ضحكو على البنت 3

الفصل الخامس

شعرت ليلى بأن الهواء اختفى من حولها.

كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا ما.

لكنها لم تتخيل أبدًا أنها ستأتي بهذه الطريقة.

في ممر ضيق داخل فندق محاصر.

بعد محاولة اغ*تيال.

وبين رجال مسلحين.

نظر إليها سيف الحديدي دون أن يرمش.

أما الرسالة فما زالت مضاءة على شاشة الهاتف بين أصابعه.

قولي لجوزك الحقيقة.

قال كريم ببطء

“واضح إن حد عايز يقول حاجة.”

لم ترد ليلى.

حاولت ترتيب أفكارها.

لكن عقلها كان يعمل بسرعة جنونية.

لأن المشكلة لم تكن في الرسالة.

المشكلة كانت في الشخص الذي أرسلها.

لأن الشخص الوحيد الذي يعرف هذا السر…

مفروض أنه مات منذ سنوات.

قال سيف للمرة الثانية

“أنا بسأل سؤال واضح.”

رفعت رأسها أخيرًا.

ونظرت إليه مباشرة.

“مش كل حاجة في الرسالة حقيقية.”

“يعني إيه؟”

“يعني كلمة جوزك مش حقيقية.”

ظل ينظر إليها.

ثم قال

“وباقي الرسالة؟”

صمتت.

وهنا فهم سيف.

لأول مرة منذ بداية الليلة ظهر التوتر الحقيقي في وجهها.

توتر لم يصنعه القناص.

ولا الانفجار.

ولا الخيانة.

بل سر آخر.

سر أقدم.

وأخطر.

اقترب خطوة.

وقال

“ليلى.”

كان صوته منخفضًا.

لكنه أكثر خطورة من الصراخ.

“اتكلمي.”

أغمضت عينيها للحظة.

ثم قالت

“من أربع سنين كنت براجع ملفات قديمة خاصة بمجموعة الحديدي.”

سكتت.

ثم أكملت.

“ملفات عمرها أكتر من عشرين سنة.”

قال كريم

“إيه علاقتها باللي بيحصل؟”

نظرت إليه.

ثم عادت بعينيها إلى سيف.

“لقيت مستندات ناقصة.”

“مستندات إيه؟”

“مستندات تخص والدك.”

تصلبت ملامح سيف فورًا.

قالت ليلى

“في تحويلات مالية ضخمة كانت بتخرج من الشركة باسم أشخاص غير موجودين.”

“وده طبيعي في الشركات الكبيرة.”

هزت رأسها.

“مش بالطريقة دي.”

ثم أضافت

“كل الخيوط كانت بترجع لنفس الاسم.”

“نجلاء فؤاد.”

ساد الصمت.

أكملت

“في البداية افتكرت إنها عملية اختلاس قديمة.”

“وبعدين؟”

“اكتشفت إنها كانت بتتدفع علشان حد يختفي.”

تجمدت الوجوه.

حتى كريم لم ينطق.

قال سيف

“كملي.”

تنهدت ليلى.

“نجلاء ما اختفتش بمزاجها.”

“تقصدي إيه؟”

“أبوك أخفاها.”

صمت ثقيل سقط فوق المكان.

ثم قالت الجملة التالية ببطء شديد.

“لأنها كانت حامل.”

لم يتحرك سيف.

لكن الجميع شعر أن درجة حرارة المكان انخفضت فجأة.

قال أخيرًا

“حامل من مين؟”

نظرت إليه.

“من والدك.”

أغلق عينيه للحظة.

ثم فتحهما من جديد.

لكن هذه المرة كانت النظرة مختلفة.

نظرة رجل بدأت أجزاء من ماضيه تتكسر أمامه.

قالت ليلى

“الشاب عمر غالبًا مش ابنك.”

تنفس الجميع تقريبًا في نفس اللحظة.

لكنها أكملت فورًا.

“غالبًا أخوك.”

تجمد المكان بالكامل.

ولثوانٍ طويلة لم ينطق أحد.

في الخارج كانت أصوات سيارات الشرطة تقترب.

وفي الفندق كانت صفارات الإنذار لا تزال تعمل.

لكن داخل ذلك الممر الضيق لم يكن أحد يسمع شيئًا.

قال كريم أخيرًا

“يا ساتر.”

أما سيف فظل واقفًا بلا حركة.

كأنه يحاول استيعاب حجم الكارثة.

كل حياته كان يعتقد أنه الوريث الوحيد.

