صحاب بنتي
صحاب بنتي عملولها حفلة التخرج جوه أوضة المستشفى لأنها ماقدرتش تحضر بسبب سر-طان الدم… لكن واحد منهم سلّمني ظرف وقال: “هي مخبية عنك حاجة بشعة.”
بنتي مريم اتشخصت بسرطان الدم من ست شهور.
الدنيا اسودّت في عيني.
رغم إن جلسات الكيماوي كانت مرهقة جدًا، كانت مريم طول الوقت متمسكة بالأمل إنها هتلحق تحضر حفلة التخرج بتاعتها. كانت بتحلم بالليلة دي من وهي في ابتدائي.
لكن كل ما اليوم كان بيقرب، صحتها كانت بتتعب أكتر.
وقبل الحفلة بيومين، دخلت مستشفى 57357 بعد ما حالتها ساءت.
تاني يوم حسّت بتحسن بسيط، لكن الدكاترة رفضوا تمامًا إنها تخرج من أوضة المستشفى.
كنت شايف الحزن في عينيها.
قعدت اليوم كله جنب سريرها، أحاول أضحكها وأهوّن عليها.
وبالليل، واحدة من الممرضات طلبت مني أخرج معاها دقيقة برا الأوضة.
أول ما خرجت…
اتجمدت مكاني.
صحاب مريم في المدرسة كانوا واقفين في طرقة المستشفى، لابسين بدل وفساتين، وشايلين بلونات، وبيتزا، وعصاير، وحتى سماعة صغيرة.
عرفت بعدها إنهم كانوا متفقين مع الدكتور من قبلها، وعملوا مفاجأة لمريم… حفلة تخرج صغيرة جوه أوضة المستشفى.
أنا ماكنتش أعرف أي حاجة.
أول ما دخلوا الأوضة، مريم انفجرت في العياط.
شغّلوا الأغاني، وأكلوا سوا، وضحكوا، ولأول مرة من شهور شفت بنتي بتبتسم من قلبها.
خرجت أقف برا شوية علشان أسيبهم مع بعض.
بعدها بلحظات، أحمد، واحد من زمايلها، خرج ورايا.
كنت لسه هحضنه وأشكره على اللي عملوه.
لكنه رجع خطوة لورا وقال بصوت متردد:
“يا مدام… حضرتك عارفة إحنا جينا هنا بجد ليه؟”
بصيتله باستغراب وقلت:
“أكيد… علشان تعملوا لمريم حفلة التخرج.”
هز راسه بالنفي.
طلع ظرف من جيبه وناولهولي، وقال:
“لأ… أنا آسف، بس لازم تعرفي الحقيقة. افتحي الظرف… فيه حاجة لازم تعرفيها عن مريم.”
إيدي بدأت ترتعش وأنا بفتح الظرف.
وأول ما شفت اللي جواه…
حسيت الدنيا بتلف بيا.
قعدت بسرعة على أقرب كرسي في طرقة المستشفى، وأنا مش قادرة أستوعب اللي قدامي.
ومن غير ما أحس، صرخت بأعلى صوتي:
“إزاي مريم تعمل فيا كده؟!”
بعد ما صرخت، أحمد اتوتر وقال بسرعة:
“يا مدام… بالله عليكي كملي الأول. متحكميش عليها من أول ورقة.”
بصيت تاني جوه الظرف.
كان فيه عشرات الإيصالات البنكية، وصور لتحويلات على تطبيق “إنستاباي”، ومعاهم ورقة صغيرة بخط إيد مريم.
فتحت الورقة وأنا إيدي بتترعش.
كان مكتوب فيها:
“يا ماما… لو بتقري الرسالة دي، يبقى أحمد اضطر يقولك الحقيقة. أنا آسفة إني خبيت عليكي، بس كنت عارفة إنك هترفضي.”
حسيت قلبي هيقف.
كملت قراية.
“أنا من أول ما دخلت المستشفى وأنا بلاقي أطفال كتير أهلهم مش قادرين يشتروا العلاج أو حتى لعب صغيرة تفرحهم. كنت بشوفهم بيعيطوا كل يوم.”
ابتديت أفهم شوية…
لكن لسه الإيصالات قدامي.
سألت أحمد بحدة:
“الفلوس دي إيه؟”
رد وهو باصص في الأرض:
“دي فلوس كانت مريم بتبعتها.”
شهقت.
“فلوس إيه؟! هي معاها فلوس منين؟”
قال:
“كانت بتبيع كل الهدايا اللي الناس بعتها لها على الإنترنت… اللاب توب، الساعة، الموبايل القديم، وحتى السلسلة الدهب اللي حضرتك جبتيهالها في عيد ميلادها.”
حطيت إيدي على بقي.
السلسلة دي كانت آخر حاجة سابها أبوها الله يرحمه.
افتكرتها ضاعت.
لكن هي كانت باعتها.
