كان غارقا في عمله 2

الفصل الرابع عشر
*******************

تقدم بخطوات ثابتة واثقة يشق الطريق الذى رسمه بحرفية ليصل إلى حلمه
فهو لم يعتد قبول الخسارة بسهولة , فقرر أن يواصل حتى يصل إليه , وينتزعه من براثن الأسد
عدل من رابطة عنقه وهو يبتسم لتلك الفتاة القابعة خلف الملفات ولم تنتبه لوجوده بعد
قال بطريقة لبقة :
– الأستاذ حسام موجود يا أنسة ؟
إنتبهت الفتاة لوجود ذلك الشاب الوسيم الذى يظهر عليه أثر الترف
قالت بوجه قد صبغ بحمرة الخجل :
– ايوة يا فندم , أقوله مين حضرتك ؟
بترفع وغمزة من إحدى عينيه أخرج من جيبه بطاقة وأعطاها إياها قائلاً :
– معاكى ياسر الشامى رجل أعمال , ودة الكارت بتاعى
مدت يدها تأخذ منه تلك البطاقة وقد أربكتها نظراته , وتوجهت بخطى متعثرة إلى غرفة حسام
أما ياسر فقد إتسعت إبتسامته لنجاحه فى غرس طُعمه فى تلك السمكة الصغيرة , فهو صياد ماهر لمثلها من الفاتنات
سمحت له بالدخول , تقدم بخطى ثابتة وهو يقدم نفسه لحسام قائلاً :
– ياسر الشامى , صاحب شركة الشامى للإستيرد والتصدير
مد حسام يده ليصافحه وهو يقول :
– أهلاً وسهلاً , اتفضل يا فندم
فكانت الأيادى متشابكة فى سلام لكن الله وحده هو العالم بخبايا القلوب , وخاصة قلب ياسرالذى لا يحمل الخير أبداً لحسام
********************************
كانت تسقى الأزهار وقد رُسم على وجهها تلك الإبتسامة التى لم تفارقها قط فى الفترة الأخيرة
فها هى تحيا تلك الحياة التى لم تعشها من قبل , دفئ لم تلتمسه من قبل , حنان إفتقدته بإفتقادها والدتها , أمان فقدته بعد وفاة والدها , حضن يغنيها عن الدنيا بأكملها
كل ما كان يقلقها ذلك الصوت الذى يصرخ بداخلها :
– هل هذا ما كنتى تعيشيه ؟ ما كنتى تتمنيه ؟ رجل تعيشى به وله فقط , أين كيانك ؟ أين بوسى ؟
ولكنها كانت تخرسه سريعاً , ولكنه كان دوماً حائلاً بينها وبين حسام , يمنعها من الإقتراب أكثر , يكفيها ما تشعر به معه , لا تريد الإقتراب أكثر , خوفاً من المستقبل
إنتبهت على صوت المربية وهى تقول :
– بتعملى اية يا بوسى ؟
لترد بإبتسامتها المعتادة هذه الأيام :
– بسقى الورد يا دادة
– يا حبيتى تسلم ايديكى
فيرد من جاء لتوه :
– انا بحسده بصراحة
لينظرا إليه بإبتسامة , فتقول المربية وهى تهم للدخول إلى داخل الفيلا :
– حمد الله على السلامة يا بنى , هروح احضرلكم الغدا
ليرد وعينه لازالت مسلطة على بوسى بإبتسامته الساحرة :
– الله يسلمك يا دادة
ويقترب من بوسى وهو يقول :
– بتعملى اية ؟
إكتفت بإبتسامة وهى تريه ما فى يدها , ذلك الرشاش الذى أمسكه من يدها وهو يقول بمرح :
– دة مبيرشش كدة , بيرش كدة يا ماما
قال كلماته هذه وهو يوجهه نحو وجهها وبدأ يرش على وجهها ورأسها
وهى تحاول الهرب وهى تصيح به أن يكتفى , بدأت تركض هرباً منه وهو يركض وراءها وهما يتضاحكان , أغمضت عينها وهى تركض وتحاول أن تلتمس طريقها بدون رؤية , إستدار ليصبح فى إستقبالها فوجدت نفسها ترتطم به حوطها بذراعيه وهما ما زالا يتضاحكان
كان ينظر لها بإشتياق , أما هى فتاهت فى نظرات عيونه الساحرة
إقترب بوجهه منها ولكنها أبعدت نفسها قليلاً عنه دون أن تستطيع فك حصار ذراعيه التى حوطتها وجعلتها أسيرته , قال بهمس وهو ينظر بعينيها :
– ليه دايماً بتهربى منى ؟
إبتلعت غصتها وهى تحاول الهروب من حصار نظراته فيكفيها حصار ذراعيه التى تمنعها من الهرب ككل مرة
باغتها بسؤال أخر :
– لسة برده متعودتيش عليا ؟
قالت بصوت متقطع :
– مش كدة , بس انا لسة يعنى مش مستعدة
نظر لها بحزن , وتركها وهو يقول :
– اكيد براحتك خالص , وياريت تسامحينى لو كنت ضايقتك
لم ترد فقط كانت تنظر له بخجل , قبلها على جبينها وهم بالدخول وهو يقول :
– انا هدخل اغير هدومى قبل الغدا
ودخل إلى الفيلا وهو يحاول أن يخفى ما يشعر به من ضيق
************************************
مد يده بذلك الملف وهو يقول لتلك الفتاة :
– دة يتراجع كويس جدا يا سحر , ويكون على مكتبى بكرة بالكتير
لتأخذه سحر من يده وهى تقول :
– حاضر يا أستاذ حسام , بكرة ان شاء الله هيكون على مكتبك
وتوجهت إلى مكتبها وبدأت فى تصفح الملف فوقعت عينها على إسمه ( ياسر محمد كمال الشامى ) فوجدت نفسها تبتسم وهى تتذكره وهو ينظر لها بإبتسامته الجذابة
***********************************
لم يعد يخرج من المنزل أو حتى يرى أحد من أصدقاءه , يظل دائماً داخل غرفته يدفن نفسه بين ذكرياته معها , رسائلها , هداياها , صورها
كان يتأمل صورها معه ويتذكر كم كان يشعر بالسعادة وقتها , نظر أمامه فى وجوم وهو يمنى نفسه برجوعها إليه مرة أخرى
وقال فى نفسه :
– وحشتينى يا بوسى , ولازم أرجعك لحضنى تانى بأى شكل وبأى طريقة
**********************************
حاولت أن تخفى نظرة الحقد والكره بعينها وهى تقول للجالسة أمامها :
– بس انتى ازاى تقبلى تتحجبى كدة بسهولة لمجرد انه عايز كدة ؟
– انا مش هنكرأنه غير حاجات كتير فى حياتى , بس انا حالياً مش حاسة ان فيه حاجة ناقصانى , بحس انه معوضنى عن كل حاجة فى الدنيا
– يا سلام , دة اية الرومانسية دى ؟ دة انتى حتى مش بتيجى النادى ولا حد بيشوف وشك
– مهو بصراحة مش عايزنى اروح النادى من غيره , وبعدين هو قالى لو حبة صحابى البنات يجولى البيت مفيش مشكلة , وادينا اهوه بنتقابل على طول ياشيرى
– اية التخلف دة ؟ انا مكنتش اعرف انه رجعى اوى كدة
نظرت نحوها ببعض الغضب وهى تقول :
– هو مش راجعى , هو بس اتربى تربية معينة ومش حابب يخرج عنها
صمتت وهى ترى الحب يخرج من عين بوسى , ثم قالت :
– وشركتك اخبارها اية ؟
ردت بوسى باستغراب :
– كويسة
– انتى بتروحيها
– لا , حسام هو اللى بيدرها , انا عملاله توكيل بالادارة وهو المسئول عن كل حاجة
إبتسمت بخبث وهى ترى أمامها نهاية هذا العش الجميل التى طالما تمنت أن تحظى بمثله مع ياسر لكن بوسى كانت دائماً تقف عائقاً بينهما
كانت تصرخ بداخلها :
– طالما لم أحظى أنا بتلك السعادة , فلن أدعك تحظين بها أنتِ أيضا
***************************************
كان يشعر دائماً بتخوفها وترددها من الإقتراب منه رغم حبها له الذى كان يتجلى بعينيها
لم يرد التسلل إليها عُنوة , فقط تركها لترسى على بره عندما تشعر بالرغبة فى ذلك
حاول أن يعرف من تصرفتها سبب ترددها , لكنه فشل
فقرر أن يحاول أن يعتد وجودها بقربه مع المحافظة على تلك المسافة التى وضعتها كحد فاصل بينهما , كان قلبه يتحسر وهو يراها كالفراشة التى تطير بين الأزهار اليانعة , يخفق قلبه لرؤيتها , يتمنى لو يرتوى من رحيقها الخلاب
لا تخافى منى يا حببتى , إقتربى دون تردد , فقد أضنانى الفراق , لم أعد أقوى على تحمل بعدك , أنا قلبٌ ملئٌ بالشوق فتعالى وأنعمى فيه بشوق ليالى عاشها وحيداً فى الظلمة مشتاق لقمرك لينيرها

سمع طرقات الباب فسمح للطارق بالدخول , فكانت سحر بيدها الملف وهى تقول :
– تمام يا فندم , انا راجعت الملف والصفقة مفيهاش اى شئ ناقص
أخذ منها الملف بوجه عابث دون أن ينتبة لما تقول , فاستطردت قائلة :
– تحب حضرتك اتصل بالاستاذ ياسر , ابلغه بقرارك
– اه خلاص اتصلى بيه وبلغيه بموافقتى على الصفقة
– تمام يا فندم

توجهت مسرعة إلى مكتبها وهى فى غاية السعادة وقلبها يرجف لإنها سوف تسمع صوته , فقد فتنها بطلته وأسلوبه الساحر فى الحديث رغم الدقائق القليلة التى إلتقت فيها به , رفعت السماعة على أذنها بعد أن سجلت رقم هاتفه الذى نقش فى عقلها منذ أن رأته لأول مرة , إنتظرت الرد حتى جاءها :
– الو
قالت بقلب يرقص طرباً :
– الو , معاك سحر مدكور مديرة مكتب الاستاذ حسام نور الدين مدير شركة نور الدين للإستيراد والتصدير
قال بوجه مبتسم وقد تذكرها تلك السمكة الصغيرة التى باتت فى طرف سنارته ولا يبقى سوى أن يجذبها لتصبح ملكه :
– اهلا , ازيك يا انسة سحر , مش انسة برده ؟
قالت ببعض الخجل :
– ايوة يا افندم , انا كنت متصلة ابلغ حضرتك ان الاستاذ حسام فى انتظار زيارة حضرتك عشان تتفقوا على الصفقة
ظهرت على وجهه ملامح الانتصار جلية وهو يقول :
– عظيم جدا , وانا بصراحة كنت منتظر تليفونك على احر من الجمر , بصراحة شركتكم حلوة اوى وهواها يرد الروح , والواحد ميشبعش منها أبداً
شعرت بتلميحه بالإطراء عليها , وقالت بسعادة أنثى ساذجة :
– حضرتك اكيد هتنورنا يا فندم
*****************************
كان يمشى بخطى سريعة نوعاً ما بوجهه الذى كان يحمل الشر , كان مرتبكاً قليلاً , ركب سيارته وجلس خلف المقود , نظر بعينه إلى بوابة تلك البناية التى خرج منها لتوه وهو يعلم أن قنبلته التى أشعل فتيلها منذ دقائق وألقاها بالداخل سوف تنفجر الأن
فقد أهلكه التفكير إلى أن هداهه شيطانه إلى تلك الخطة الماكرة , فالغاية تبرر الوسيلة فى تلك الغابة التى يعيش فيها أمثاله بعيداً عن دنيا البشر
لم ينم طوال ليلته حتى ينهى مهمته , ثم قام وتوجه إلى شركة نور الدين ليكمل ما بدأه
فقد قرر أن يعيدها إليه مهما كانت الطريقة
***********************************
كان غارقاً فى عمله , حينما سمع صوت طرقات على الباب , فقال :
– ادخلى يا سحر
دخلت وهى تمد يدها بمظروف وهى تقول :
– الظرف دة فى واحد سابه لحضرتك تحت على البوابة
قال بلا مبالاه وهو يعود مرة أخرى لأوراقه :
– تمام , حطيه هنا وروحى انتى
غادرت بعد أن وضعته أمامه على المكتب
أنهى عمله , وقرر الرجوع إلى المنزل لينل قسطاً من الراحة , بدأ فى جمع أشياءه فوجد ذلك المظروف فتحه ليقع قلبه فى إخمص قدمه من هول ما رأى
كان يحوى لبعض الصور لزوجته بوسى مع تامر فى أوضاع مخلة وملابس فاضحة
كان يحدق بالصور والشرر يتطاير من عينه
لا يعلم كيف وصل إلى سيارته وقادها بسرعة عائداً إلى المنزل
وما إن وصل حتى صعد الدرج مسرعاً إلى غرفتها , كانت تتوسد فراشها وفى يدها بعض المجلات التى تطالعها فى هدوء
حينما إقتحم الغرفة دون سابق إنذار وأغلق الباب خلفه ليقف أمامها والشرر يتطاير من عينه , أجفلت من فعلته وأفزعها رؤيته بتلك الملامح التى لم تراه عليها من قبل
لم تكد تستقبل تلك المفاجأة حتى سمعت صوته الهادر وهو يقول :
– دلوقتى بس عرفت انتى ليه بتبعدى عنى
كانت تنظر له بدهشة وعينها محدقة فى وجهه
أفرغ محتويات المظروف الذى كان يمسكه بيده وقذف ما فيه من صور فى وجهها وهو يقول :
– طبعاً عشان خايفة لأفضحك
نظرت حولها لتلك الصور المتناثرة وهى غير مصدقة لما ترى , فاستطرد وهو يقترب منها :
– بس ربنا هو اللى فضحك
صاحت من بين دموعها :
– الصور دى مش حقيقية , دى صور متركبة , والله يا حسام مش حقيقية
– متحلفيش بالله كدب
– انا مش بكدب هى دى الحقيقة , الصور دى متركبة , انا مش عارفة اثبتلك ازاى انى مش بكدب ؟
إقترب أكثر منها وهو يقول بوجه صلب يكسوه الجمود :
– انا اللى هثبت لنفسى , ودلوقتى حالاً
صعقت عندما رأته يقترب منها ويحاول نزع ملابسها عُنوة , بدأت تصيح به ألا يفعل بها هكذا , ولكن الغضب أعماه فبدأ فى تمزيق ملابسها وهى تصرخ به
لم يكن يرى أمامه سوى غضبه ولا يسمع إلا لصوت شيطانه
لم يرى دموعها ولم يسمع صيحاتها المتوسلة
توقف فجأة عندما شعر بها وهى متشبسة بملابسه ومنكمشة داخل حضنه وهى تقول من بين شهقاتها :
– لا , اوعى تعمل كدة يا حسام , اوعى تضيع منى الأمان اللى بحس بيه وانا فى حضنك , عشان خاطرى مضيعوش منى
تأثر كثيراً بكلماتها , نزع نفسه منها وخرج وهو فى قمة غضبه , لم يكن يعلم من أى شئ يغضب , منها أم من نفسه ؟
ركب سيارته وقادها مسرعاً بلا وجهة محددة , كان لا يرى الطريق بل يرى صورتها وهى تستجديه أن يتركها
إنتبه لصوت زامور تلك السيارة التى كانت أمامه فإستطاع أن يتفادى الصدام معها فى أخر لحظة
فقد أعصابه , فإتخذ جانباً أوقف فيه السيارة وترجل منها , وبدأ يبكى من الألم فقد جُرحت روحه قبل قلبه , فهى روحه التى تسكن قلبه

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *