انجى الخطيب 3

البارت التالت
طارق حاول يدوس ع الفرامل بكل قوته لكن مفيش فايدة، العربية بتزيد في السرعة كأنها طيارة محطوطة على طريق أسفلت، والمؤشر بيعدي الـ 200. قلبه دق طبول الحرب، مش خوفاً على نفسه، لكن خوفاً من النهاية دي اللي هتحرمه من نرمين ويوسف. فكر في ثانية، لو نط من العربية وهي بالسرعة دي هيموت أو يتصاب إصابة تمنعه يوصلهم، ولو فضل جواها.. القنبلة هتحوله لأشلاء.
​”لا.. مش دلوقتي.. مش قبل ما أحضنهم!” صرخ طارق بصوت هادر، وقام ماسك طارة الدريكسيون بإيد واليد التانية بيدور في الكنبة اللي ورا عن أي حاجة تساعده. فجأة لمحت عينه طفاية الحريق، مسكها وكسر بيها إزاز العربية الجانبي عشان يخفف الضغط، وفكر في خطوة مجنونة.. الطريق قدامه فيه منحنى حاد بيؤدي لمزرعة رملية، لو قدر يوجه العربية ناحية كومة رمل كبيرة هناك، يمكن الصدمة تكسر قوة الانفجار أو على الأقل تخليه يخرج قبل ما الدنيا تولع.
​طارق لَف الدريكسيون بكل قوته، العربية اتزحلقت على الأسفلت بصوت صريخ كاوتش يقطع القلب، دخلت في الكوم الرملي وانقلبت مرتين قبل ما تستقر على جنبها. الدنيا بقت سكون تام.. طارق كان غايب عن الوعي، والدم نازل من راسه، بس في اللحظة اللي القنبلة بدأت فيها تصدر صوت “تيت.. تيت.. تيت” أسرع، طارق فتح عينه، شاف ضوء في نص العتمة، زحف بكل قوته، دفع بكتفه وباب العربية المفعوص، ونط لبرة، ورمى جسمه في الأرض..
​بوم!!!
انفجار هز الأرض، لهب نار طلع للسما، ورمى طارق لبعيد. طارق كان لسه بيتنفس، عيونه بتغيب وترجع، وسمع صوت عربية بتقرب.. هل هما رجالة أدهم التانيين؟ ولا فريدة اللي هربت؟ حاول يقوم بس جسمه مكنش مطاوعه.

​نرمين في إسكندرية، كانت واقفة في البلكونة وبتبص للقمر، فجأة حست بوجع في قلبها، دبلة جوازها اللي في إيدها وقعت على الأرض وفتحت نصين. صرخت: “طارق!”.. يوسف صحي على صوت عياطها، نرمين خدته في حضنها وهي بتترعش: “بابا في خطر يا يوسف.. أنا حاسة بيه!” قلبي ميكدبش عليا ابدا ولا اسارات ربنا ليا يارب احمية وقامت تتوضا عشان تصلي ان ربنا يخفظلها جوزها وحبيب عمرها ويرجعلها بالسلامة…..

​في موقع الانفجار.. العربية كانت بتتحرق، والناس اللي في العربية اللي قربت، نزلوا منها.. مكنوش أعداء، كانوا رجالة “الشاذلي بيه” اللي كان حاسس إن ابنه في خطر فبعت وراه حراسة خاصة من غير ما يقوله. الحراس شالوا طارق بسرعة، وواحد منهم صرخ في التليفون: “الشاذلي بيه! لقينا طارق بيه، العربية انفجرت بس هو لسه حي.. بسرعة هاتوا الإسعاف الجوي!”
​طارق في العربية، بين الحياة والموت، كان بيتمتم بكلمة واحدة، كلمة خلت أصعب الحراس يعيطوا: “نرمين.. يوسف.. لا اوعوا تسيبوهم.. خلوكم معاهم..”
​بعد ساعات في مستشفى خاص مجهز، نرمين كانت وصلت ومعاها يوسف، دخلت المستشفى وهي مش شايفة قدامها، شعرها مبهدل، وعيونها حمرا، أول ما شافت الشاذلي بيه واقف قدام أوضة العمليات، وقعت في حضنه: “قولي إنه كويس يا عمي.. قولي إنه مش هيسيبني!”
​الشاذلي بيه كان بيسندها وهو بيحاول يتمالك أعصابه: “طارق بطل يا نرمين.. هو أقوى مما تتخيلي، ربنا مش هيحرمنا منه.”
​الدكتور خرج بعد وقت طويل، وشه كان مرهق، نرمين جريت عليه: “طارق فين؟ هو كويس؟”
الدكتور بصلها بأسف وتردد: “عملنا اللي علينا.. الإصابات كانت قوية جداً، بس طارق بيه… دخل في غيبوبة، ومحدش عارف هيفوق إمتى.”
​نرمين حسيت إن الأرض بتدور بيها، دخلت الأوضة بتاعته، لقت طارق نايم، متوصل بأجهزة كتير، وشه شاحب، وإيديه اللي كانت بتحميها بقت ساكنة. نرمين قربت، مسكت إيده وحطتها على خدها وبدأت تعيط: “قوم يا طارق.. قوم عشان يوسف، قوم عشان الحب اللي بدأناه بصفقة وانتهى بحياة.. أنا مش هعرف أعيش من غيرك، أنت وعدتني!”
​فجأة، وبدون مقدمات، باب المستشفى اتفتح ودخلت “فريدة” ومعاها راجل غامض، كان لاب لبس ممرضة، وبصت لطارق وهي بتبتسم شريرة: “الغيبوبة دي مش هتطول يا طارق.. لأن دي آخر ليلة ليك في الدنيا، وأنا اللي هنهي اللي بدأته!”
​نرمين بصت وراها بصدمة، وفريدة كانت شايلة مسدس كاتم للصوت.. اللحظة دي كانت أصعب لحظة في حياتهم، نرمين وقفت قدام طارق بجسمها، وقالت بصوت كله تحدي: “لو عايزة تقتليه، لازم تعدي على جثتي الأول!”
انجى الخطيب
فريدة ضحكت ضحكة مجنونة وهي بتوجه المسدس مباشرة لقلب نرمين: “يا سلام على التضحية! إيه الرومانسية دي؟ بس خلاص يا نرمين، اللعبة خلصت، ووجودك ووجوده بقوا عائق كبير في طريقي.”
​نرمين مكنتش بتتحرك، عيونها كانت بتلمع بتحدي ممزوج بدموع، حطت إيدها على بطنها اللي لسه فيه أثر جرح الولادة ووقفت درع بشري قدام طارق: “لو فاكرة إنك بمجرد رصاصة هتنهي حياتنا، فإنتِ غلطانة.. طارق مش مجرد راجل، طارق حياة، وحياة زي دي مفيش شيطان زيك يقدر يطفيها.”

​فريدة قربت خطوة والراجل اللي معاها كان بيراقب الممر بتوتر: “خلصينا يا فريدة، الشرطة ممكن تكون في أي وقت هنا.”
​في اللحظة اللي فريدة كانت هتضغط فيها على الزناد، يوسف الصغير اللي كان مستخبي ورا الكرسي في الأوضة، طلع بذكاء فطرى ورما “فازة” ورد تقيلة كانت على التربيزة بكل قوته على إيد فريدة!
​فريدة صرخت من الألم والمسدس طار من إيدها، وفي نفس اللحظة دي، نرمين هجمت عليها زي اللوحش بدأت خناقة عنيفة بين نرمين وفريدة. الممرض اللي كان معاها حاول يتدخل ويشد نرمين، بس نرمين كانت أقوى مما يتخيل، استخدمت كل ذرة طاقة عندها، خبطته بكل قوتها في بطنه ووقعت المسدس اللي كان في إيده وخدته!
​فريدة حاولت تقوم، بس نرمين وجهت المسدس ناحيتها وصوتها كان بيرجف من الغضب: “على الأرض! اتحركي خطوة واحدة وهكون ضاربة رصاصة في دماغك!”
​في اللحظة دي، الباب اتفتح بعنف، وعمر دخل ومعاه قوة أمنية! عمر بَص للمنظر بصدمة، فريدة على الأرض مغلوبة، والممرضة متكتفة ونرمين واقفة ماسكة المسدس وإيدها بتترعش، وعيونها على طارق اللي لسه في غيبوبته.
​عمر جري عليها وأخد المسدس منها برفق: “نرمين.. اهدى، خلاص، كل حاجة انتهت، فريدة وقعت في إيدينا للأبد.”
​نرمين سابت المسدس ووقعت على ركبتها جنب سرير طارق، ودفنت وشها في إيده اللي لسه دافية: “طارق.. ارجوك قوم، أنا حاربت عشانك، أنا أثبت إني أقدر أكون درعك، قوم وشاركني الانتصار ده..”
​عمر بَص لفريدة اللي بتتسحب للحبس، وقالها بمرارة: “خسرتي كل حاجة، لأنك مكنتيش عارفة إن الحب اللي بين نرمين وطارق أقوى من أي مؤامرة.”
​فريدة بصلتهم بحقد وابتسمت ابتسامة مريبة قبل ما يخرجوها: “أنا خسرت، بس لسه فيه مفاجأة تانية.. أدهم الشريف مكنش مجرد شريك، أدهم كان مجهز ‘خطة تانية ‘ هتخليكم تعيشوا في رعب طول العمر.”
​الكلمة دي خلت نرمين تقشعر، بس عمر طمنها: “متسمعيلهاش، دي بتحاول تكسر ثباتك.”
​بعد ما خرجوا، المستشفى بقت هادية تماماً، نرمين قاعدة جنب طارق، ماسكة إيده، بتهمسله بكل حاجة حصلت، بتحكيله عن شجاعة يوسف، وعن تحديها لفريدة. فجأة.. نرمين حست بإيد طارق بتتحرك تحت إيدها!
​نرمين رفعت راسها بلهفة، وطارق بدأ يفتح عيونه ببطء شديد، النور كان مضايقه، بس أول ما لقى عيون نرمين قدامه، ابتسامة خفيفة ظهرت على شفايفه.
​طارق بصوت واطي ومتقطع: “أنتي.. أنتي اللي حاربتي؟”
نرمين بكت وهي بتضحك: “أنا حاربت عشانك.. عشان نرجع نعيش حياتنا زي ما وعدتني.”
​طارق مسك إيدها وقربها لشفايفه وباسها بضعف: “أنا كنت سامعك.. كنت حاسس بيكي في كل لحظة، أنتي بطلتي الحقيقية، يا نرمين.”
​وفجأة، جرس الإنذار في الغرفة ضرب بقوة، والأجهزة بدأت تصفر.. الدكتور دخل جري، والممرضين أبعدوا نرمين عن السرير.. طارق بدأ يتشنج، وعيونه بدأت تغيب تاني!
​الدكتور صرخ: “نرمين هانم، لازم تخرجي فوراً! القلب بيقف!”
​نرمين وقفت برة، بتبص من إزاز الأوضة وهي بتموت، وبتدعي: “يا رب.. يا رب متحرمنيش منه بعد كل ده!”
​جوه الأوضة، الدكتور بيحاول يعمل صدمات كهربائية لقلب طارق، والزمن وقف.. هل دي فعلاً “الخطة التانية” اللي أدهم سابها؟ وهل طارق هيقدر يرجع المرة دي من الموت، ولا دي فعلاً النهاية؟
انجى الخطيب
………..
طارق فتح عينه ببطء شديد، النور كان بيخترق عينيه زي الخناجر، حاسس بضبابية ورؤية مشوشة، لكن أول حاجة استقرت عليها عينيه كانت ملامح نرمين، اللي كانت وشها غرقان دموع لكن عينيها بتلمع ببريق الأمل اللي مبيعرفش المستحيل. المونيتور اللي كان بيصرخ بخط مستقيم، بدأ يغني دقاته المنتظمة “تيك.. تيك.. تيك”، دقات رجعت للحياة وكأنها بتعلن انتصار الحب على الموت.
​الدكاترة كانوا في حالة ذهول، بيتبادلوا نظرات مش مصدقين، واحد منهم مسح عرقه وقال بصوت متهدج: “دي.. دي حالة طبية نادرة جداً، الجسم كان في حالة سكون عميق لدرجة إن الأجهزة فشلت في رصده.. نرمين هانم، إيمانك وإصرارك هما اللي خلونا مخرجش من الأوضة!”
​نرمين مكنتش سامعة كلمة واحدة، كانت عيونها محبوسة في عينين طارق، سابت إيده اللي كانت بتنبض تحت إيديها وبدأت تضغط عليها بلطف، طارق حاول يبتسم، بس ابتسامته كانت تعبانة، أنفاسه لسه تقيلة. رفع إيده التانية ببطء شديد ولمس وش نرمين، صوت أنفاسه كان مسموع في الأوضة الهادية: “نـ.. نرمين؟”
​الكلمة كانت طالعة خشنة ومتقطعة، لكنها كانت أحلى لحن سمعته نرمين في حياتها. غطت إيدها على إيده وبكت بهستيريا، بس المرة دي دموع فرحة لا توصف: “أنا هنا.. أنا هنا يا حبيبي، مسبتكش، عمري ما هسيبك، كنت عارفة إنك هترجعلي، كنت عارفة إن ربنا مش هيخذل قلبي!”
​طارق بصلها بنظرة فيها كل العشق اللي بيحمله، حاول يتكلم تاني بس الدكتور قاطعه: “طارق بيه، ارجوك، متتكلمش دلوقتي، جسمك محتاج راحة، إنت عملت معجزة حقيقية، سيب جسمك يستعيد طاقته.”
​طارق مخدش عينه من على نرمين، مسك إيدها بقوة أكتر وكأنه بيستمد منها القوة، غمض عينه تاني وهو بيتنفس بانتظام، لكن إيده كانت لسه ماسكة إيد نرمين، كأنه بيقولها “أنا رجعت، ومستحيل أبعد تاني”.
​نرمين بصت للدكاترة، وقفت ووقفت وراها كل قوتها اللي رجعتلها تاني: “محدش يلمسه.. أنا هفضل جنبه، مش هتحرك من هنا، طارق محتاجني جنبه عشان يكمل شفاءه.”
​عمر كان واقف عند باب الأوضة، كان ساند على الحيطة وبيمسح دموعه بكم قميصه، دخل ووقف جنب نرمين، حط إيده على كتفها وقال بصوت مليان احترام: “طارق مش بس رجع، طارق رجع عشان أنتي اللي كنتِ بتناديه يا نرمين. مفيش قوة في الدنيا كانت تقدر تاخده منك طول ما إنتِ متمسكة بيه كدة.”
​في اللحظة دي، طارق فتح عينه مرة تانية، وبص لعمر بابتسامة باهتة بس واثقة: “أنا.. ممتش يا عمر.. أنا كنت في مكان، المكان ده كان فيه نرمين بس.. رجعت عشان أوفي بوعدي ليها.”
​نرمين مالت عليه، وبست جبينه برقة: “الوعد ده هو اللي رجعك، والوعد ده هو اللي هيخلينا نعيش بقية عمرنا سوا.. نام يا بطل، ارتاح، أنا جنبك، ومفيش أي قوة في الأرض تقدر تاخدك مني تاني.”
​الأوضة بدأت تهدى، الدكاترة خرجوا، والأنوار خفتت، نرمين قعدت على طرف السرير، ضمت إيد طارق لقلبها، وغمضت عينيها، لأول مرة من ساعات، كانت بتتنفس بحرية، والروح اللي كانت ميتة فيها رجعت للحياة مع كل نبضة قلب لطارق. الغرفة بقت عالم صغير، مفيش فيه غير اتنين، الموت خاف يقرب منهم لأن حبهم كان أقوى منه بكتير.
………….
مرت الأيام في المستشفى وكأنها دهر، لكن عزيمة طارق في الشفاء كانت أسرع من توقعات الأطباء، وكأن وجود نرمين بجانبه كان “إكسير” الحياة اللي بيضخ العافية في عروقه. بمجرد ما سمح له الدكتور بالخروج، كان طارق واقف على رجله، بيسند على كتف نرمين اللي كانت بتتحرك معاه كأنها جزء من روحه.
​في الطريق للبيت، طارق كان باصص من شباك العربية، ملامحه هادية بس عيونه كانت بتفكر في شيء أعمق. نرمين مسكت إيده وقالت بهدوء: “أنا عارفة اللي بتفكر فيه.. أنت عايز تهرب بيهم من هنا، صح؟”
​طارق لف لها وبص في عينيها: “مش هروب يا نرمين، ده إعادة ترتيب. أنا محتاج مكان مفيش فيه ريحة رصاص ولا وجع مستشفيات.. محتاج مكان ألملم فيه شتات نفسي وأرجع أكون طارق اللي أنتي تعرفيه، طارق اللي مبيخافش على عيلته.”
​في اللحظة دي، تليفونه رن، كان الشاذلي بيه. طارق فتح السبيكر، وصوت أبوه القوي والدافئ وصلهم: “يا طارق يا ابني، أنا عارف إنك بتفكر في ده.. مش عايزك ترجع البيت ولا تقرب من مكاتب الشركة. أنا جهزتلك الفيلا بتاعتك اللي في الغردقة، الفيلا دي حصن، بعيدة عن أي حد، ومحدش يعرف مكانها غيري أنا. كل حاجة مجهزة ليك ولنرمين ويوسف، وفي فرقة حراسة خاصة من أقوى رجالتي موجودين هناك عشان يأمنوا المكان 24 ساعة. روح هناك، كمل علاجك، وخد وقتك في الاستشفاء.. الغردقة هي المكان الوحيد اللي هتقدر فيه تلاقي هدوءك.”
​طارق حس براحة لأول مرة: “شكراً يا والدي.. أنا محتاج ده فعلاً.”
​نرمين بصت لطارق والابتسامة رجعت لوشها: “الغردقة؟ البحر والشمس؟ ده أحلى قرار خدناه.”
………
انجى الخطيب

​في نفس اللحظة، طارق ونرمين ويوسف كانوا بيتحركوا في موكب تأمين سري للمطار. الموكب كان ماشي بخطة محكمة، الحراس كانوا في كل مكان، والسرية كانت مفروضة على كل خطوة. بمجرد ما طارت الطيارة الخاصة بيهم، طارق حس إن قيود الماضي بدأت تتفكك.
​لما وصلوا للغردقة، الفيلا كانت قطعة من الجنة. مبنية على صخرة بتطل على البحر الأحمر مباشرة، المكان كان هدوءه بيغني للروح. بمجرد ما دخلوا، الحراس انتشروا في كل زاوية، والفيلا اتحولت لقلعة بتبص على الزرقة الصافية.
​طارق دخل الأوضة الرئيسية، قعد على الكرسي المطل على البحر، وخد نفس عميق، الهوا كان مليان ريحة ملح ورطوبة بحر منعشة. نرمين دخلت عليه، حطت إيدها على كتفه، وبصت معاه للبحر: “الوعد ده، وعد السكينة.. مفيش صراعات، مفيش فريدة، مفيش أدهم، مفيش غيرنا إحنا وبس
​طارق مسك إيدها، وباس كفها بامتنان: “هنا، بعيد عن العالم، هقدر أرجع أكون السند اللي أنتي تستاهليه يا نرمين. هتعالج، وهسترد صحتي، وهنربي يوسف بعيد عن ضجيج الانتقام. هنا بس، طارق الشاذلي هيبدأ حياته الحقيقية.”
​نرمين سندت راسها على كتفه، ويوسف كان نايم في أوضته، والهدوء كان بيغلف الفيلا. في اللحظة دي، طارق حس لأول مرة إن “الخسارة” الحقيقية كانت هتكون لو كان استسلم للموت، لأن الحياة في حضن نرمين، حتى لو كانت بعيدة ومخبية، هي الثروة الحقيقية اللي مفيش “أدهم” ولا غيره يقدر يقدر تمنها.
​طارق غمض عينه وهو بيسمع صوت الموج، وهمس: “بداية جديدة يا نرمين.. بداية مفيش فيها غيرنا.”
انجى الخطيب
​من أول يوم، طارق قرر إنه يقفل صفحة “طارق الشاذلي رجل الأعمال والانتقام” ويفتح صفحة “طارق الزوج والأب”.
​كان بيقضي يومه في الهدوء، بيمشي على الشط مع نرمين وقت الشروق، بيحاول يستعيد عافيته. نرمين كانت هي السند، كانت بتغير له على جروحه بحنان ينسيه ألمه، وبتحضر له أكله المفضل، وكانوا بيقضوا سهراتهم في التراس، بيشوفوا يوسف وهو بيحاول يمشي خطواته الأولى على الرمل.
​في ليلة من الليالي، كان الجو ساحر، النجوم منورة السما والبحر هادي. طارق كان قاعد على كرسي مريح، ونرمين قعدت قدامه، مسكت إيده وقالت بهمس: “عارف يا طارق؟ أنا ساعات بقرص نفسي عشان أتأكد إني مش في حلم. بعد كل اللي شوفناه، إحنا هنا.. سوا.”
​طارق سحبها قعدها جنبه على الكرسي، وضمها لحضنه: “ده مش حلم يا نرمين.. ده الواقع اللي كنت بحارب عشان أوصل له. كل ضربة جرح أخدتها، كانت تمن عشان اللحظة دي.. لحظة السكينة معاكي.”
​نرمين لفت إيديها حوالين رقبته وبصت في عينيه: “أنا مش عايزة أكتر من كدة. عايزة يوسف يكبر قدامنا، وعايزاك أنت دايماً جنبي، من غير ما أخاف إن تليفونك يرن بمصيبة جديدة.”
​طارق ابتسم بصدق، لأول مرة كانت ابتسامته صافية تماماً من غير أي غموض: “أوعدك، حياتنا من النهاردة ملك لينا. الشغل، الصفقات، حتى العداوات.. كلها بقت في الماضي. دلوقتي أنا طارق بتاعك وبس.”
​في الجنينة برة، كان حراس الشاذلي بيه واقفين في صمت، بيراقبوا المكان بدقة، مش بس بيحموا الفيلا، دول كانوا بيضمنوا إن مفيش “ذرة قلق” توصل لطارق أو نرمين. الشاذلي بيه كان مدي تعليمات بإن الفيلا تكون “قلعة”، بس قلعة مريحة وهادية.
​يوسف كان نايم في أوضته، وطارق ونرمين لوحدهم في اللحظة دي. طارق قام وقف بصعوبة بسيطة، مسك إيد نرمين وقامها، وشغل موسيقى هادية جداً على الموبايل، وبدأ يرقص معاها رقصة بطيئة على صوت أمواج البحر.
​نرمين كانت غرقانة في عينيه، ورقصوا وكأن مفيش عالم تاني غير التراس ده. طارق قرب منها وهمس في ودنها: “بحبك يا نرمين.. أكتر ما كنت متخيل إني ممكن أحب حد في حياتي.”
​نرمين ردت عليه وهي بتحط راسها على صدره: “وأنا بعشقك.. أنت مش بس جوزي، أنت الحياة اللي رجعت لي.”
​كانت ليلة هادية، ليلة بداية جديدة، حيث الملح كان في البحر بس، والدموع كانت دموع فرح، والوحيد اللي كان بيطارد طارق دلوقتي هو ضحكات يوسف اللي بدأت تصحى من النوم وتناديهم. طارق ونرمين سابوا كل حاجة وراهم، ولقوا في حضن بعض الأمان اللي كانوا بيدوروا عليه طول العمر.
يتبببع
استنوني في البارت الرابع بحبكوا ااااد كداااا
انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *