جوزى طيار حصرى
طول ١٢ سنة جواز، شريف عمره ما نسي يوم ذكرى جوازهم ولا مرة.
وعشان كده بالذات، رضوى كانت متأكدة إن المفاجأة اللي بتجهزها هتبقى أحلى ذكرى في حياتهم. شريف كان طيار بشركة مصر للطيران، وحياتهم كلها كانت متفصلة على مواعيد الطيران، والـتأخيرات، والتغيير اللي بيحصل في آخر لحظة. أعياد ميلادهم ممكن تتأجل، والإجازات ممكن تستنى، إلا يوم ذكرى جوازهم.. ده كان خط أحمر وحاجة مقدسة بالنسبة لهم.
عشان كده، لما شريف قال لها إنه نزل له جدول رحلة مسائية سريعة لـ شرم الشيخ في نفس يوم ذكرى جوازهم، كان باين عليه إنه زعلان ومتضايق بجد.
وقال لها وهو بيصالحها: “حاولت والله أبدل الشفت مع أي زميل معرفتش، هتموتني فكرة إني مش هكون معاكي الليلة دي يا رضوى”.
رضوى ابتسمت وعملت نفسها زعلانة ومتقمصة، بس في سرها، كانت في فكرة تانية خالص بتطبخها.
في الليلة دي، بعد ما شريف نام، دخلت على الأبلكيشن وحجزت تذكرة على نفس الرحلة!
تخيلت شكل وشه وصدمته لما يشوفها أول ما الطيارة تهبط في مطار شرم الشيخ؛ هتكون لابسة الفستان الأحمر القطيفة اللي بيعشقه، وتطلع له فجأة، ويحتفلوا بالليلة مع بعض هناك.
تاني يوم الصبح، رضوى ظبطت شعرها، وحطت ميك أب رقيق، ولبست الفستان. وفي مطار القاهرة، وهي داخلة من صالة ٣، لمحت شريف من بعيد ببدلة الطيران الكحلي بتاعته واقف جنب بوابات الصعود، فاستخبت بسرعة ورا عمود عشان ميكشفش المفاجأة.
ركبت الطيارة مع آخر الناس في الطابور، وقعدت في كرسيها رقم (14C)، وفضلت موطية راسها وعاملة نفسها مشغولة في الموبايل.
الطيارة بدأت تتحرك وتنسحب من الممر..
وفجأة، طلع صوت شريف المألوف جداً في سماعات الطيارة:
“سيداتى وسادتي، معاكم كابتن الرحلة شريف رمزي…”
رضوى ابتسمت بفخر، وقعدت مستنية الإعلان الروتيني بتاع الطقس ومدة الرحلة.
بس شريف سكت لحظة، وبعدين كمل وقال: “قبل ما نطلع للارتفاع المسموح، حابب أقول كلمة لشخص غالي ومميز جداً معايا على الطيارة الليلة دي”.
قلب رضوى قفز من مكانه، ولثانية واحدة مجنونة، افتكرت إنه قفشها وعرف بمفاجأتها.
بس شريف كمل وقال:
“للانجلينا الجميلة اللي قاعدة في الكرسي (15C)… إنتي كل حاجة في حياتي. ومبقتش قادر خبي مشاعري أكتر من كده. وقريب قوي، مش هنضطر نخبي أي حاجة تاني”.
الطيارة كلها اتقلبت سقفة وصافير وهيصة..
ورضوى اتسمرت في مكانها والدم نشف في عروقها…
لأنها مكنتش قاعدة في الكرسي (15C).
وشريف مكنش بيكلم مراته.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
رضوى فضلت قاعدة في مكانها مش قادرة تتحرك والطيارة بتقلع، وعقلها عمال يلف في ساقية وبيخترع مبررات..
يمكن دي مجرد هِزار؟ يمكن اللي قاعدة في كرسي (15C) دي تطلع قريبة له؟ يمكن كلمة “بحبك” دي طالعة بنية بريئة؟
بس جسمها وضربات قلبها السريعة كانوا عارفين الحقيقة المُرّة.
أول ما إشارة ربط الحزام اتطفت، قامت وعملت نفسها رايحة التواليت. وهي معدية على الصف ١٥، رمت عينها بطرف خفي على الكرسي.
البنت اللي قاعدة في كرسي (15C) كانت صغيرة في السن، بيضا، وملامحها جميلة جداً.
وكانت حاطة إيدها على بطنها اللي كان باين عليها بوضوح علامات الحمل!
رضوى رجليها شالتها بالعافية وكادت تقع..
دخلت التواليت وقفت الباب وراها وانهارت في عياط مكتوم عشان محدش يسمعها. الروج بتاعها كان لسه مظبوط، والفستان الأحمر القطيفة كان لسه شكله شيك.. بس الست اللي في المراية كانت شبه حد لبس واتشيك عشان يروح فرح، فلقى نفسه ماشي في جنازته.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
على ما الطيارة نزلت في مطار شرم الشيخ، كانت رضوى في حاجة جواها اطفأت تماماً، واتحولت لبرود وهدوء مرعب.
نزلت من الطيارة وفضلت ماشية ورا البنت الحامل في صالة المطار. البنت مأمتش ناحية سير الشنط، دي مشيت علطول في الممر المخصص لخروج أطقم الطيران والموظفين.
وبعد كام دقيقة، ظهر شريف.
وشه نور أول ما شافها..
وراح عليها علطول، وحط إيده على وسطها وباسها.
دي كانت اللحظة اللي رضوى فاقت فيها تماماً من أي وهم وصدمت نفسها بالواقع.
قدمت خطواتها، ومدت إيدها وخبطت على كتفه.
شريف أول ما لف وشفها، وشه اتخطف تماماً والدم هرب منه وبقى شبه الأموات.
رضوى قالت له بنبرة باردة: “كل سنة وإحنا طيبين.. ذكرى جواز سعيدة يا كابتن شريف”.
شريف بلع ريقه بصعوبة: “رضوى؟! إنتي.. إنتي إيه اللي جابك هنا؟!”
ردت: “جيت أعملك مفاجأة.. بس باين كده إني أنا اللي اتفاجئت”.
البنت التانية بصت لهم هما الاتنين، وقالت بنبرة عادية ومستفزة: “أه.. هي دي بقى الزوجة اللي قولت لي إنك خلاص هطلقها؟ هو إنت لسه مأعلنتهاش ومسلمتهاش الورق؟”
رضوى حست بآخر خيط بيتقطع في جوازها..
شريف مكنش مجرد بيخونها وبس..
ده كان مرتب ومخطط للنهاية من ورا ضهرها.
البنت كان اسمها (ياسمين)، وكانت عارفة كل حاجة.. عارفة إن شريف متجوز رضوى، وعارفة إنه كان مستني يوم ذكرى جوازهم يمر عشان يطلقها وميبانش في صورة الراجل القاسي قدام الناس.
شريف حاول يتكلم ويبرر: “رضوى، اسمعيني بس، الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة…” جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
رضوى رفعت إيدها في وشه وقطعت كلامه:
“ولا كلمة.. مفيش أي مبرر هيتسمع لمجرد إني قفشتك”.
وقفت في مكانها بكل كبرياء، قلعت دبلتها وخاتم جوازها، وحطتهم في كف إيده، وقفلت صوابعه عليهم وقالت:
“بيتك متعتبوش تاني.. ورق طلاقي يوصلي على بيت أهلي، وابعت لي رسالة قولي فيها عايزني أشحن لك هدومك وحاجتك على فين”.
وبعدين لفت وشها وبصت لـ ياسمين..
وقالت لها بهدوء قاتل: “مبروك عليكي.. خديه بقى خلاص، مبقاش فيه داعي للاستخبى”.
ودارت ضهرها ومشيت وسابتهم وسط ذهول شريف اللي مقدرش ينطق بحرف.
رضوى رجعت بيتها في القاهرة لوحدها في الليلة دي.
في الأول، مكنتش حاسة بأي حاجة غير فراغ وذهول تام. بس أول ما فتحت باب الشقة بعد نص الليل وشمّت ريحة برفان شريف اللي كانت لسه مالية المكان، انهارت تماماً.
وقفت في المطبخ، وهي لسه بالفستان الأحمر، وفضلت تعيط بحرقة لدرجة إنها حست إن نفسها بيتقطع.
تاني يوم الصبح، صحيت وعينها ورمة من العياط، بس كان جواها قرار حاسم لازم تاخده.
كان قدامها طريقين: إما تسيب خيانة شريف تحول حياتها لخرابة وضلمة، أو إنها تبدأ من جديد.
وفعلاً، رفعت سماعة التليفون وعملت تلات مكالمات:
الأولى كانت لأختها (منى)، اللي جت لها علطول ومعاها قهوة، وكمية غضب وقوة رضوى مكنتش تملكهم في اللحظة دي.
المكالمة التانية كانت لمحامي شاطر.
والمكالمة التالتة كانت لدكتورة نفسية.
بدأت رضوى ومنى يلموا كل حاجة تخص شريف. هدومه، جِزمه، كتبه، أدوات حلاقته، حتى الساعة الغالية اللي رضوى كانت جايباها له هدية في عيد جوازهم العاشر؛ كل حاجة اتأست في كرتون.
وهي بتفضي مكتبه، لقت ورق الطلاق جاهز.
الورق كان بتاريخ قبل المقابلة بتلات أيام.. وشريف كان ممضي عليه وجاهز!
الاكتشاف ده كان ممكن يكسرها تاني، بس بالعكس، ده خلى كل حاجة واضحة قدامها زي الشمس. الموضوع مكنش مجرد “غلطة” أو لحظة طيش، ده كان بيبني حياة سرية كاملة ومجهز نفسه ينهي جوازهم بمزاجه وعلى شروطه.
رضوى بعتت له رسالة واحدة على الواتساب:
“حاجتك كلها في كراتين في الجراج. المحامي بتاعي هيكلمك. رجلك عتبة البيت ده متمسهاش تاني.”
حاول يتصل بيها كتير، بس عملت له بلوك ومردتش.
قض//ية الطلاق أخدت كام شهر، بس رضوى مبصتش وراها ولا مرة. مكنش فيه خناقات، ولا عياط، ولا توسلات. كل حاجة خلصت بهدوء، إمضاءات، وورق رسمي، وتفكيك هادي لحياة كاملة عاشت سنين بتثق فيها.
بعد سنة.. رضوى مكنتش تعرف أي حاجة عن شريف وياسمين، ومكنش عندها أدنى رغبة إنها تعرف.
اتعلمت إن الشفاء مش معناه إنك تلاقي إجابات لكل الأسئلة، الشفاء معناه إنك ترفض تماماً تأذي نفسك وتضيع عمرك في محاولة فهم ناس ورّوك حقيقتهم القبيحة بوضوح.
الآن، رضوى كانت راكبة طيارة تانية خالص..
بس المرة دي، مكنتش لابسة فستان أحمر، ومكنتش بتجري ورا جوزها، ومكنتش مستنية شفقة أو حب من حد.
كانت لابسة جاكيت جينز مريح، فتحت اللاب توب بتاعها، وبدأت تكتب في الرواية اللي طالما حلمت تكتبها من سنين وطموحها اتأجل عشان الجواز.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
الجواز زمان كان مخليها مأجلة نفسها وطموحها.. أما دلوقتي، فوقت الانتظار انتهى.
والطيارة بترتفع فوق السحاب وبتخترق نور الشمس، رضوى بصت من الشباك وفهمت أخيراً حاجة مهمة:
عكس الوجع والكسرة مش إنك تلاقي شخص جديد يحبك.. العكس الحقيقي هو إنك تلاقي نفسك تاني.
شريف مدمّرهاش، هو بس كشف لها هي قد إيه سابت من عمرها وأحلامها مركونين على الرف.
ولأول مرة من سنين، رضوى مكنتش بتبص وراها على الشخص اللي معرفش يحبها ويصونها..
كانت بتبص قدامها، للمستقبل.. والعالم اللي مستنيها برة كان كفاية جداً ومرحب بيها.