دموعي نزلت وأنا بقول:
“ليه؟ ليه تعمل كده؟”
أحمد طلع موبايله ووراني صور.
مريم وهي قاعدة مع طفل صغير في قسم الأورام، بتديله لعبة جديدة.
صورة تانية وهي بتدفع تمن علاج لطفلة.
صورة تالتة وهي بتشتري كراسات وألوان للأطفال اللي بيقعدوا شهور في المستشفى.
قال أحمد:
“هي كانت دايمًا تقول… لو أنا هتعب، يبقى على الأقل حد تاني يفرح.”
فضلت أبكي.
لكن لسه كان فيه ورقة تانية.
فتحتها.
كان فيها كشف بكل الفلوس اللي اتبرعت بيها.
المبلغ كان كبير جدًا.
أكتر من مئتين ألف جنيه.
بصيت لأحمد بصدمة.
“إزاي قدرت تجمع كل ده؟”
ابتسم ابتسامة بسيطة وقال:
“إحنا كلنا ساعدناها.”
“إحنا عملنا حملة في المدرسة، والمدرسين شاركوا، وأهالي الطلبة كمان. لكن مريم رفضت يتحط اسمها. كانت بتقول إن الخير لازم يفضل مستخبي.”
في اللحظة دي، خرج الدكتور من أوضة مريم.
ابتسم وهو بيقول:
“هو واضح إنكم عرفتوا.”
سألته باستغراب:
“حضرتك كنت عارف؟”
قال:
“طبعًا. مريم كانت بتستأذن إدارة المستشفى كل مرة تساعد فيها طفل. عمرها ما طلبت حاجة لنفسها… كانت كل طلباتها للمرضى التانيين.”
رجعت بصيت على باب أوضة بنتي.
كانت بتضحك مع أصحابها، كأنها نسيت وجعها كله.
دخلت بهدوء.
حضنتها بقوة.
استغربت وقالت:
“فيه إيه يا ماما؟”
بكيت وأنا بقول:
“سامحيني… افتكرت إنك عاملة حاجة وحشة.”
ابتسمت وهي تمسح دموعي وقالت:
“أنا خبيت علشان ما تزعليش إني بعت حاجاتي.”
حضنتها أكتر، وقلت:
“إنتِ أغنى إنسانة قابلتها في حياتي… مش بالفلوس، لكن بقلبك.”
وساعتها، كل اللي كانوا في الأوضة وقفوا يسقفوا.
أما أنا…
فأدركت إن بنتي، رغم مرضها، كانت أقوى وأحن من ناس كتير بصحتهم الكاملة.
مرت ثلاث سنوات…
ومريم دخلت كلية الطب في جامعة القاهرة.
ناس كتير استغربوا اختيارها.
لكن أنا ما استغربتش.
من يوم مرضها، وأنا عارفة إن قلبها اتخلق علشان يخفف وجع الناس.
في أول يوم تدريب ليها في المستشفى، وقفت قدام قسم أورام الأطفال.
فضلت ساكتة كام دقيقة.
نفس الريحة.
نفس الممرات.
حتى نفس الممرضة اللي كانت بتيجي كل ليلة تطمن عليها كانت لسه شغالة.
أول ما شافتها، حضنتها وهي بتعيط.
وقالت لها:
“أنا كنت مستنية اليوم ده.”
مريم ابتسمت وقالت:
“أنا وعدت نفسي إني هرجع… بس المرة دي وأنا اللي هساعد.”
بدأت تنزل كل أسبوع تزور الأطفال.
مش كدكتورة بس…
لكن كواحدة فاهمة هم بيمروا بإيه.
كانت تقعد تلعب معاهم، وترسم، وتحكيلهم إن العلاج صعب… لكنه مش نهاية الحكاية.
وفي يوم، وهي ماشية في الطرقة، شافت بنت صغيرة قاعدة لوحدها، وشها كله خوف.
قعدت جنبها وقالت:
“اسمك إيه؟”
البنت همست:
“جنى.”
قالت لها:
“عارفة؟ أنا كنت قاعدة على نفس الكرسي ده من كام سنة.”
البنت بصتلها باستغراب.
“بجد؟”
مريم رفعت كم البلوزة، وورّتها آثار الإبر القديمة في دراعها.
وقالت:
“دي ذكريات الحرب اللي كسبتها.”
لأول مرة، جنى ابتسمت.
بعدها بشهور، إدارة المستشفى عملت احتفال كبير.
كانوا هيكرموا ناس ساهموا في دعم الأطفال المرضى.
المفاجأة إن أول اسم أعلنوا عنه كان:
“الدكتورة مريم…”
طلعت على المسرح وسط تصفيق طويل.
وأول حد نادت عليه كان أنا.
قالت قدام كل الناس:
“لو أمي استسلمت أول يوم، أنا ماكنتش هكون واقفة هنا.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
ثم نادت على أحمد.
كان لسه موجود في حياتها…
واقف في أول صف، بيبتسم بنفس الابتسامة اللي شفتها يوم حفلة التخرج في المستشفى.
طلع جنبها.
قالت للحضور:
“في ناس بتنقذ حياة إنسان بعملية… وفي ناس بتنقذها بكلمة، أو بموقف، أو بإنهم يفضلوا موجودين وقت ما الكل يمشي.”
بصت لأحمد وقالت:
“وأنت كنت من الناس دي.”
بعد انتهاء الحفل، خرجنا سوا.
وقفت قدام باب المستشفى، وبصت للمبنى اللي كان شاهد على أصعب أيام عمرها.
ابتسمت وقالت لي:
“فاكرة يا ماما الليلة اللي كنتِ فاكرة إني خنت ثقتك؟”
ضحكت وسط دموعي.
“أيوه… وطلعتي وقتها بتخبّي أكبر عمل خير.”
ردت وهي تبص على الأطفال اللي بيلعبوا في الحديقة:
“ساعات أحسن الحاجات اللي بنعملها… هي اللي محدش يعرف عنها حاجة.”
وقتها أدركت أن المرض كان فصلًا مؤلمًا في حياتها، لكنه لم يكن نهاية القصة.
كان مجرد البداية.
بعد عدة سنوات…
كانت مريم بقت دكتورة مقيمة في قسم أورام الأطفال.
وفي كل دفعة جديدة من الأطباء، كانت إدارة المستشفى تطلب منها تحكي قصتها.
لكنها كانت دايمًا ترفض.
وتقول:
“البطل الحقيقي مش أنا… البطل هو كل طفل بيصحى كل يوم ويقرر يكمل العلاج رغم الوجع.”
وفي صباح شتوي هادي، دخلت عليها ممرضة وقالت:
“في حالة جديدة… ولد عنده تسع سنين، ورافض يتكلم مع أي حد.”
دخلت مريم الأوضة.
الولد كان باصص للشباك وساكت.
قالت له بابتسامة:
“أنا الدكتورة مريم.”
من غير ما يبصلها قال:
“أنا هموت.”
الكلمة دي رجعتها سنين لورا…
رجعتها لأول ليلة سمعت فيها نفس الجملة من طفل كان نايم في السرير اللي جنبها.
قربت منه وقالت بهدوء:
“هو مين قالك كده؟”
رد بعصبية:
“كل الناس بتبصلي كأني خلاص.”
ابتسمت، وسحبت كرسي وقعدت جنبه.
طلعت من جيب بالطوها صورة قديمة.
الصورة كانت ليها…
وهي في نفس سنه تقريبًا، وشعرها واقع بسبب الكيماوي، وعلى راسها تاج “ملكة الحفلة” اللي أصحابها جابوهولها في المستشفى.
ناولته الصورة.
فضل يبصلها شوية.
وبعدين رفع عينه وقال باستغراب:
“دي… إنتِ؟”
ضحكت.
“أيوه.”
“يعني… كان عندك سرطان؟”
“أيوه.”
“وخفيتي؟”
هزت راسها بابتسامة.
الولد سكت ثواني…
وبعدين لأول مرة من ساعة دخوله المستشفى، قال:
“طيب… ممكن أنا كمان أخف؟”
حست مريم إن قلبها اتقبض.
مسكت إيده وقالت:
“هنعمل كل اللي نقدر عليه… وأنا هكون معاك خطوة بخطوة.”
خرجت من الأوضة وهي دموعها في عينيها.
في آخر اليوم، وهي راجعة بيتها، لقت ظرف صغير محطوط على مكتبها.
ابتسمت أول ما شافته.
الظرف فكرها بظرف أحمد من سنين.
فتحته.
كان جواه جواب مكتوب بخط صغير:
“الدكتورة مريم… يمكن حضرتك مش فاكراني. أنا جنى… البنت اللي كنتِ أول واحدة تضحكها بعد ما عرفت إنها مريضة. النهارده أنا خفيت، ودخلت كلية التمريض. واخترت نفس المستشفى… علشان أبقى زيك. شكرًا إنك أنقذتيني… حتى من غير ما تحسي.”
مريم حضنت الجواب وهي بتبكي.
وفي اللحظة دي، فهمت إن الخير عمره ما بيقف عند الشخص اللي بيعمله.
كل موقف رحمة…
بيولد موقف تاني.
وكل كلمة أمل…
بتنقذ روح يمكن عمرنا ما نعرف عنها حاجة.
ولما رجعت البيت، فتحت درج قديم كانت محتفظة فيه بتاج حفلة التخرج، والجاب الأصلي اللي أحمد اداهولها.
ابتسمت وهي قريته من جديد.
ثم همست لنفسها:
“الليلة دي ما كانتش مجرد حفلة…
كانت الليلة اللي غيرت حياتي للأبد.”
تمت.