعرف إن الأرض اللي إحنا عايشين فيها ومأجرينها للناس مش بتاعتنا.. دي بتاعة الوقف وبتاعة ناس تانية، وإحنا مجرد دايسين عليها بالبلطجة.. والبوليس لو شم خبر، رقابنا هتروح في حبل المشنقة بسبب قض..ية أم يونس!”.
عمي يونس التفت لأبويا، وعينيه السودة الواسعة لمعت بنور القمر اللي كان داخل من الطاقية: “والقفل اللي أحمد كسره بقالب الطوب، مكنش قفل السلسلة بس يا عبد العزيز.. ده كان قفل السجن اللي إنتوا حبستوا نفسكم فيه من سنين. أنا مخرجتش عشان أنتقم.. أنا خرجت عشان أرجع الحق لأصحابه”.
في اللحظة دي، سمعنا صوت حركة غريبة برة البيت الكبير.. صوت همهمة ورجلين كتير بتتحرك في الطين.
أبويا جري على الشباك وبص لبرة، وفجأة صرخ وزق الضلفة بكل قوته وهو بيلتفت لجدي وشه مرعوب: “يا بوي! الحقنا يا بوي.. العزبة كلها برة! الغفر وأهل البلد متجمعين وشايلين كشافات.. ومعاهم ناس غريبة من البندر لابسير أفندية!”.
جدي رضوان وقف ورفع عصايته وهو بيصرخ في عمي يونس: “عملت إيه يا ابن الكلب؟! بعت عيلتك وناسك للأغراب؟”.
عمي يونس ماردش، فتح الشنطة الجلد بالراحة وحط فيها الدفتر والورق وقفلها بإحكام، وبصلي أنا من ورا باب المطبخ، وابتسم وقال بصوت سمعه الكل: “اخرج يا أحمد.. متخافش، إنت الوحيد اللي يدك طاهرة في البيت ده”.
خرجت وأنا بترعش، وأمي ماسكة في ضهري وهي بتبكي. عمي يونس مد إيده الكبيرة الناشفة ومسح على شعري، وقال: “اللقمة النظيفة اللي كنت بتسرقها لي يا أحمد، هي اللي كانت بتديني العقل والصبر عشان أستحمل السلسلة والبرد. النهار ده العزبة دي هتتغير.. والجميزة دي هيتفك من حولها الحبل”.
الباب الكبير بتاع البيت اتخبط بعنف، وصوت برة نده بأعلى صوته: “يا حاج رضوان! افتح الباب.. المأمور ومعاه مستشار الوقف برة، وعايزين يونس عبد الرحمن الشناوي!”.
جدي بص لأبويا، وبصوا هما الاتنين لعمي يونس اللي كان واقف زي الجبل في نص الأوضة، والشنطة في إيده، ومستعد يفتح الباب اللي هيقلب عزبة الجميزة فوق تحت ويغير تاريخ عيلة الشناوي للأبد.. لكن اللي ظهر ورا الباب أول ما اتفتح، مكانش المأمور لوحده، كانت حاجة تانية صدمت عمي يونس نفسه وخليته يرجع خطوة لورا والشنطة تقع من إيده!
الشنطة الجلد وقعت على الأرض، وانفتحت نص فتحة فظهرت أطراف الدفتر الأسود، وعمي يونس واقف مذهول، عينيه الواسعة اللي مكنتش بتخاف من حاجة، برقت برعب حقيقي وهو باصص للراجل اللي واقف ورا المأمور في الضلمة.
الراجل ده مكنش من الأفندية بتوع البندر، ولا كان من غفر العزبة. الراجل ده كان لابس جلابية سودة واسعة، وشبه جدي رضوان بالظبط.. نسخة طبق الأصل منه بس على أصغر بعشرين سنة، وفي رجله يمين.. كان فيه أثر حز أزرق قديم لجنزير حديد!
أبويا عبد العزيز أول ما شافه، صوته هرب منه ووقع على ركبه وهو بيشاور بصباعه وبيردد بكلام مش مفهوم: “يوسف.. يوسف عاد.. الميت صحي من قبرها يا بوي!”.
جدي رضوان ساب العصاية من إيده، ووشه بقى زي الجبس الأبيض، وهمس بصوت حشرجة الموت: “أنت دفنت السر يا يونس.. بس نسيت إن الأرض دي مبتشبعش دم.. وأخوك الكبير اللي قولتوا عليه مات في السجن من عشر سنين.. واقف عتبة بيتي”.
الراجل اللي اسمه “يوسف” – عمي الكبير اللي عمري ما سمعت اسمه في البيت ولا أعرف شكله – خطى عتبة البيت بالراحة، رجليه كانت بتسيب أثر طين نظيف على بلاط المربوعة. بص لجدي رضوان ونظرة عينه كانت ألعن من السِم، ومسك المأمور من داعه وقال بصوت غليظ ومبحوح كأنه خارج من بئر قديم: “هو ده يا باشا.. ده الراجل اللي زور شهادة وفاتي وأنا حي يرزق في سجن المحاميد، عشان يورث أرض الوقف مع عبد العزيز، ولما يونس أخويا الصغير كشفهم.. رموه في الزريبة وربطوه زي البهايم وقالوا عليه مجنون!”.
المأمور شاور للغفر، وفي ثانية كانت الأوضة مليانة عساكر وبنادق. جدي رضوان مقدرش يقف على رجليه، قعد على الأرض وهو بيلهث كأن روحه بتطلع، وأبويا عبد العزيز انكمش في ركن الأوضة وزي العيل الصغير قعد يخبي وشه في الحيطة ويدعي إن ده يكون حلم.
عمي يونس فاق من صدمته، قرب من أخوه يوسف بخطوات مهزوزة، ومد إيده يلمس كتافه كأنه بيتأكد إنه لحم ودم مش خيال: “يوسف؟ إنت عايش؟ أنا.. أنا كنت بكتب اسمك كل ليلة في الطين برة.. كنت بحسبك مت وسبتني لوحدي وسطيهم”.
يوسف حضن عمي يونس بقوة، والدموع نزلت من عينيه الناشفة: “أنا ممتش يا يونس.. أنا كنت مستني اليوم اللي الورق ده يظهر فيه. الشنطة اللي إنت حفرت وطلعتها من تحت الجميزة، أنا اللي دافنها بيدي قبل ما الغفر يكبسوا عليا من عشر سنين.. كنت عارف إنك الوحيد اللي عقلك صاحي وهتفهم الإشارة”.
التفت يوسف ليا وأنا واقف ورا أمي اللي كانت بتبكي من الفرحة والخوف في نفس الوقت، وقال بصوت حنين: “وإنت يا أحمد.. لقمة العيش اللي كنت بتأكلها لعمك، هي اللي حمت عيلة الشناوي من إنها تتمحي من الدفاتر.. إنت بذرة النظافة الوحيدة في الطين ده”.
المأمور قرب ولم الورق والدفتر من الشنطة وحطهم في حرز، وبص لجدي وأبويا وقال بحزم: “هاتوا الحاج رضوان وعبد العزيز على البوكس.. القض..ية دي فيها تزوير، وقتل بالبطيء، وحجز حرية بدون وجه حق.. ليلتكم هتبقى طويلة في المركز”.
العساكر شدوا أبويا وجدي وخرجوهم وسط ذهول العزبة كلها اللي كانت واقفة برة في المطر، بيتفرجوا على كبار عيلة الشناوي وهم خارجين متكتفين والمطر بيغسل هيبتهم في الطين.
المربوعة فضيت، ومبقاش فيها غير عمي يونس، وعمي يوسف، وأنا وأمي.
عمي يونس قعد على الأرض، وبص للقفل القديم والسلسلة اللي كانوا مرميين في الزاوية، وتنفس لأول مرة براحة كأن جبل انزاح من على صدره. بس عمي يوسف مخبّاش الفرحة كتير، وشه رجع يقلب جد، وبص لأخوه يونس وقال بنبرة واطية ومرعبة:
“الحق رجع يا يونس.. وأبوك وأخوك هيتعدموا أو يموتوا في السجن.. بس إنت فاكر إن الوقف كدة خلص؟ الورق اللي مع المأمور ده فيه سِند تاني.. سِند بيقول إن الأرض دي وراها بحر دم من ميت سنة، وأصحاب الأرض الحقيقيين مش الأفندية بتوع البندر.. أصحابها جايين ورايا في الطريق.. ومعاهم سلا..ح!”.