ابن عمي اماني السيد الاخير

والمرة دي، شريط الماضي اتعرض قدام عينيه في ثانية؛ افتكر شكل “نهى” وهي بتعيط ونفس الاتهامات ونفس الصريخ. عرف إن السيناريو بيتكرر، وإن أمه مش هتهدى غير لما تكسر أي ست تدخل حياته.

حسن خد نفس طويل، وهدي خالص، وقرب من هند ومسك إيدها قدام أمه. وبص للحاجة فاطمة وقال بصوت ثابت ومسمع الدوار كله: “الغوايش منقصتش يا أمي.. الغوايش أنا اللي خدتها الأسبوع اللي فات وبعتها في السوق عشان كنت محتاج سيولة للبضاعة الجديدة، ونسيت أقولك.”

الحاجة فاطمة بقها اتفتح من الصدمة، ولونها خطف: “أنت بتقول إيه يا حسن؟ بتغطي عليها؟”

حسن قال وهو واخد هند في حضنه ونازلين على السلم: “مبغطيش على حد يا أمي، أنا بقول الحق. وهند مراتي، وكرامتها من كرامتي. ويالا يا هند عشان هنقعد في شقتنا التانية اللي جمب المحل، البيت هنا مبقاش يساعنا.”

هند بكت، بس المرة دي كانت دموع فرحة.. عرفت إن صبرها وثباتها وثقتها في حسن خلته المرة دي يختارها هي، ويقف في وش الدنيا كلها عشان يحمي “بيته الجديد”.

نزلوا السلم وحسن شادد على إيد هند كأنه خايف تهرب منه، أو كأنه بيستمد قوته من صوابعها اللي كانت بتترعش بس متتبتة في إيده. الحاجة فاطمة كانت واقفة فوق في الصالة، صوت صريخها وعتابها جايب آخر الشارع: “بتسيب بيت أبوك يا حسن؟ بتهج من حضن أمك عشان حتة بت؟ والله ما أنا مسامحاك!”

الكلمة قطعت في قلب حسن، بس المرة دي الوجع مكانش فيه تردد. نزلوا الشارع، والدنيا كانت ليل، الهوا بارد بس حسن كان حاسس بنار قايدة في صدره. وداها الشقة القديمة اللي فوق المحل، شقة كانت مقفولة من سنين، ترابها مغطي المكان، بس بالنسبة لهند كانت الجنة.

حسن قعد على أول كرسي قابله، حط راسه بين إيديه وبدأ كأنه بيكلم نفسه: “أنا عقيت أمي يا هند؟ ربنا هيحاسبني؟ أنا أول مرة أكسر كلامها.. بس المرة اللي فاتت لما سمعت كلامها، عشت شهور بموت بالبطيء. مكنتش قادر أظلمك انتي كمان.”

هند مقربتش منه علطول، سابته يهدى. راحت المطبخ، وبطبيعتها اللي اتعودت على الشقا، لقت شوية حطب ووَلعت بوتاجاز صغير، وعملت كوبايتين شاي. رجعت وقعدت على الأرض قدامه، حطت الصينية وقالت بصوت زي النسمة: “البر مش إنك تسيب أمك تظلم يا حسن. البر إنك تمنعها من الظلم عشان ربنا ما يحاسبهاش. انت ما عقيتش، انت حميت بيتك، وأمك بكرة تروق وتعرف إنك راجل وصاحب حق.”

حسن رفع راسه، بص للمكان حواليه وبصلها: “الشقة تراب يا هند، وأنا جايبك بهدومك.. مفيش لقمة ناكلها.”

هند ابتسمت، والضحكة لأول مرة تنور وشها كله: “التراب يتكنس في ساعة، واللقمة الحاف معاك بالدنيا. نام يا ولد عمي، والصباح رباح.”

تاني يوم، المحلة كلها كانت بتتكلم. “حسن الجبالي ساب الدوار وقعد في شقة المحل”. الكلام وصل لـ “نهى” طليقته، ووصل لمرات أبو هند اللي كانت هتموت من الغيظ إن البت المذلولة بقى ليها شقة باسمها وبقى جوزها بيقفل عليها باب لوحدها.

الحاجة فاطمة قاطعت حسن. مقت*لتش المحل، ومبقتش تنزل تشتري حاجة، وقالت لإخواته: “أخوكم مات بالنسبة لي لحد ما يجي يركع تحت رجلي ويطرد بت صابر.”

حسن كان بيروح المحل من النجمة، يشتغل بقلب وعزم مكنش فيه من سنين. الشغل بدأ يرد فيه الروح، والزبائن رجعوا، وكل أسبوع كان يدخل الشقة شايل في إيده حاجة؛ مرة طقم كاسات، مرة قماش للستاير، ومرة حتة دهب صغيرة لهند. هند كانت بتاخد الحاجة وتدعي له، وتعمل من الفسيخ شربات، الشقة بقت بتبرق، وريحة الخبيز والأكل البلدي بقت تملى السلم.

مرت ست شهور.. وفي يوم، حسن راجع من المحل المغربية، لقى هند قاعدة ومستنياه، وشها أصفر شوية بس عينيها فيها لمعة غريبة.

حسن اتخض وقرب منها: “مالك يا هند؟ تعبانة؟ نروح للحكيم؟”

هند مسكت إيده وحطتها على بطنها، وقالت بصوت بيترعش من الفرحة: “الحكيم مش هيعملي حاجة يا حسن.. الحكيم قالي إن فيه جبالي صغير جاي في السكة.”

حسن اتسمر في مكانه. الكلمة نزلت عليه خلت ركبه مش شايلاه. دمعة نزلت من عينه وهو مش مصدق.. ربنا بيرزقه بالولد اللي كان هيتحرم منه، ومن مين؟ من البنت اللي جابها مكسورة عشان يرضي أمه، فبقت هي السند وهي العوض.

الخبر لف البلد في ساعة. لما وصل للدوار، الحاجة فاطمة كانت قاعدة لوحدها، البيت فضي عليها بعد ما إخوات حسن كل واحد اتلهى في حاله. سمعت الخبر، والست الشديدة اللي من حديد، دموعها نزلت. حست إن الدنيا دارت، وإن ابنها اللي قست عليه، ربنا بيكرمه.

بعد يومين، الباب بتاع شقة حسن خبط. هند فتحت، لقت الحاجة فاطمة واقفة، شالها على راسها، وعينيها في الأرض، وبإيدها شيلة كبيرة فيها هدوم للبيبي الجديد وحاجة للبيت.

هند مبصتش وراها ولا افتكرت القسوة؛ نزلت على إيد الحاجة فاطمة بوستها وقالت: “يا مرحب ببركة البيت.. نورتي مطرحك يا حاجة.”

حسن طلع على الصوت، شاف أمه، وقف مكانه ونظرة العتاب في عينه تلاشت أول ما شاف دموع أمه. الحاجة فاطمة قربت منه، حضنته وقالت: “سامحني يا ولدي.. أنا اللي كنت هخرب بيتك بجهلي. مرتك أصيلة، وتصون الاسم والنسل.”

حسن بص لهند اللي كانت واقفة بعيد وبتعيط بفر حة، وعرف إن البنت اللي اختارها عشان “تسترها الدنيا”، هي اللي سترت بيته وحمت عيلته، وبقت هي سِيد الأسياد في قلبه وفي الدوار كله.

مرت الأيام والشهور، وبطن هند بدأت تِكبر، ومعاها كانت بتكبر الهيبة والمحبة في قلب حسن. الحاجة فاطمة مابقتش تقطع رجلها عن الشقة؛ كل يومين تلاتة تنزل من الدوار شايلا قفص فراخ بلدي، أو جرة سمنة، وتقعد جمب هند تقشر لها الفاكهة وتوصيها على نفسها: ” كلي يا بنتي، انتي شايلة حتة من قلب الغالي، مش عايزة الواد يطلع ضعيف.”

هند كانت بتقابل ده كله بأدب الصعيد وأصلها الطيب. عمرها ما فكرت تفكرها باللي فات، ولا قالت كلمة تخلي الست الكبيرة تحس بالذنب. كانت عارفة إن كسب القلوب بالصبر أضمن، وإن حسن بيكبر في عين نفسه كل ما بيشوف مراته بتصون أمه.

لحد ما جت ليلة من ليالي الشتا الواعرة، الهوا كان بيصفر برة والنطرة مغرقة الشوارع. هند حست بالوجع الشديد. قامت من جمب حسن وهي بتتلفت وكاتمة صرختها عشان ماتخضهوش، بس الوجع كان أسبق. مسكت في حرف السرير وصرخت: “يا حسن.. الحقني يا حسن.. الواد شكله مستعجل!”

حسن قام مفزوع، لبس جلبابه وفوقيه الشال وهو مش شايف قدامه. نزل في المطر يجري على بيت الداية وبيت دكتور الوحدة الصحية، وكلم أمه اللي جت تهرول في نص الليل وشالها على راسها وهي بتدعي: “يا رب قَوّمها بالسلامة، يا رب ارزقنا بـ “صابر” يملى علينا الدنيا.” (حسن كان حلف يسمى الولد صابر على اسم عمها الغلبان كنوع من رَد الجميل).

جوة الأوضة، الصريخ هدي فجأة.. وبداله طلع صوت بكا صغير، رفيع، بس ملى الشقة دفا ونور.

الدكتورة خرجت وهي مبتسمة وقالت: “مبروك يا حسن بيه، ولد زي الورد، يتربى في عزك.”

حسن دخل الأوضة وعينه مليانة دموع، بص لهند اللي كانت عرقانة ووشها دبلان بس ضحكتها منورة الدنيا. قرب منها وباس راسها وإيدها وقال وصوته بيتهدج: “حمد الله على سلامتك يا أم صابر.. حمد الله على سلامتك يا ست الستات.”

الحاجة فاطمة خدت الواد، لفته في شال حرير كشميري، وأذنت في ودنه، وبصت لحسن وقالت: “السبوع بكرة يا حسن، وهيدبح فيه تلات عجول في الدوار، والبلد كلها تاكل وتدعي لولد الجبالي.”

هند بصت لحسن وقالت بنبرة هادية فيها رجاء: “يا حاجة، الدوار دوارنا والخير خيركم.. بس أنا ليا طلب عندك وعند حسن.”

حسن قال علطول: “رقبتي ليكي يا هند، اطلبي.”

قالت: “أنا عايزة السبوع يبقى هنا، في شقتنا العتبة السعيدة اللي وشها كان خير علينا، والغلابة بتوع البلد وأهل أبويا هما اللي يقعدوا في صدر المكان ويوكلوا الأول.”

الحاجة فاطمة اتأثرت بكلامها، وعرفِت إن البت دي بتعلمها الأصول من أول وجديد، أصول الرحمة والعدل. وقالت: “اللي تقوليه يمشي يا بت الأصول، وكلمتك من هنا ورايح مش هتنزل الأرض واصل.”

يوم السبوع، الشارع كله كان منور بالأنوار، والحلقات والذكر شغالين تحت المحل. صابر الصغير كان يلف بين الإيدين، والكل فرحان لحسن اللي رجعت له هيبته وضحكته وسط تجار المحلة.

وفي وسط الزحمة، هند كانت واقفة في البلكونة تبص على جوزها وهو واقف تحت بيوزع اللحم والخير على الناس بوش بشوش. لقت مرات أبوها واقفة في ركن الشارع، بتبص لها بحسد وغل، بس هند المرة دي مبصتلهاش بزعل.. بصتلها بشفقة.

عرفت إن اللي بيصبر على جرحه ويرضى بنصيبه، ربنا بيبدله من بعد الخوف أمن، ومن بعد الضيق سعة. حسن طلع الشقة في وسط الهيصة، دخل البلكونة ووقف وراها، حط إيده على كتفها وبص في عينيها وقال: “بتفكري في إيه يا أم صابر؟”

لفت وبصت له وعينها بتلمع بالفرحة: “بفكر في كرم ربنا يا حسن.. وبفكر إن الباب اللي اتقفل في وشي زمان، ربنا فتح لي مكانه جنة.”

حسن شدد على إيدها وقال: “انتي الجنة يا هند.. وانتي اللي عمرتي البيت.”

وانتهت الحكاية والدوار ملى بالصوت والضحكة، والكل عرف إن البيوت مابتتبنيش بالمال والجاه، البيوت بتبنيها النفوس الطيبة والست الأصيلة اللي بتعرف تِصبر وتِصون.

 

ومرت السنين، وصابر الصغير مابقاش صغير، بقى يدب في الأرض، والبيت اللي كان مقفول بالتراب بقى مليان بحسه ولعبه. حسن وسع تجارته، وبقى اسمه يتردد في السوق كله بالأمانة والشطارة، وكل ما كان يكسب قرش، كان يدخل البيت يحطه في حجر هند ويقولها: “ده مالك يا أم صابر، انتي قدم السعد عليا.”

وفي يوم، وهند قاعدة بتطرز جلباب صغير لصابر، لقت حسن داخل من برة، وشه مخطوف وفيه علامة استفهام كبيرة. قعد جمبها وهز راسه وقالي بصوت واطي: “سبحان مغير الأحوال يا هند.. شوفت مين النهاردة في السوق؟”

هند حطت الشغل من إيدها وبصتله: “مين يا ولد عمي؟ خير؟”

حسن اتنهد وقال: “شوفت نهى.. طليقتي.”

هند قلبها دق دقة زيادة، بس ثبتت، ملامحها ماتغيرتش ولا ظهر عليها الغيرة، سألت بنبرة هادية: “جرالها إيه؟”

حسن قال وهو باصص في الأرض: “جوزها اللي اتجوزته بعدي طلع راجل قاسي، أكل حقها ورمى عليها اليمين بعد ما خد قرشينها اللي حيلتها، وراكبة قطار الفقر وراجعة بيت أبوها مكسورة. شوفتها واقفة تشتري قماش من محل جمبي، وعينها جت في عيني.. انكسفت وبصت في الأرض ومشيت قوام.”

حسن سكت، وكان بيختبر رد فعل هند.. كان عايز يشوف البنت اللي شالت معاه المر هتعمل إيه لما الماضي يرجع يظهر وهو ضعيف.

هند خدت نفس طويل، وقربت منه ومسكت إيده وقالت: “الدنيا دوارة يا حسن، واللي بيظلم بيتشرب من نفس الكأس. بس احنا ولاد أصول، والست دي في يوم من الأيام كانت مرتك وعلى ذمتك.. لو احتاجت مساعدة، أو أبوها ضاق بيه الحال، ابعتلهم من برة لبرة من غير ما حد يعرف إنك أنت، ستر الناس واجب، وربنا سترنا لما كنا محتاجين الستر.”

حسن بص لهند، وحس إن جبل من الاحترام بيكبر ليها في قلبه. قام وباس راسها وقال: “أنا كل يوم بكتشف إني اتجوزت الست الصح. ربنا يخليكي ليا ولبيتك.”

وفي نفس الليلة، الباب خبط، وكان محمود أخو حسن الكبير. دخل وعلامات الاستعجال على وشه: “الحق يا حسن، أُمك الحاجة فاطمة تعبانة قوي في الدوار، وبتنده عليك وعلى مرتك.”

حسن وهند جروا على الدوار. دخلوا الأوضة الكبيرة، لقوا الحاجة فاطمة نايمة على السرير، وشها دبلان، بس أول ما شافت هند، مدت إيدها المرتعشة ليها. هند جريت عليها وقعدت على ركبتها جمب السرير ومسكت إيدها: “سلامتك يا حاجة، ألف سلامة عليكي.”

الحاجة فاطمة بصت لحسن وقالت بصوت متهدج: “يا حسن.. أنا خلاص العمر بيودع، والواحد مش ضامن يقابل ربنا امتى. أنا ندهتلكوا عشان أقول الكلمة دي قدام أخوك الكبير وقدام ربنا.. هند دي يا حسن هي اللي صانتك وصانتني. أنا ظلمتها في الأول، بس هي قابلت ظلمي بالمعروف. أمانة عليك يا ولدي، شيلها في عيونك، وماتزعلهاش واصل، دي بركة بيت الجبالي.”

هند دمعت وبوّست إيد الحاجة فاطمة: “مسامحاكي يا أمي من زمان، انتي مقامك مقام أمي اللي اتحرمت منها، والبيت بيتك واحنا خدامينك.”

الحاجة فاطمة ابتسمت براحة، وغمضت عينيها وهي حاسة إنها مأمنة على ابنها وعلى عيلتها مع الست الصح.

البيوت بتميل، والمحن بتهز الحيطان، بس الأصل الطيب هو اللي بيسند السقف من الوقعان. هند ما كانتش مجرد جوازة سد خانة ولا خطوة لنسيان الماضي.. هند بقت هي الأساس، والعمود اللي اتبنى عليه كل فرحة دخلت حياة حسن الجبالي.

وبعد سنين، لما صابر بقى راجل واقف جمب أبوه في المحل، كان حسن دايماً يبص له ويقوله جملة واحدة حفظهاله: “يا بني، لما تيجي تتجوز، ما تنقيش اللي تسد عين الناس.. نقي اللي تسد معاك في الأيام الوعرة وتصون سرك، زي أمك.. ست الستات.”

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *