كان غارقا في عمله 2

الفصل السابع عشر
*********************

إستنشق عبير الصباح وهو ينظر إلى أزهار الحديقة وهو يقف بشرفة غرفته , وقع بصره على تلك البقعة التى كانت تقف بها فراشته تسقى أزهارها
ولكن ملامح وجهه تبدلت فجأة عندما تذكر ما فعلته
وبدأ يسأل نفسه , لما يحن قلبه لتلك القاسية ؟ أهو ضعف أم شفقة ؟ أم هو حبها الذى يسكن بقلبه ؟
نفض تلك الأفكار عن رأسه ودلف إلى الداخل فى محاولة منه ألا يرى أى شئ يذكره بها
نزل الدرج متوجهاً إلى أسفل ليراها تجلس مع المربية بوجه هائم حزين
لم ينظر إليها وكأنها لم تكن موجودة وجه حديثه إلى المربية :
– اعمليلى فنجان قهوة يا دادة وهاتهولى على المكتب
كلمات قليلة روت عطشها لسماع صوته , وإستنشاق عطره
ولكنه تركها وغادر دون حتى أن يوجه لها بصره
بدت كمن إعتادت منه تلك المعاملة رغم إعتصار قلبها ألماً , شعرت بها المربية فربتت على كتفها فبدالتها بوسى نظرة مع شبح إبتسامة ظهرت على ثغرها تطمئنها بها على حالها
كادت عبراتها أن تخونها فإستئذنت منها وصعدت إلى غرفتها تحمل ما تكتمه بداخلها
صحبتها تلك النظرات الحنونة من مربيتها مع قلب عطوف يدعو لها
كادت أن تدلف إلى غرفتها لكنها إستدارت لتقف أمام باب غرفته , بدأت تتحسس مقبض الباب وهى تستشعر لمسته لهذا المقبض
أغمضت عينيها وهى تحاول أن تستشعر وجوده بجانبها
غادرت دموعها الحبيسة عيناها , فتحت باب الغرفة ودلفت بهدوء بعد أن أغلقته خلفها
بدأت عيناها تجول داخل محتويتها , كانت تستنشق رائحته التى تملأ المكان
جلست على فراشه وبدأت تتحسسه وتلتمس موضع سكونه به , أمسكت بقميصه الذى نزعه عنه قبل أن يغادر , إحتضنته بشوق وهى تتنفس عبيره , أغمضت عيناها والدموع تغرق وجهها
كان قلبها يخفق شوقاً له , كانت دقاته تصرخ فى أذنها بإسمه لدرجة أنها لم تسمع صوت فتح الباب
فتحت عينها لتراه يقف أمامها وهو ينظر لها فى صمت , حاولت أن تمسح دموعها عبثاً لإنها لم تستطع التحكم فى هطولها
إرتعشت يدها وهى تعيد قميصه إلى الفراش مرة أخرى , وجاهدت حتى تحملها قدماها لتقف , كانت تنظر له بعيون غلبها الشوق , كانت تترجاه فى صمت أن يسامحها ويغفر ذلتها , لكن نظرته لها كانت قاسية تنم عن رفضه لها
إبتلعت غصتها فى محاولة لتحمل سهام نظرته المصوبة تجاها , تاهت فى مقلتيه الجامدتين , كان قلبها ينتفض داخل قفصها الصدرى , وتحجرت الكلمات فى حلقها
فقال هو بصرامة :
– بتعملى اية هنا ؟
إهتزت خلايا جسدها إثر نبرته , وظلت كما هى محدقه به إلى أن إستطاعت أن تخرج الحروف من بين شفتيها :
– أسفة
ورحلت بخطى ثقيلة وبقلب ينبض بحب من أضاعته بجهلها
أما هو فوقف يتفقد أثرها بشعور سئ لم يفهمه , توجه إلى خزانته وأخذ منها بعض من أغراضه وغادر المنزل
**********************************
صوت أسنانه وهى تقضم ثمرة التفاح بيده هو السائد فى المكان , مد يده ليضع تلك الثمرة جانباً ليترك نفسه يغوص برأسه فى حوض الإستحمام الذى كان ينام فيه
كان يراها أمامه حتى وهو مغمض العينين , ها هى خطته تسير على نحو جيد , وإقترب على وضع كلمة النهاية كما رسم لها
إبتسم وهو يراها فى أحضانه بعد أن تصبح له وحده بلا منازع
إنتبه على صوت رنين هاتفه فرفع رأسه لينظر به , فأغلقه وهو يزفر قائلاً:
– انسى بقى يا سحورة
***********************************
الطبيبة :
– كدة مش كويس خالص على صحتك وعشان خاطر البيبى كمان
رتبت المربية على كتف بوسى المتوسدة على الفراش وهى تقول :
– معلش يا دكتورة هى بس حالتها النفسية تعبانة شوية
لترد الطبيبة بشكل روتينى :
– لا مش هينفع كدة , البيبى بيتأثر بالزعل , حاولوا تخرجوها من الجو اللى هى فيه دة
أماءت المربية بأسى دون أن تتحدث , وهى تحتضن بوسى بحنان
***********************************
عاد إلى المنزل ليلاً كعادته ليجد المربية فى إنتظاره , فقال :
– ازيك يادادة
– الحمد لله يابنى
– الدكتورة جت لبوسى ؟
ردت ببعض الحزن :
– ايوة
ليقول ببعض القلق :
– خير الدكتورة قالت فى حاجة ؟
قالت ببعض الحرج :
– هى بصراحة قالت ان الزعل مأثر على بوسى , وقالت المفروض نبعدها عن أى حاجة تزعلها
نظر لها بتمعن , وهو يقول :
– وهى عرفت منين انها زعلانة ؟
– ماهو باين على وشها وعلى عنيها اللى ورمت من كتر العياط يا حبة عينى
زفر وهو يمسح على رأسه , ثم قال :
– ربنا يصلح الاحوال يا دادة
وصعد إلى غرفته وهو فى غاية الحزن , أغلق إضاءة الغرفة وجلس فى الظلام , فهو لا يعلم كيف يحل تلك المشكلة ؟
كان يخشى عليها رغم ما حدث , ولكن قلبه لم يكن يقوى على الغفران لازال يقطر دماً
خرج من غرفته متوجه إلى غرفتها أنصت خارجها فسمع صوت نحيبها ككل ليلة , فتح باب الغرفة دون إستئذان إنتفضت عندما رأته يقف أمامها بعد أن أغلق باب الغرفة
كانت تحدق به من بين دموعها , فقال بوجه جامد :
– كفاية عياط
مسحت دموعها بظهر يدها وهى تنظر له ببراءة طفلة يعاقبها والدها , هكذا شعر تجاها , كاد أن يحتويها ويضمها إلى صدره
لكن كان هناك ما يخنقه ويحول بينه وبينها
كانت تنظر له بضعف إمرأة فقدت أغلى ما عندها , وأفاقت بعد أن ضلت الطريق
قال بنفس جموده :
– مش عايز اشوفك بتعيطى تانى
قالت وهى تشعر بمدى إحتقاره لها , وعدم إكتراثه لما هى فيه :
– حاضر يا حسام مش هعيط تانى
زادت شهقاتها الباكية وهى تتابع :
– اقولك انا هدوس على الزورار وهبطل عياط فوراً
لم تستطع السيطرة على نفسها فدخلت فى نوبة من البكاء إرتعش لها جسدها
أما هو فظل جامداً ينظر لها , ثم توجه إليها وأمسكها بيديه من ذراعيها , فزعت ورفعت رأسها لتصطدم بنظراته الحادة وهو يقول بنبرة جامدة تفتقر للشعور بحالها :
– قلتلك كفاية عياط , انا مش مستعد أضيع ابنى منى عشان خاطر سيادتك مش قادرة تتحكمى فى نفسك
نظرت له بأعين غير مصدقة لتلك القسوة الذى أصبح عليها , كانت ترتجف بين يديه وهو مصوب عينيه على عينيها
قالت بصوت حزين :
– حاضر يا حسام هبطل عياط عشان احافظ على ابنك
صمت قليلاً وهو لا يزال على حاله , ثم ترك ذراعيها وغادر الغرفة وهو يشعر بتصارع المشاعر داخله , دلف إلى الحمام ووضع رأسه تحت الصنبور ليطفئ تلك النار التى إشتعلت بها , أغلق الصنبور ونظر لنفسه بالمرأة وقطرات الماء تنساب على وجهه , وهو يتذكر شكلها وهى تبكى أمامه بحرقة , هو يشعر نحوها بمشاعر متناقضة , عطف وقسوة , شوق ونفور , حب و ……
أخرجه من صراعه مع نفسه صوت رنين هاتفه , أخرجه من جيبه ورد بلهفة :
– ازيك يا امى ؟
ليأتى الصوت من الطرف الأخر :
– الحمد لله ياحبيبى , عامل اية ؟
– كويس
– حاسة صوتك مضايق , بوسى جرالها حاجة ؟
– الحمد لله احنا بخير وبوسى بقيت كويسة والدكتورة سمحتلها تقوم من السرير خلاص
– بس انا حاسة ان انت فيك حاجة
– متقلقيش يا امى انا بخير
– طيب ادينى بوسى اسلم عليها
قال ببعض التوتر :
– هى نايمة
– طيب يا حبيبى ابقى سلملى عليها , وخلى بالك منها يا حسام وحطها فى عنيك
قال بألم :
– حاضر
أغلق الهاتف وهو يشعر بالثقل الذى زاد فوق رأسه
*************************************
إستيقظت صباحاً على غير عادتها , تأنقت وإرتدت ملابسها الفاتنة الجذابة ويعلو وجهها ملامح الإنتصار , فاليوم سوف ترى سقوط غريمتها , حتى تفيق لإنتقامها من ياسر الذى سحقها بلا رحمة
فهى تشعر بالسعادة التى سوف تحققها بإنتقامها منهم
ركبت سيارتها وفى حوزتها ذلك التسجيل الذى دبرته هى وتامر لبوسى , متجهة إلى حسام فى العمل , نظرت إلى نفسها فى مرأة السيارة وهى تعدل خصلات شعرها الثائرة , نظرت للطريق أمامها وهى تنطلق بسيارتها مسرعة
كانت تستمع لأنغام الموسيقى بإستمتاع وهى تدندن معها عندما لمحت تلك الإشارات الضوئية التى تصدر عن السيارتان اللتان يسيران خلفها , نظرت لهما بتأفف وهى تشعر بإشمئزاز من ركابها وهى تقول :
– اوف هو انا مش هخلص بقى من حركات المعاكسة البيئة دى
لتتقدم السيارتان لتصبحا تحوطان سيارتها , ليخرج من النوافذ رؤس الشباب الذين يركبوها , ويبدأوا فى إلقاء بعض الكلمات المعبرة عن جمالها , مع إلقاء بعض الألفاظ البذيئة التى جعلتها تنظر لهم شذراً وبدأت تحاول الفرار منهم دون جدوى لأنهم لم يعطوها الفرصة لذلك , بدأوا فى تضييق الخناق عليها حتى جعلوا سيارتها تخرج من الطريق لتنحرف داخل الصحراء
كانت تشعر بالفزع وهى لا تعرف كيف لها أن تتصرف فى ذلك الموقف , حاولت جاهدة أن تخرج من هذا الفخ الذى نصبوه لها ولكن كثرتهم غلبت ضعفها , كانت تصيح بهم أن يكفوا ويتركوها لحالها , ولكنهم قابلوا صرخاتها المترجية بالضحك والمزاحات والإستزادة فى تضيق الخناق عليها , حتى جعلوها تتوقف بالسيارة فى وسط الصحراء
ترجلوا جميعاً من السيارتان , كانت تنتفض فزعاً وهى تحدق بهم وهم يقتربوا منها , لم يستطع عقلها إحصاء عددهم
كانت على وجوههم إبتسامات خبيثة ماكرة وهم يهموا بفتح باب السيارة ونزعها منها , رغم تشبثها بالمقعد لم تستطع المقاومة كانت تنتحب وهى تترجاهم أن يتركوها ولكن ذلك جعلهم يستزيدوا فى ما يفعلوا
أركبوها داخل إحدى السيارات رغماً عنها وما إن دخلت حتى بخ أحدهم سائل على وجهها جعلها تفقد وعيها بعد إستنشاقه
وأسرعوا بسياراتهم ليتوجهوا بها إلى حافة الهاوية

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *