كان غارقا في عمله 2
الفصل الحادى والعشرون
******************************
بخطوات ثابتة تشق طريقها إليه , سوف تقف أمامه مرة أخرى ولكن تلك المرة غير سابقيها , فهى لم تعد تلك الضعيفة , فما مرت به جعلها أقوى , أصبحت لا تخشاه , لا ترهبه , لم يعد قلبها يخفق له , فقد أصبح يمقته ويمقت طلته وصوته وحتى إسمه
أرجعت خصلات شعرها الثائرة للوراء بأطراف أناملها وهى تمشى داخل جدران شركة الشامى حتى وصلت لغرفة مكتبه , فلم تجد أحداً بمكتب السكرتيرة , ووجدت باب غرفته مغلق , تقدمت بخطوات واثقة وفتحت باب غرفته دون أن تطرق عليه , كأنما إستنتجت ما يحدث بالداخل , وبالفعل كان إستنتاجها صحيح
وجدته يجلس خلف مكتبه على مقعده الوثير , وتلك الحسناء المثيرة بهيئتها وملابسها تجلس أمامه على المكتب , فى مشهد ينم عن وجود علاقة خفية بينهم
فزع ياسر وسكرتيرته عندما ظهرت شيرى فجأة أمامهم , وبدأا يحدقا بها بدهشة تحولت إلى غل عندما بدأت هى بالضحك فى سخرية وهى تقول بتهكم :
– طول عمرك رمرام يا ياسر
نظرت لها السكرتيرة بحنق وتركتهم وغادرت المكان , فى حين قال ياسر بإستهجان راداً على شيرى :
– عشان كدة عرفتك يا حياتى
تقدمت لتجلس على المقعد المقابل لمكتبه , ولازالت على إبتسامتها , ثم قالت بعد أن وضعت قدماً فوق أخرى :
– طول عمرك ذوق يا روحى
رأى بعينها نظرة لم يعهدها مسبقاً منها , فقد رأها فجأة أمامه كالشجرة الشامخة التى لا تخشى العواصف لإمتداد جذورها بأرض ثابتة
تابعت بتغنج :
– وعشان كدة حبيت أنا كمان أكون ذوق , وقلت أجى اباركلك
لم يستطع أن يخفى صدمته بروحها الجامدة , ولكنه حاول أن يبدو ثابتاً وهو يقول بسخرية :
– تباركيلى ؟ على اية بقى إن شاء الله ؟
نظرت بعينيه وهى تقول :
– أباركلك على وصولك للهدف اللى كنت بتحلم بيه , عرفت ان حسام فى السجن والجو خليلك خلاص
أشعل لفافة من التبغ فى فمه وألقى بالقداحة على المكتب أمامه بلا مبالاة , وقال بعد أن أخذ نفساً منها ونفث دخانه فى الهواء بهدوء مستفز :
– الله يبارك فيكى يا ستى
إبتسمت بجانب فمها وهى تقول :
– مش عايز تعرف أخبار بوسى اية ؟
زاغت نظراته الحائرة التى كانت تدل على شغفه لمعرفة ما سوف تقوله , ثم قال :
– ياريت تقولى اللى انتى جاية تقوليه على طول يا شيرى من غير لف ودوران
إستقامت لتسير بخطوات ثابتة حتى جلست مكان تلك الحسناء التى كانت جالسة أمامه منذ قليل , ثم قالت بدلال أجادته :
– بصراحة حالتها صعبة اوى , مش عارفة تزعل عليه ولا تفرح انها خلصت منه
ضيق ما بين عينيه وهو ينظر لها , ثم قال بتفكر :
– يعنى اية ؟ مش فاهم
وضعت يدها على صدره وهى تطرق بأصابعها على صدره قائلة :
– يعنى همه أصلا كانوا هيطلقوا , حتى لو مكنتش دخلت إنت بلعبتك عشان تفرق ما بينهم
قال بصدمة :
– يعنى همه كانوا هيطلقوا ؟
– اممم كانوا هيطلقوا , بس بصراحة صعب عليها كتير لما دخل السجن
عادت أدراجها إلى مقعدها وهى تسير بهدواة وهو يتابعها بعينيه
فقالت وهى تنظر له نظرة تعنيها جيداً :
– يعنى هى بس محتاجة حد يساعدها عشان تاخد قرار , تكمل ولا تطلق
قال بعصبية :
– تكمل ازاى ؟ دة واحد هياخد حكم تجارة مخدرات , والقضية لبساه
إبتسمت إبتسامة خبيثة لنيلها منه وهى تقول :
– انت عملت اية بالظبط ؟
زفر وهو يقول بعيون تحمل المكر والدهاء :
– لبسته فى قضية مش هياخد فيها أقل من مأبد
وضعت يدها على المكتب وهى تقول :
– دة انت جن , بس ازاى رتبتها دى ؟
لتتعالى ضحكاته وهو يقول :
– جرا اية يا شيرى ؟ عايزة تتعلمى ولا اية ؟ اهو لبستهاله وخلاص
إبتسمت وهى تقول :
– يعنى مش عايز مساعدتى فى حاجة , السمكة بتاعتك خلاص لقطت الطعم , تحب تشد السنارة لواحدك ولا عايزنى اشدها معاك ؟
نظر لها بخبث قائلاً :
– وانتى هتعملى معايا كدة ليه ؟
قالت بترفع :
– تقدر تقول حبة اتخلص من كل الناس اللى ضايقونى بالدور
أدرك ذلك التلميح الذى ترمى إليه كلماتها , تعالت ضحكاته , ثم قال وهو يحاول أن يهدئ من ضحكاته :
– الكلام دة كبير عليكى ياشيرى
– انا عارفة انك جامد يا ياسر , بس متنساش يوضع سره فى أضعف خلقه
عادت ضحكاته لتتعالى مرة أخرى , ثم إقترب منها , وعبث بخصلة من شعرها بطريقة مستفزة , وقال بنبرة متعالية :
– مفتكرش النملة تقدر تنتصر على الأسد , ولا اية ؟
أزاحت يده بعيداً عنها وهى تقول بنظرة تحدى :
– اللى تشوفه يا ياسر
وضعت نظارتها الشمسية على عيناها وهى تهم بالمغادرة , لتقول وهى تشير له مودعة :
– هشوف ميتها اية وهكلمك , سلام
رد وهو يتابعها بنظراته :
– سلام
نفض مهاتراتها من تفكيره , وإحتلت مكانها سالبت عقله , وهو يتذكر حديث شيرى عن حالها
أرجع رأسه للخلف وهو يرسم أياماً سيعيشها مع حبيبته بوسى
غادرت شيرى المكان , ركبت سيارتها وقبل أن تديرها وتنطلق فتحت حقيبتها وأخرجت هاتفها وأوقفت تشغيل المسجل وهى تبتسم بإنتصار , قائلة :
– دلوقتى هتشوف النملة هتعمل اية يا اسد
*****************************
– انا عايزاك تعرف حاجة واحدة بس , انى بحب حسام , وعمرى ما حبيت غيره
نزلت كلماتها كالنار تكوى بقلبه على الرغم من إدراكه لها مسبقاً , لكن وقعها على مسامعه كان أقوى مما تصور
رد بندم :
– انا عايزك تسامحينى على اللى عملته , دة كان تصرف طايش منى
إبتسم بجانب فمه بحزن , وهو يسترسل :
– كنت فاكر انى بكدة برجعك ليا من تانى
ردت بأسى :
– مش زعلانة منك يا تامر
نظر بعينيها يحاول أن يعلم حقيقة ما تقول , فأماءت برأسها وثغرها يحمل شبح إبتسامة جوفاء
قالت شيرى لتنهى ذلك الحديث الذى أثار الذكريات الغابرة وأخرجها من مكنونها إلى عقولهم مرة أخرى :
– خلاص بقى يا جماعة دلوقتى لازم نقدم التسجيل دة للنيابة , واكيد بعدها هيتقبض عليه على طول
ردت بوسى بوجه واجم :
– لا , مش كفاية , لازم نحاول نجيب منه العقود اللى ادتهومله الهبلة اللى اسمها سحر , هى دى اللى هتثبت ان الشحنة دى كانت بتاعت شركته , وكمان هتثبت ان كان فيه تعامل بين شركتنا وشركته
لترد شيرى بحيرة :
– ودى هنجبها ازاى
– لازم اقابله الاول يمكن اقدر اعرف منه حاجة
ليقول تامر بفزع :
– ارجوكى يا بوسى متتهورش, استنى انا هرتب للموضوع الاول انا وشيرى وبعدين هنقولك
*******************************
يشعر بتوقف الزمن وتجمد الأحداث , لا يقوى على إدراك واقعه ولا حتى تنبأ مستقبله , كأنه أصيب بضمور فى المخ أدى إلى تعطل جميع أجهزته
كل ما يراه أمامه هو صور أبناءه السبعة وزوجته المسكينة , وكان يسأل نفسه عن حالهم بعد ما علموا بما حدث له , وها هو الأخرق الذى كلفه بتلك الفعلة لم يبعث له من يطمئنه على حالهم ولا حتى أرسل له محامى للدفاع عنه كما وعده
هل تلك هى النهاية ؟ ام أنه يوجد نهاية أخرى أسوء ؟
ليته كان غارق فى أحلامه التى هيئها له شيطانه , ليته يصحو ليصبح كل ما حوله سراب يتتطاير كالدخان أمامه , ليته يعود إلى منزله يلاعب أطفاله فى تلك الغرفة الدافئة التى ضاقت عليهم
إنتبه على صوت من يجلس بجانبه , وهو يقول :
– ادعى ربنا وهو اللى هينجينا
ليرد ببعض الأسى :
– متخافش يا استاذ حسام , ربنا عمره ما هيظلمك , لكن انا غلطت ولازم أخد جزائى
فأخرج حسام من صدره تنهيدة حارة وهو يقول :
– يارب نجينا من الابتلاء دة على خير
********************************
كان يتابعها فى مرآة سيارته بهيئتها المثيرة ومشيتها الفاتنة , وصوت كعب حذائها على الأرض يصرخ كصوت إنذار لجميع من بالشارع للإنتباه لذلك الغزال المار بينهم
غمز بعينه لذلك الرجل الذى كان يقف مستنداً بظهره على عامود الإنارة , ليتحرك ذلك الرجل إثر إشارته متجه نحوها
كانت تسير نحو سياراتها غير مبالية بتلك العيون التى وقعت فى وحل جمالها الساحر
عندما باغتها ذلك الرجل وخطف حقيبة يدها , لتفاجئ جميع من بالشارع بصرختها
فيترجل هو من سيارته متجه نحو ذلك اللص فى سرعة , فقد جاء دوره فى ذلك الفيلم الذى أخرجه هو بدهاءه
فيضربه عدة لكمات وينزع من يده الحقيبة , فى حين يدعه يفلت من براثنه ليهرب فى مشهد ظنه الجميع أنه فر من بين يديه دون إرادته
ليعيد ذلك البطل المغوار والفارس المقدام تلك الحقيبة إلى تلك الحسناء مرة أخرى , فتشكره بإبتسامة وهى تقول ممتنة :
– متشكرة اوى
فيرد بإبتسامته الجذابة :
– العفو يا انسة , دى حاجة بسيطة
ثم يشير إلى حقيبتها وهو يقول :
– شوفى لتكون حاجة وقعت منها
فتستجيب لأمره , ثم تنظر له ولازالت على إبتسامتها :
– لا مفيش حاجة وقعت , ميرسى اوى ليك
فيقول بنظرة إعجاب أجاد إصطناعها :
– لا شكر على واجب , وبعدين القمر اللى زيك لازم يكون في راجل معاها يحميه من الذئاب البشرية اللى مالية الشوارع
فترد له تلك النظرة بمثلها وهى تقول :
– مرسيى لذوقك
فيمد يده لها ليصافحها قائلاً :
– انا مبسوط اوى ان الظروف جمعتنى بيكى , معاكى تامر , وانتى ؟
– ياسمينا
إبتسم بشغف وهو يقول :
– اجمل ياسمينا فى الدنيا
*********************************
– بقولك خلاص البت دى بقيت فى جيبى
لتخبط بيدها على صدره وهى تقول :
– جامد طول عمرك يا تمورة , مكنتش اعرف انك هتوقعها بالسهولة دى
ليعدل من هيئة ملابسه وهو يقول مازحاً بطريقة متكبرة :
– انا مش اى حد يا بنتى
– تمام كدة اوى انا هبلغ بوسى تصبر بس شوية وكل حاجة هتمشى مظبوط
– قوليلها يومين بالكتير وتكون العقود عندها , ياسمينا سكرتيرة ياسر هتفتحلنا الابواب المتقفلة كلها
فتهم بالمغادرة لولا أنه يوقفها بكلماته وهو ينظر لها بتأثر :
– خلى بالك منها ياشيرى
فتبتسم له بود قائلة :
– متقلقش يا تامر
***************************************
كان بمكتبه يطّلع على بعض الأوراق حينما رن هاتفه , رد دون أن ينظر إلى إسم المتصل , فجاءه صوتها وهى تقول :
– ازيك يا ياسر ؟
– اهلا يا شيرى , عاملة اية ؟
– صحيح بتسأل عليا , ولا على قطتك ؟
خفق قلبه وهو يقول :
– فى حاجة جديدة حصلت ؟
قالت ببطئ :
– فى اننا رايحين دلوقتى النادى , وممكن اوى نقابلك هناك
قال بلهفة :
– هى عارفة انى هقابلكم ؟
– لا طبعا انت هتقابلنا صدفة , وسيبنى انا بقى اعرفكم ببعض
إنفجرت أساريره وهو يقول :
– تمام انا هروح حالاً دلوقتى على النادى
أغلق الهاتف وإتجه خارج شركته ليذهب إلى النادى
أما هى أغلقت الهاتف لتبتسم لمن كانت تجلس بجانبها وتنظر لها بأعين مترقبة , ثم قالت مطمئنة :
– وقع زى الجردل , وهيسبقنا على هناك
فتبتلع بوسى غصتها وهى تقول :
– تمام انا هقوم البس عشان نروحله