عيال جوزى حكايات صافي هاني 2
نظرتُ إلى المحامي، كانت يده ترتجف وهو يمسك الورقة، وعيناه تائهتان بين السطور وبين ملامح وجهي التي تحولت إلى لوح من الثلج. جلال لم يرفع رأسه عن الأرض، كان يصدر منه صوت أنين مكتوم، كحيوان جُرح في مقتل وينتظر رصاصة الرحمة.
أما حازم، فكان يتقدم نحوي بخطوات ثقيلة، وعيناه تتسعان بذكاء شرير وصدمة أطاحت بكل ما تبقى من عقله، صرخ وعروق رقبته تنبض بشدة: “يعني طول السنين دي كنتِ بتذلينا بفلوسنا؟ كنتِ بتعملي فيها الست الشهمة الجدعة اللي بترموا لحمكم في حضنها وأنتِ واكلة ورثنا ونهبانا بالاتفاق مع أبويا؟!”
حاولت ليلى أن تقف، لكن ركبتيها لم تسعفاها، فسقطت على الكنبة وهي تضع يدها على فمها وتنظر إليّ برعب كأنها تراني لأول مرة.
التفتُّ إلى ولاء، كانت تقف ويدها في وسطها، وعلى وجهها ابتسامة نصر مشوهة، ابتسامة امرأة ظلت تُهزم لاثني عشر عاماً، ووجدت أخيراً الطعنة التي تسددها في قلبي وتنهي المعركة لصالحها.
قالت ولاء بنبرة تقطر سماً: “شفتي بقى يا ست كريمة؟ شفتي إن قعدة البيت والطبخ والنفخ ودور الأم المثالية كان متغطي بفلوس الراجل ده؟ أنتِ مكنتيش بتصرفي من جيبك.. أنتِ كنتِ بتديري غسيل أموال ونصب عقاري باسمك، وعشان كده كنتِ مستحملة الذل وقاعدة! الورقة دي ‘إقرار تنازل وإثبات صورية’ ممضي ومبصوم من جلال ومنك أنتِ كمان يا حلوة يوم ما نقلتوا العقارات دي قبل القض..
ية بتاعتي القديمة.. يعني تزوير رسمي في أوراق رسمية.”
المحامي اقترب مني وهمس بصوت خفيض جداً وهو يداري الورقة: “مدام كريمة.. الكلام ده حقيقي؟ الإمضاء دي بتاعتك؟ لو الورقة دي راحت النيابة، إحنا بندخل في جناية تزوير ونصب.. دي فيها سجن مش أقل من سبع سنين!”
شعرتُ بجفاف شديد في حلقي. نظرتُ إلى جلال الذي زحف على ركبتيه حرفياً حتى وصل إلى قدمي ولاء، وأمسك بطرف عباءتها وقال بصوت مكسور ذليل: “بلاش يا ولاء.. بلاش ونبي.. أنا هعملك كل اللي أنتِ عايزاه.. العيال ملهمش ذنب يشوفوا أبوهم في السجن.. وكريمة ملهاش ذنب، أنا اللي طلبت منها تمضي عشان أحمي البيت من الحجز!”
حازم دفع أباه بعيداً بقرف وصرخ فيه: “سيبها يا بابا! خليهم يتسجنوا.. خليهم يدفعوا ثمن السنين اللي عشناها وإحنا فاكرين نفسنا شحاتين على باب الست دي!”
ثم التفت حازم إليّ، واقترب حتى صارت المسافة بيننا سنتيمترات قليلة، وقال وعيناه تشتعلان بالغل: “قدامك أربع وعشرين ساعة يا كريمة.. ترجعي كل مليم اتسحب من الحسابات، وتدفعي قسط العربية والكلية، وتكتبي إقرار وتنازل عن كل شبر في الفيلا دي والشركات ليا أنا وأختي.. يا إما وقسمًا بالله، أنا اللي هبلغ عنك وعن أبويا بإيدي دي، وهرميكي في السجن مطرح ما تستحقي.”
ولاء ضحكت بصوت عالٍ وهي تأخذ حقيبتها وتستعد للخروج: “يلا يا ليلى.. يلا يا حازم، سيبوا الست الطيبة تفكر في العرض.. يا الدفع والذل ورجوعك تحت جزمتهم.. يا ليمان طرة والبدلة البيضا!”
خرجت ولاء ومعها ليلى وحازم الذي رزع الباب خلفه بقوة هزت أركان الفيلا، تاركين خلفهم صمتاً مرعباً، وجلال جث..ة هامدة على الأرض، والمحامي ينظر إليّ وينتظر كلمة واحدة.
نظرتُ إلى يدي التي كانت ترتجف، ثم نظرتُ إلى الورقة المتروكة على الطاولة.. وفجأة، تحولت رجفتي إلى هدوء غريب. ابتسمتُ ابتسامة بطيئة، والتفتُّ للمحامي وقلت له بنبرة جعلته يتراجع خطوة للخلف من فرط برودها: “اجمع لي كل الأوراق دي يا متر.. وخليهم يبلغوا.”
برق المحامي عيناه بصدمة: “أنتِ بتقولي إيه يا مدام كريمة؟! بقولك سجن وتزوير!”
نظرتُ إلى جلال الملقى على الأرض وقلت بصوت مسموع: “خليهم يبلغوا.. عشان هما فاكرين إن دي الورقة الوحيدة اللي في اللعبة.. لكن هما ميعرفوش إن جلال من سبع سنين كتب لي الورقة دي تحت التهديد، وأنا في نفس السنة، حطيت حقي وحق فلوسي في مكان تاني خالص.. مكان هيخليهم يتمنوا السجن ولا اللي هيحصل فيهم الساعات الجاية.”
بص لي المحامي طارق وهو يبلع ريقه بصعوبة، ونظراته تتنقل بيني وبين جلال الذي رفع رأسه من على الأرض ببطء، وعيناه مليئتان بالرعب كأنه يرى أمامه شبحاً وليس الزوجة التي عاش معها اثني عشر عاماً.
قال جلال بصوت متقطع، يخرج من حنجرته كحشرجة الموت: “قصدك إيه يا كريمة؟ ورقة إيه اللي من سبع سنين؟”
جلستُ على الكرسي المقابل له بكل هدوء، وضعت ساقاً فوق الأخرى، ونظرت إليه نظرة باردة كالثلج، وقلت: “لما شغلك وقع من سبع سنين، والبنك كان هيحجز على كل حاجة، أنا طلعت تحويشة عمري وورثي عشان أسدد ديونك. وقتها أنت قلت لي ‘اكتبي الفيلا والشركات باسمك عشان نحميهم من البنك ومن ولاء’.. وأنا وافقت. بس اللي أنت متعرفهوش، واللي مكنتش متخيلة إني هحتاج أستخدمه في يوم من الأيام، إني قبل ما أوافق على البيع الصوري ده، خليتك تمضي على شيكات وإيصالات أمانة بكل مليم دفعتهولك.. شيكات متوثقة وعليها صحة توقيع في المحكمة.”
جلال اتسعت عيناه بصدمة وصرخ: “شيكات إيه؟! أنا عمري ما مضيت لك على حاجة!”
ابتسمت بسخرية: “مضيت يا جلال.. وسط ورق القروض وتسويات البنوك اللي كنت بتوقع عليه وأنت أعمى ومش شايف قدامك من الخوف. مضيت على مديونية قيمتها وقتها كانت 5 مليون جنيه.. والنهارده، بالفوائد القانونية وغرامات التأخير، معدية الـ 15 مليون.”
التفتُّ إلى طارق المحامي الذي بدأت ملامحه تنفرج عن ابتسامة انتصار خفية، وأكملت كلامي: “عارف ده معناه إيه يا طارق؟ معناه إن لو حازم أو ولاء قدموا الورقة اللي معاهم للنيابة عشان يثبتوا إن البيع صوري وإن الأملاك دي بتاعة جلال.. المحكمة هتلغي البيع فعلاً، والأملاك هترجع باسم جلال.. وفي نفس الدقيقة، أنا هرفع الشيكات اللي معايا. وبما إن جلال مبقاش مفلس والأملاك رجعت باسمه، المحكمة هتحجز على الفيلا والشركات لصالحي لسداد المديونية، ده غير إن جلال هيتسجن بتهمة إصدار شيكات بدون رصيد لأن قيمة الأملاك متغطيش نص المديونية اللي عليه ليا.”
سقط جلال على الأرض مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن يبكي، بل كان يلطم على وجهه كالمجنون وهو يتمتم: “خربت.. بيتي اتخرب.. العيال ضيعوني وضيعوا نفسهم.”
وقفت على حيلي، ونظرت له من أعلى باحتقار لم أكن أعرف أنني أمتلكه: “العيال مضيعوكش يا جلال.. أنت اللي ضيعت نفسك لما سبتهم يمسحوا بكرامتي الأرض وأنت قاعد تتفرج وتعمل نفسك مش واخد بالك. أنا كنت مستعدة أقطع الورق ده وأرميه في النار، وكنت هكمل معاكم عمري كله خدامة تحت رجليكم بس بحب ورضا.. لو كنت لقيت منكم ذرة تقدير.”
أشرت للمحامي: “لم ورقك يا طارق.. ويوم الأحد الصبح ترفع دعوى الحجز التنفيذي بالشيكات اللي معاك. خليهم يروحوا يبلغوا براحتهم.. خليهم يثبتوا إن الأملاك بتاعة أبوهم عشان أقدر أحجز عليها وأرميه في السجن قانوني.”
استدار طارق وهو يجمع أوراقه بحماس، بينما زحف جلال نحوي ليمسك بقدمي وهو يصرخ: “أبوس إيدك يا كريمة! ارحميني.. أنا ماليش ذنب.. ولاء هي اللي شيطنت العيال.. أنا مليش دعوة!”
سحبت قدمي منه بقوة، وقلت بنبرة كحد السيف: “فات الميعاد يا جلال. بلغ ولادك إن لو الفلوس اللي اتصرفت عليهم في الأسبوعين اللي فاتوا من حساباتي مرجعتش لحد آخر قرش، أنا مش بس هحجز على الفيلا.. أنا هرميهم في الشارع بهدومهم.”
تخطيت جلال الملقى على الأرض، وخرجت من باب الفيلا. تنفست هواء التجمع البارد لأول مرة كأنني أستنشق حريتي. ركبت سيارتي، وأنا أعلم جيداً أن القنبلة التي تركتها خلفي ستنفجر في وجه ولاء وحازم وليلى بمجرد أن يخبرهم جلال بالحقيقة.. وأن دور “الأم البديلة” قد انتهى، ليبدأ دور “الدائنة” التي لا ترحم.
لم تمر سوى ثلاث ساعات على خروجي من الفيلا، حتى بدأ الجحيم المستعر يلتهم هواتفهم. كنت قد عدت إلى شقتي في مصر الجديدة، جلست على مقعدي الخشبي القديم أراقب شاشة الهاتف وهي تضيء دون توقف.
بدأ الأمر بـ ٢٧ مكالمة فائتة من حازم، تلتها رسائل نصية قصيرة بدأت بتهديدات عنيفة: “أنتِ فاكرة نفسك هربتِ؟ المحامي بتاعنا شغال في البلاغ”، ثم تحولت الرسائل بعد ساعة واحدة إلى نبرة أخرى تماماً بعدما عاد إلى الفيلا وصدمه أبوه بالحقيقة. أرسل حازم: “أرجوكِ ردي يا طنط كريمة.. بابا في المستشفى وضغطه عالي.. عايزين نفهم في إيه؟”.
لم أمنحهم رفاهية الرد. تركتهم يتخبطون في رعبهم.
وفي تمام الساعة العاشرة مساءً، سمعت طرقات عنيفة على باب شقتي. لم تكن طرقات غريب، كانت خبطات يائسة لشخص يغرق. فتحتُ الباب ببرود شديد، لأجد حازم وولاء يقفان أمام الصالة، وخلفهما ليلى التي كانت تبكي بصوت مسموع ووجهها شاحب كالموتى.
تنحتُ جانباً وأشرت لهم بالدخول دون أن أنطق بكلمة.
دخل حازم بخطوات منكسرة، طأطأ رأسه التي كانت مرفوعة بالسماء منذ ساعات، وقال بصوت متحشرج: “بابا حكالنا على الشيكات.. إحنا مجيناش نهدد، إحنا جينا نصلح الموضوع.”
ولاء كانت تقف خلفه، تخلت تماماً عن شموخها المزيف وشنطتها الفاخرة، اقتربت مني بخطوات مرتجفة وقالت بنبرة تكاد تكون شاحذة: “كريمة.. إحنا ولاد حارة واحدة ونعرف الأصول.. بلاش تخربي بيت الراجل وتضيعي العيال.. الورقة اللي معايا أنا هقطعها قدامك حالاً، بس تقطعي الشيكات وتسيبي الفيلا والشركات للعيال.”
نظرتُ إليها من أعلى لأسفل، وأطلقتُ ضحكة قصيرة هزت أركان الغرفة، ضحكة خرجت من وسط قهر اثني عشر عاماً: “تقطعي إيه يا ولاء؟ الورقة الصورية اللي معاكي دي بقت هي طوق النجاة الوحيد ليا! أنا مبقتش عايزاكِ تقطعيها.. بالعكس، أنا مستنياكم تقدموها للنيابة الصبح بفارغ الصبر عشان تثبتوا إن الأملاك دي بتاعة جلال، فتنزل عليها شيكاتي زي المقصلة.”
التفتُّ إلى حازم الذي كان ينظر إلى الأرض بعار غير مسبوق، وقلت له: “مش أنت اللي قلت لي من كام ساعة ‘مش أنتِ اللي ربتينا بلاش تعيشي الدور’؟ ومش أنتِ يا ليلى اللي قلتي ‘أنتِ كنتِ بتساعدي بابا وده موضوع ثاني’؟ أنا فعلاً كنت بساعد باباكم.. بساعده عشان يحميكوا ويحمي لقمة عيشكم. والنهاردة أنا هعلمكم الدرس الأخير في التربية.. الدرس اللي أمكم الحقيقية معرفتش تعلمهولكم.. إن قلة الأصل ليها تمن، والتمن ده غالي أوي.”
ليلى ارتمت عند قدمي وهي تبكي بحرقة: “عشان خاطري يا طنط كريمة.. أنا بكره عندي امتحان ومصاريفي لو مدفعتش هتحرم من التيرم.. والجامعة كلمتني لغوا المنحة.. أبوس إيدك سامحينا.”
نظرتُ إلى يدها الممسكة بعباءتي، ونزعت نفسي منها بقسوة: “اللي بيغلط في حق حد ويفتري عليه، بيبقى عامل حسابه إنه قوي ويقدر يشيل شيلته.. اطلبي المصاريف من مامي.. مش مامي رجعت؟ خلوها تدفع.”
حازم رفع رأسه وعيناه حمراوان من الدموع والغضب المكتوم: “يعني مفيش فايدة؟ هترمينا في الشارع وتسجني أبويا؟”
قاطعتهم وأنا أشير بأصبوعي نحو الباب المفتوح: “قدامكم لحد الساعة ٩ الصبح.. يا إما الفيلا دي تتخلى، والشركات تتسلم للمحامي بتاعي، يا إما جلال هيبات في الوصلة الجاية في الحجز.. بره!”
خرجت ولاء تجر أذيال الخيبة وهي تسب وتلعن في جلال وفي اليوم الذي دخلت فيه هذه الحرب، بينما خرجت ليلى وحازم كالأيتام الذين فقدوا سندهم الحقيقي بلحظة طيش.
رزعتُ الباب خلفهم، وجلست على مقعدي أتنفس الصعداء.
في تمام الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي، رن هاتفي. كان المتصل هو المحامي الخاص بي، طارق. رفعت السماعة وأنا أتوقع سماع خبر استسلامهم، لكن صوت طارق جاء مخنوقاً، لاهثاً، ومليئاً برعب جعل جدار قلبي ينخلع.
قال طارق بنبرة فزعة: “مدام كريمة.. الحقيني.. جلال مش في المستشفى.. حازم كلمني حالا وبيصرخ.. جلال راح الفيلا الصبح وفتح أنبوبة الغاز وقفل الأبواب كلها على نفسه وعلى ولاء والعيال وهما نايمين.. والفيلا ولعت بيهم كلهم!”
تصلبتُ في مكاني، وسقط كوب الشاي من يدي ليتناثر زجاجاً وشظايا على الأرض. شعرتُ فجأة ببرودة تجري في عروقي كأن الدم تجمد. الغرفة من حولي دارت، وصوت طارق المحامي كان لا يزال يصرخ في السماعة بنبرات متقطعة: “مدام كريمة.. سامعاني؟! أنا جالي تليفون من جيران الفيلا.. المطافي في الطريق بس النار أكلت الواجهة كلها.. مدام كريمة!”
لم أرد عليه. أغلقتُ الخط وعقلي عاجز عن استيعاب الكلمات. جلال؟ جلال الجبان، الذليل الذي كان يبكي تحت قدمي بالأمس، يفعل هذا؟ هل قادته النذالة والخوف من الفضيحة والسجن إلى أن يحرق نفسه وأولاده؟ أم أنه أراد أن ينتقم من ولاء ومن عياله الذين أوردوه هذا المورد؟
نزلتُ إلى الشارع كالمجنونة. ركبتُ سيارتي وقدتُ بسرعة جنونية نحو التجمع الخامس، وطوال الطريق كانت ملامح ليلى وهي تبكي تحت قدمي بالأمس تتراءى لي، وصوت حازم وهو يصرخ “أنتِ مش أمنا”. نعم، لم أكن أمهم بالدم، لكنني ربطتُ عمري بعمرهم لاثني عشر عاماً، ولم أكن أتمنى أبداً أن تكون هذه هي النهاية.
وصلتُ إلى الحي الراقي في التجمع. من على بعد كيلومتر كامل، كان الدخان الأسود الكثيف يغطي سماء المنطقة. الشارع بأكمله كان مغلقاً بسيارات الإطفاء، والإسعاف، ورجال الشرطة، والجيران يقفون على الرصيف في حالة ذهول وذعر.
نزلتُ من السيارة وركضتُ نحو الحواجز الأمنية وأنا أصرخ: “أنا صاحبة البيت! أنا مراته! سيبوني أعدي!”
منعني أحد ضباط الشرطة بقوة وهو يقول: “ممنوع يا مدام! المكان خطر والداخلية بتتعامل، الرجاء التراجع!”
نظرتُ من فوق كتفه إلى الفيلا.. الفيلا التي دفعتُ فيها تحويشة عمري، الفيلا التي كنت أكنس ترابها بيدي وأختار ستائرها حتة حتة. النيران كانت تخرج من نوافذ الطابق الثاني بغضب مرعب، وصوت فرقعة الزجاج والخشب يتصاعد في الهواء.
وفجأة، خرج رجلا إطفاء من الباب الرئيسي وهما يحملان جث..ة مغطاة بغطاء أبيض ملوث بالرماد والسواد، وتبعهما مسعفون يحملون محفات أخرى.
ركضتُ نحو سيارة الإسعاف والدموع تعمي عيني، لم أعد أعرف هل أبكي على السنين، أم على الخيانة، أم على الموت الذي جمعهم في لحظة واحدة. استطعتُ أن أفلت من العساكر ووصلتُ إلى المحفة الأولى التي وُضعت في السيارة.
دفعني المسعف: “يا مدام ابعدي لو سمحتِ!”
لكن يدي امتدت وجذبت الغطاء الأبيض عن الوجه بغريزة لا واعية. حبستُ أنفاسي.. كان جلال. وجهه كان مشوهاً بفعل الدخان والحروق، وعيناه جاحظتان بجزع وموت مرعب. كان قد فارق الحياة تماماً.
التفتُّ بجنون للمحفة الثانية التي كانت تخرج من الفيلا، صرختُ: “حازم! ليلى!”
خرج طبيب الطوارئ من وسط الفوضى، كان يمسك بملف صغير والرماد يغطي بدلتيه الطبية، نظر إليّ وقال بصوت جهوري مجهد: “أنتِ تصربي للضحايا إيه؟”
قلتُ بصوت مبحوح والارتجاف يخلع فكي: “أنا.. أنا كريمة.. مرات صاحب الفيلا.. و.. وأم العيال.” (نطقتها.. نطقتها لأول مرة في حياتي دون خوف).
نظر إليّ الطبيب بنظرة غريبة، نظرة جمعت بين الشفقة والغموض، وقال وهو يشير إلى المحفات التي تُنقل إلى سيارات الإسعاف الأخرى: “جلال بيه وولاء هانم ماتوا كتمة نفس قبل ما النار توصلهم.. لكن الشاب والبنت.. حازم وليلى.. لسه فيهم النفس، بس حالتهم خطيرة جداً ونقلناهم مستشفى الحروق.”
تنفسنا الصعداء للحظة، لكن الطبيب لم ينتهِ من كلامه، اقترب مني وهمس بنبرة جعلت الأرض تهتز تحت قدمي من جديد: “بس في حاجة لازم تعرفيها يا مدام.. المباحث الجنائية عثرت في الصالة تحت على جث..ة خامسة متفحمة تماماً.. جث..ة راجل غريب ملوش أي علاقة بالعيلة، والباب كان مقفول عليه من بره بالجنزير مع جلال وولاء!”
تراجعتُ خطوتين للخلف وكأن الطبيب وجه إلى صدري ضربة مباغتة. ج..ثة خامسة؟ راجل غريب؟ والباب مقفول بالجنزير من بره؟
دارت الدنيا بي، وتحول صوت سرينات الإسعاف والمطافي من حولي إلى طنين حاد يمزق أذني. نظرتُ إلى واجهة الفيلا السوداء المتفحمة، والدخان لا يزال يتصاعد منها كأنها فوهة بركان خامد بعد أن التهم كل شيء. إذا كان جلال قد قرر الانتحار وحرق الجميع، فمن يكون هذا الغريب؟ ومن الذي قفل الباب بالجنزير من الخارج؟!
في تلك اللحظة، ظهر طارق المحامي من بين حشود الجيران، كان يركض ونفسه مقطوع، ووجهه يقطر عرقاً، أمسك بذراعي وقال بصوت يرتجف: “مدام كريمة! أنتِ كويسة؟ أنا لسه واصل.. إيه اللي حصل؟ جلال عملها بجد؟”
نظرتُ إليه ودموعي تجمدت في عيني من فرط الصدمة، وقلت بصوت هامس: “جلال وولاء ماتوا يا طارق.. وحازم وليلى في المستشفى بين الحياة والموت.. بس المباحث لقوا ج..ثة خامسة في الصالة.. راجل غريب، والبيت مقفول عليه وعليها بالجنزير من بره!”
برق طارق عيناه، وفجأة شحب وجهه تماماً كأن الدماء هربت من عروقه، وتراجع خطوة للخلف وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة.
قبل أن أسأله عن سبب رده فعله، اقترب منا ضابط المباحث برتبة مقدم، كان يرتدي زياً مدنياً يغطيه الرماد، ونظر إليّ بحدة وعينين فاحصتين وقال: “المدام كريمة؟ زوجة المتوفي جلال عبد الحميد؟”
أومأتُ برأسي عاجزة عن الكلام.
قال الضابط بنبرة جافة وصارمة: “أنا المقدم أحمد من مباحث التجمع. المعاينة المبدئية والتقرير الفني للمطافي بيقولوا إن الحريق مش ناتج عن تسريب غاز طبيعي بالصدفة.. دي شبهة جنائية واضحة، حريق عمد مع سبق الإصرار والترصد، والجنزير اللي على الباب الرئيسي من بره يأكد إن اللي عمل كده كان قاصد يحبس كل اللي جوه عشان ميهربوش.. وحضرتك مطلوب معانا في القسم فوراً للإدلاء بأقوالك.”
طارق المحامي تدخل بسرعة محاولاً استعادة توازنه: “يا فندم المدام كانت في بيتها في مصر الجديدة، وأنا اللي كلمتها بلغتها..”
قاطعه الضابط بنظرة حادة: “المحامي بتاعها؟ تمام، تفضل معاها على القسم.. لأن في شهود من الجيران شافوا عربية مدام كريمة كانت واقفة قريب من الفيلا قبل الحريق بساعة واحدة، وفي حد نزل منها وقفل الباب!”
شعرتُ بصدمة ألجمت لساني. أنا؟ عربيتي أنا كانت هنا قبل الحريق بساعة؟! أنا كنت في مصر الجديدة ولم أتحرك إلا بعد مكالمة طارق!
التفتُّ بسرعة لطارق، لكنني وجدته يتجنب النظر في عيني تماماً، ويده ترتجف بشدة وهي تمسك بملف الأوراق، وكان ينظر إلى الأرض برعب حقيقي. وفجأة، تذكرتُ شيئاً جعل قلبي ينبض بعنف.. مفتاح سيارتي الاحتياطي، ومفتاح الفيلا القديم الذي كان معي.. كنت قد تركتهم في مكتب طارق بالأمس مع بقية أوراق القضايا والشيكات!
ركبتُ سيارة الشرطة وأنا في حالة ذهول تامة، وطوال الطريق إلى القسم لم أنطق بكلمة، كنت فقط أفكر في تلك الجث..ة الخامسة.. من يكون هذا الرجل؟
داخل غرفة التحقيق، جلس المقدم أحمد خلف مكتبه، ووضع أمامي كيسًا بلاستيكيًا شفافًا يحتوي على بقايا متعلقات شخصية عُثر عليها مع الج..ثة الخامسة المتفحمة. كان هناك بقايا محفظة جلدية، وسلسلة مفاتيح، وبطاقة رقم قومي محترقة الأطراف، لكن الاسم والصورة كانا واضحين بما يكفي.
أشار الضابط إلى البطاقة وقال: “تعرفي صاحب الج..ثة الخامسة ده يا مدام كريمة؟”
انحنيتُ برأسي ونظرتُ إلى البطاقة، وللثواني ظننتُ أنني أفقد عقلي. الصورة كانت لـ “شريف”.. شريف الزوج الجديد لـ “ولاء”، الرجل الثري الذي تركت جلال وأولادها من أجله وعاشت معه في دبي طوال السنوات الماضية!
قال الضابط وعيناه تثقبان وجهي: “شريف بيه وصل مصر إمبارح بالليل متأخر بعد ما عرف إن مراته ولاء بتواجه مشاكل هنا.. وبناءً على تفريغ كاميرات المراقبة المحيطة بالفيلا، شريف دخل الفيلا الساعة ٦ الصبح.. وبعدها بثلث ساعة بالضبط، في شخص ملامحه مش واضحة في الضلمة، نزل من عربية ماركتها ولونها متطابقين تماماً مع عربيتك يا مدام كريمة، وقفل جنزير الباب، وولع في الفيلا وهرب!”
هنا، التفتُّ برأسي ببطء شديد نحو طارق المحامي الذي كان يجلس بجانبي، وكانت قطرات العرق تسقط من جبهته بغزارة على قميصه. نظرتُ إلى عينيه المتوترة، وفجأة، ركبتُ قطع اللغز كلها في عقلي؛ طارق لم يكن مجرد محامي يبحث عن حقي.. طارق كان يعرف بموضوع الشيكات وموضوع الصورية، وكان يعلم أن بموت جلال وولاء وشريف، وتدمير الفيلا، ستؤول كل هذه الثروة والشركات والتعويضات لشخص واحد فقط لديه توكيل عام رسمي مطلق بكل شيء.. وهو المحامي نفسه!
قبل أن أنطق بحرف، انفتح باب غرفة التحقيق فجأة، ودخل عسكري وهو يلهث ويحمل ورقة، وسلمها للمقدم أحمد وهو يقول: “يا فندم.. مستشفى الحروق كلمتنا.. حازم ابن المتوفي جلال فاق للحظات قبل ما يدخل العناية المركزة.. وطلب يدلي بكلمة واحدة لإثبات حالة.”
أخذ المقدم أحمد الورقة وقرأها، وفجأة تغيرت ملامح وجهه تماماً، ونظر إليّ ثم نظر إلى طارق، وقال بصوت هز جدران الغرفة: “قفلوا الباب.. مفيش حد يخرج من هنا!”ساد صمت قاتل داخل غرفة التحقيق، لم يكن يقطعه سوى أنفاس طارق المحامي المتهدجة وصوت عقارب الساعة المعلقة فوق رأس المقدم أحمد. شعرتُ بجدران الغرفة تضيق عليّ، والورقة التي بين يدي الضابط بدت وكأنها حبل مشنقة ينتظر رقبة الجاني الحقيقي.
المقدم أحمد وضع الورقة على المكتب ببطء، شبك أصابعه ونظر إلينا بنظرات حادة كالمشرط، ثم وجه حديثه إليّ: “حازم قال للمسعف في عربية الإسعاف كلمة واحدة قبل ما يفقد الوعي تاني.. قال: (المحامي هو اللي قفل الباب).. حازم لمح ملامحه من شباك الدور الأرضي وهو بيرمي بنزين وقفل الجنزير.”
طارق انتفض من الكرسي كالمجنون، واهتزت نبرات صوته برعب حقيقي: “كذب! ده كذب وافتراء يا فندم! حازم بيكرهني ومستقصدني عشان أنا محامي مدام كريمة وبجيب لها حقها! أنا كنت في بيتي نايم.. المدام هي اللي معاها المفاتيح وهي اللي ليها مصلحة!”
وقفتُ على حيلي ونظرتُ إلى طارق ببرود تام، وقلت بصوت حاسم: “المفاتيح الاحتياطية وعربيتي ومفاتيح الفيلا كانت عندك في المكتب من إمبارح يا طارق.. أنت طلبتهم مني بحجة إنك هتبعت مندوب الصبح بدري يرفع مقاسات الفيلا لمعاينة دعوى الحجز.. نسيت؟”
التفتُّ للمقدم أحمد وأكملتُ بثبات: “يا فندم، طارق مش بس المحامي بتاعي.. طارق معاه توكيل عام رسمي شامل مني ومن جلال الله يرحمه من سنين لإدارة الشركات وفض الشراكات، وبموجب الشيكات اللي كشفنا عنها إمبارح، وبموت جلال وشريف وولاء، ودخول العيال العناية المركزة، طارق كان الوحيد اللي هيحط إيده على ملايين الشركات والتعويضات من غير ما حد يحاسبه.. والشرطة تقدر تفحص تليفونه وتشوف لو كان يعرف بميعاد وصول شريف جوز ولاء لمصر.”
ملامح طارق انخسفت تماماً، وسقط على الكرسي وكأنه ج..ثة بلا روح. الضابط أشار للعساكر: “خذوا الأستاذ طارق على الحجز، وتحفظوا على تليفونه وعربيته فوراً، واستدعوا المندوب والبوّاب بتاع مكتبه.”
سحبوا طارق وهو يصرخ ويستعطف، بينما جلستُ أنا على الكرسي وأنا أشعر بالإنهاك ينهش عظامي. نظرتُ للمقدم أحمد وقلت: “أنا ممكن أمشي يا فندم؟ عايزه أروح للولاد المستشفى.”
نظر إليّ الضابط بنظرة هادئة بعد أن زال الشك عني، وقال: “تقدري تتفضلي يا مدام كريمة.. ربنا يكون في عونك، الحادثة كبيرة.”
ركضتُ إلى مستشفى الحروق بالدقي. رائحة الممرات المقبضة وصوت الأجهزة الطبية كانت تزيد من دقات قلبي. وقفتُ أمام زجاج العناية المركزة.. ليلى كانت تنام هناك، وجهها الجميل المغرور مغطى بالضمادات البيضاء، وجسدها موصل بأنابيب التنفس. وفي الغرفة المجاورة، كان حازم، الشاب الطويل العريض الذي كان يصرخ في وجهي بالأمس، يرقد بلا حول ولا قوة، والرماد لا يزال عالقاً بأطراف شعره.
دخلتُ إلى طبيب الرعاية، سألته بلهفة وأنا أرتجف: “أرجوك يا دكتور.. طمني عليهم.. هما عيالي.. أنا اللي مربياهم.”
نظر إليّ الطبيب بأسى، وهز رأسه ببطء: “البنت ليلى حالتها شبه مستقرة، الحروق من الدرجة الثانية وهتعدي منها إن شاء الله.. بس الشاب حازم.. حازم استنشق كمية أول أكسيد كربون ضخمة وهو بيحاول يكسر الباب عشان يخرج أخته وأبوه.. الرئة عنده شبه منتهية، والحروق مغطية 60% من جسمه.. هو عايش على الأجهزة، والـ 24 ساعة الجايين هما اللي هيحددوا كل حاجة.”
جلستُ على مقعد في الممر الصامت، وضعتُ رأسي بين يدي وبكيتُ.. بكيتُ كما لم أبكِ من قبل. مات جلال بخوفه وأنانيته، وماتت ولاء ب طمعها وغِلّها، وبقيتُ أنا هنا.. مع عيال جوزي الذين طردوني بالأمس من بيتي وقهروا قلبي. لم أعد أفكر في الشيكات، ولا في الفيلا المتفحمة، ولا في النصر الذي حققته على جث..تهم.. كل ما كنت أتمناه في تلك اللحظة هو أن يفتح حازم عينيه ويصرخ فيّ مجدداً، بس يعيش.
مرت الساعات ثقيلة كالجبال. وفي تمام الساعة الرابعة فجراً، خرجت الممرضة من غرفة حازم مسرعة وهي تصرخ: “دكتور! دكتور بسرعة.. الحالة بتنعش والنبض بيقع!”
انتفضتُ من مكاني وركضتُ وراء الأطباء الذين اندفعوا إلى داخل الغرفة بصدمات الكهرباء. وقفتُ خلف الزجاج أراقب جسد حازم وهو ينتفض مع كل صدمة، ودموعي تسيل بلا توقف.. كنت أدعو من كل قلبي: “يارب خذ من عمري وديله.. يارب أنا مسمحاهم.. بس يعيشوا.”
وفجأة.. هدأ الجهاز، والتفت الطبيب نحو الممرضة وهز رأسه بقلة حيلة، ثم نظر إليّ من وراء الزجاج وخلع كمامته الطبية ببطء.
في نفس اللحظة، شعرتُ بلمسة باردة على كتفي.. التفتُّ بفزع، فكانت ليلى! كانت قد فاقت وخرجت من غرفتها تجر حامل المحاليل الطبية بجسدها المرتعش ووجهها المربوط بالضمادات.. نظرتْ إليّ بعينين مليئتين بالدموع، وقالت بصوت مبحوح يمزق القلوب: “طنط كريمة.. حازم مات؟”
قبل أن أنطق، انفتحت بوابة العناية المركزة، وخرج منها ضابط شرطة صغير السن، كان يحمل في يده حقيبة بلاستيكية صغيرة تحتوي على أمانات حازم التي عُثر عليها في جيب جاكيته المحترق.. مد يده بالحقيبة إليّ وقال: “المرحوم قبل ما يدخل في الغيبوبة الأخيرة، خلى المسعف يطلّع دي من جيبه، وقال له سلموها لطنط كريمة وقولولها أنا آسف.”
فتحتُ الحقيبة البلاستيكية بيد ترتعش.. وأخرجتُ منها ما كان فيها.
لم تكن أموالاً، ولا أوراقاً رسمية.. كانت علبة صغيرة بداخلها “سلسلة فضة” كنت قد ضيعتها في البيت من خمس سنين وكان حازم قد أخذها ليصلحها لي في عيد ميلادي، ومعها ورقة صغيرة مطوية، مكتوب فيها بخط يده المتعرج والمحترق الأطراف:
(أنا عارف إنك أنتِ اللي ربتينا.. وعارف إننا ملناش غيرك.. سامحينا يا ماما).
سقطت الورقة من يدي، وارتمت ليلى في حضني وهي تصرخ وتبكي بحرقة، بينما كنت أنا أنظر إلى جث..ة حازم من وراء الزجاج.. أدركتُ في تلك اللحظة أنني كسبتُ القض..ية، واسترددتُ أموالي، وأخذتُ حقي من كل الذين ظلموني.. لكنني خسرتُ ابني الذي لم أنجبه، ولم يتبقَ لي في هذه الدنيا سوى ليلى.. ليلى التي أصبحتُ أنا الآن، رسمياً وقانونياً وفوق رغبة الجميع.. أمها الوحيدة.