الابن الوحيد.

صاحب الإمبراطورية الوحيد.

والآن…

ربما يوجد أخ غير شرعي ظهر فجأة وسط حرب على السلطة.

قال بهدوء

“وعمر يعرف ده؟”

هزت ليلى رأسها.

“مش متأكدة.”

“وشريف؟”

“شريف يعرف كل حاجة.”

ضرب سيف الحائط بقبضته فجأة.

اهتزت الجدران.

وقفز الجميع.

لكن الغضب لم يكن بسبب الأخ المجهول.

ولا بسبب والده.

بل بسبب الصورة التي بدأت تتضح.

شريف لم يختر عمر بالصدفة.

اختاره لأنه يحمل دم الحديدي.

اختاره لأنه مفتاح السيطرة على الإمبراطورية.

اختاره لأنه يستطيع تقسيم العائلة من الداخل.

وفجأة رن هاتف سيف نفسه.

نظر إلى الشاشة.

رقم مجهول.

ساد الصمت.

ثم ضغط زر الرد.

ووضع الهاتف على مكبر الصوت.

وجاء صوت رجل هادئ جدًا.

هادئ بصورة مخيفة.

“مساء الخير يا سيف.”

تجمدت ملامحه.

كان يعرف الصوت.

شريف الجندي.

قال سيف ببرود

“واضح إن عندك ليلة مزدحمة.”

ضحك شريف.

“وأنت كمان.”

قال سيف

“خلصت ألعابك؟”

رد شريف

“لسه البداية.”

ثم سكت لحظة.

وأضاف

“بس حبيت أقولك إن أخوك الحقيقي قاعد قدامي دلوقتي.”

شحب وجه كريم.

أما ليلى فتجمدت مكانها.

وأكمل شريف بصوت مليء بالثقة:

“والأجمل من كده إنه بدأ يصدق إن الإمبراطورية حقه.”

ثم انقطع الخط.

وبدأت الحرب الحقيقية.

الفصل السادس

ظل الهاتف صامتًا بعد انقطاع المكالمة.

لكن الكلمات التي قالها شريف بقيت معلقة في الهواء كأنها لم تنتهِ بعد.

“أخوك الحقيقي قاعد قدامي دلوقتي.”

لم يكن سيف الحديدي من الرجال الذين يفقدون السيطرة بسهولة.

طوال حياته تعلم أن الانفعال يقت*ل.

وأن الغضب يعمي.

وأن الرجل الذي يفكر بهدوء يفوز دائمًا.

لكن هذه الليلة كانت تختبر كل قواعده.

وقف عدة ثوانٍ ينظر إلى الشاشة السوداء للهاتف.

ثم أغلقه ببطء.

وقال بهدوء أربك الجميع أكثر من أي صراخ:

“هنخرج من هنا.”

نظر إليه كريم.

“وبعدين؟”

رفع سيف عينيه.

“وبعدين نبدأ نصطاد.”

لمعت عينا كريم فورًا.

لأنه عرف هذه النبرة.

هذه النبرة كانت تظهر عندما يقرر سيف إنهاء حرب.

وليس خوضها فقط.

بعد عشرين دقيقة.

كانوا داخل ممرات الخدمة الخلفية للفندق.

بعيدًا عن القاعة.

بعيدًا عن الضيوف.

بعيدًا عن الكاميرات.

قادهم أحد الحراس الأوفياء عبر سلسلة من الأبواب المعدنية حتى وصلوا إلى مخزن قديم قرب المرسى الخلفي للفندق.

هناك كانت تنتظرهم سيارة سوداء مصفحة.

تنفس كريم براحة.

“الحمد لله.”

لكن ليلى لم تشعر بالراحة.

أبدًا.

لأن شيئًا ما كان خطأ.

خطأ كبير.

راقبت المكان بعينيها.

المخزن.

السيارة.

الحراس.

الممر.

ثم شعرت بقشعريرة مفاجئة.

قالت فجأة:

“استنوا.”

توقف الجميع.

نظر إليها سيف.

“في إيه؟”

لم تجب فورًا.

كانت تحدق في السيارة.

ثم قالت:

“مين جاب العربية هنا؟”

قال أحد الحراس:

“فريق الحماية الاحتياطي.”

سألت:

“مين بالتحديد؟”

صمت الرجل.

ثم قال:

“مش عارف.”

التفتت فورًا إلى سيف.

وكانت عيناها ممتلئتين بالتحذير.

“ما تركبش.”

عقد كريم حاجبيه.

“ليه؟”

قالت بسرعة:

“لأن دي أول معلومة ما قدرتش أوصل لمصدرها الليلة.”

سيف لم يتحرك.

فقط راقب السيارة.

ثم راقب الحراس.

ثم راقب ليلى.

وفجأة انحنى وأخذ قطعة معدنية صغيرة من الأرض.

وقذفها أسفل السيارة.

مرّت ثانية.

ثانيتان.

ثم…

انفجار هائل.

اهتز المخزن كله.

وتحولت السيارة المصفحة إلى كرة نار ضخمة.

قفز الجميع للخلف.

وتناثرت قطع الحديد المشتعلة في كل مكان.

أما ليلى فأغمضت عينيها بقوة.

لقد كانت محقة.

مرة أخرى.

قال كريم وهو ينظر إلى الحطام:

“يا نهار أسود.”

أما سيف فظل ينظر إلى النيران.

ثم قال بصوت منخفض:

“واضح إن شريف مستعجل.”

بعد ساعة كاملة.

كانوا داخل مبنى قديم تملكه إحدى شركات الحديدي المهجورة.

مكان لا يعرفه سوى عدد محدود جدًا من الأشخاص.

أغلق كريم الأبواب بنفسه.

ونشر الحراس في كل الطوابق.

لأول مرة منذ بداية الليلة شعروا بشيء يشبه الأمان.

جلس سيف أمام طاولة خشبية قديمة.

ووضع الفلاشة التي أعطتها له ليلى أمامه.

ثم نظر إليها.

“دلوقتي.”

رفعت رأسها.

“دلوقتي إيه؟”

قال:

“هنشوف كل حاجة.”

بعد دقائق.

ظهرت الملفات على شاشة الكمبيوتر.

مئات المستندات.

تحويلات مالية.

عقود.

صور.

تسجيلات.

حسابات سرية.

وأسماء.

أسماء كثيرة.

لكن اسمًا واحدًا جعل الجميع يتجمد.

شريف الجندي.

وإلى جواره عشرات التحويلات.

ومبالغ خيالية.

ثم ملف آخر.

عنوانه:

عمر فؤاد.

فتح سيف الملف.

فظهرت صورة شاب في منتصف العشرينات.

وسيم.

طويل.

ملامحه حادة.

لكن ما جعل الجميع يصمت…

هو الشبه.

كان هناك شبه واضح.

مخيف.

بينه وبين سيف.

ليس شبه أخوين فقط.

بل شبه دم واحد.

عائلة واحدة.

نظر كريم إلى الصورة.

ثم إلى سيف.

ثم قال:

“مستحيل.”

لكن لا أحد رد.

لأن الجميع كان يرى الشيء نفسه.

حتى ليلى.

رغم أنها رأت الصورة من قبل.

شعرت بنفس الصدمة مجددًا.

فتح سيف الملف التالي.

فظهر تقرير طبي قديم.

وتقرير تحليل وراثي ناقص.

ومستندات اختفاء نجلاء فؤاد.

ثم صورة قديمة بالأبيض والأسود.

رجل يقف بجوار امرأة شابة.

الرجل كان والد سيف.

أما المرأة…

فكانت نجلاء.

تنفس كريم ببطء.

“إحنا داخلين على مصيبة.”

لكن المصيبة الحقيقية لم تكن هنا.

لأن ليلى كانت تقلب بين الملفات بصمت.

حتى توقفت فجأة.

وشحب وجهها.

قال سيف فورًا:

“في إيه؟”

لم ترد.

فأخذ الكمبيوتر منها.

ونظر إلى الشاشة.

ثم تجمد.

لأن الملف الذي فتحته كان يحمل عنوانًا واحدًا فقط:

مشروع الوريثة.

فتح الملف.

فظهرت صورة قديمة.

صورة لطفلة صغيرة.

لا يتجاوز عمرها ثلاث سنوات.

ثم وثائق.

وشهادات.

وتحويلات مالية.

وأسماء مستعارة.

ثم سطر واحد مكتوب باللون الأحمر:

“في حالة فشل عمر… يتم تفعيل الخطة الثانية.”

رفع سيف رأسه ببطء.

وقال:

“مين دي؟”

لكن ليلى كانت تنظر إلى الصورة وكأنها رأت شبحًا.

ثم همست بصوت مرتجف لأول مرة منذ عرفها:

“مستحيل…”

“أنا أعرف البنت دي.”

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *