انا اسف اسف

-أنا آسف. آسف ماقصدش أخضك و الله.. إنتي كويسة …

 

لم تقوَ على الرد في الحال، المفاجأة تقريبًا شلّتها، ليتفاقم قلقه و هو يقترب منها بحذرٍ قائلًا :

-نور ! إنتي سمعاني ؟ أنا ماكنش قصدي أخضك. أنا كنت نازل و سمعت خطوتك.. كان بودي أسلّم عليكي بس… نور !!

 

إستغرقها الوضع الحساس لحظاتٍ طويلة، حتى تمكنت من النطق أخيرًا :

-أنا… كويسة !

و كأن عقدة لسانها حُلّت، مضت متسائلة ببلاهةٍ صبيانية :

-و إنت إزيك عامل إيه ؟

إبتسم رغمًا عنه و قال مسترخيًا فجأة :

-الحمدلله.. تمام. إيه إللي موقفك على السلم كده ؟

 

أشارت “نور” بيدها قائلة :

-كنت جاية أشوف بابا. بس شكله مش جوا

وافقها : هو فعلًا مش جوا. أنا لسا سايبه مش شوية هنا و كان قال نازل يفطر تحت مع إخواتك

-إمم ! .. همهمت بتفهمٍ

ليسألها بطريقة غير مباشرة :

-إنتي أكيد مش هاتنزلي تحت تاني صح ؟

عقدت حاحبيه …

-لأ أكيد هانزل. وعدت رزق إني هانزل و هاتصالح مع سلمى

-هو إيه إللي حصل يا نور ؟

صمتت أمام سؤاله بلا نية في الإجابة …

فواصل متخذًا خطوة أخرى صوبها :

-أنا عارف إنكم أختين مع بعض. و جايز ده مايخصنيش.. بس أنا مش قادر أرمي من على كتفي إنك مسؤوليتي. إللي يزعلك يزعلني. ماتستغربيش.. أنا من ساعة ما شوفتك و إنتي دايمًا في بالي. حتى لو ماكنتيش بنت سالم الجزار. كنت راجعلك. النشار ماجبلكيش سيرة ؟ أنا كنت طلبتك منه. في نفس اليوم إللي شوفتك فيه من سنتين و شوية …

 

حدقت فيه ملء عينيها و بقيت صامتة، فسألها بوهنٍ :

-إنتي ساكتة ليه ؟ كلميني. معقول مش فاكرة اليوم إللي قضيناه سوا ؟!

-فاكرة ! .. جاوبته متذكرة أحداث ذلك النهار كله حتى الأمسية الرائعة

كانت تحتفظ بتلك الذكريات في عقلها مثل أفلامٍ قصيرة تلجأ إليها في وحشة الليالي و زحام النهار …

يستطرد “علي” شاملًا إياها بنظراتٍ فوضوية مبهورة :

-لما شوفتك هنا ماصدقتش.. البنت الوحيدة إللي لمست حاجة جوايا. إللي قدرت تحرك حاجات كنت مفكر إنها إستحالة تتحرك لواحدة.. فجأة بقت قصادي. لأ و أصلًا مكتوبة على إسمي.. و الأكبر من كده إنها عارفة و طلعت بتبادلني نفس المشاعر !!!!

أخذ قلبها يطرق صدرها بعنفٍ الآن حين قطع المسافة الباقية بينهما ليذر بضع سنتمترات قليلة فقط، و يقول بصوته الخفيض العذب مثبتًا عينيه الحادتين بعينيها الواسعتان البريئتان :

 

-قوليلي يا نور.. إنتي حبتيني بجد ؟

من جديد اومأت له أن نعم

ليكتم صيحة بداخله شادًا على أسنانه، لوهلةٍ خشت تصرفاته، إلى أن تابع :

-إنتي خسارة فيا. تعرفي ده ؟ خسارة فينا كلنا.. لما شوفتك امبارح و انتي منهارة و بتعيطي. عرفت إن حياتك لو كملتيها هنا هـ …

لم يستطع إكمالها، فتجاوزها و أضاف هازًا رأسه كأنما يحاول إقناع نفسه بالمقام الأول :

-أنا ماستهالكيش يا نور !

-مش فاهمة قصدك !! .. أجفلت باضطرابٍ

حاول أن يشرح لها :

-أنا خايف عليكي !

ذهلت معقّبة : من إيه ؟

نظر “علي” لها نظرة قاسية و جاوبها :

-مني !

فغرت فاها و رفعت حاجبيها غير قادرة على الاستيعاب مطلقًا :

-إنت.. بتقول. كلام غريب أوي.. أنا مش فاهمة أي حاجة… إنت مش عايز تتجوزني يعني ؟!!

 

تجرأ الآن بوضع كفه على خدها الأيمن و قال بما يشبه الهمس المنفعل :

-أنا مابقتش عاوز أي حاجة من حياتي غيرك. من يوم ما شوفتك… بس خايف أزعلك. خايف تكرهيني في يوم من الأيام. عاوز أبعدك عني. و في نفس الوقت مش طايق فكرة إنك تبعدي أو إن قلبك يميل لحد غيري بعدين !

لم تكن تعي حقًا معاني كلماته، أو أبعاد معاناته، لكنها فهمت أمرًا واحدًا فقط

أنه بالفعل خائف، لذلك كان عليها أن تطمئنه، و هو ما فعلته

إذ أخذت بيده الأخرى و ضمتها بقبضتيها الناعمتين، و قالت مبتسمة برقة :

-ماتخافش يا علي. لو مشاعرك حقيقية و واثق من حبك.. ماتخافش. أنا كمان بحبك. و مش خايفة !

تلك الجنيّة الصغيرة

لو تعلم فقط أن كلماتها لم تفعل شيئًا إلا زيادة مخاوفه أكثر، و إشتداد وساوسه بأنها قابلة للكسر كثيرًا، و أنه لن ينجح طويلًا بابقائها سليمة …

 

تتظاهر بالنوم منذ الصبيحة، موعد إستيقاظها قد مرّ، و هي لا تزال قابعة بين الفرش و الدثائر

مكتئبة، حزينة، تشعر بسخونة و إلتهاب خدها، حيث الصفعة التي تلقّتها من كف أبيها، لأول مرة في حياتها تنال منه مثل هذا العقاب

لو يعلم كم ذلك قاسي عليها.. إذا كانت معتادة ما كانت لتجزع… لكن المعضلة الكبرى أنه كان يعاملها كماسة تاجه

حتى تبيّن لها بالأمس أن تاجه الحقيقي كان و سيظل دائمًا “نور”… أختها التي ظهرت بحيانها كعفريت.. لتسرق منها كل شيء و تسلبها حب و إهتمام أبيها و جميع المحيطين بها

الآن هي مجرد نكرة

نكرة …

أطبقت “سلمى” عينيها بشدة في هذه اللحظة، عندما سمعت قرعًا على باب غرفتها، لم تمر لحظة إلا و إنفتح الباب، في البادئ لم تعرف من

لكنها بعد قليل أحست بالفراش يثقل بجوارها، و سمعت احتكاك بعض الأواني و الصحون ببعضها، ثم جمدت حين تغلغل بأذنها صوت أبيها :

 

-قومي يا سلمى. أنا جايبلك الفطار بنفسي لحد هنا.. قومي يا سلمى أنا عارف إنك صاحية !

و إرتعدت بقوة عندما لمس ساقها، سحبت نفسها و قامت لتجلس على مسافة منه، كان شعرها الناعم ينهمر فوق وجهها مخفيًا عيناها المتوّرمتان من البكاء طوال الليل

طوت ساقيها و أحاطت بهما ذراعيها و مكثت هادئة أمامه، ليطلق نهدة حارة من صدره و هو يرنو إليها بنظراتٍ آسفة :

-تصدقي لو قلت لك أول مرة في حياتي أحس إني تعبان ؟ أول مرة قلبي يترعش بين ضلوعي. دماغي تلف.. رجلي ماتشلنيش.. كل ألم نزل على وشك من كفي ده يا سلمى. كان بينزل على قلبي الأول. على أد حزنك و زعلك مني. حسيت بكل إللي حسيتي بيه بسببي.. أراهنك إنك ماعرفتيش تنامي طول الليل. لأني أنا كمان مادوقتش طعم النوم !

لا زال لم ينجح باستمالة قلبها إليه، فأردف مادًا يده إليها :

-إنتي حتة من قلبي يا سلمى. إنتي بنتي حبيبتي.. إنتي الوحيدة إللي اسمك على اسمي. سلمى.. سلمى سالم الجزار. إزاي فكرتي إني مابحبكيش ؟ أو إن ممكن حد يزحزحك من مكانتك عندي. حتى لو نور.. كل واحدة فيكوا ليها مكانة خاصة. و كل واحدة بحبها بنفس الدرجة حتى لو اختلفت المعاملة.. انتي فكرتيني باخوكي مصطفى و موقفه من اخوكي رزق طول عمره. يمكن هو ده إللي جنني. و خلاني أعمل فيكي كده و ماشوفش قدامي …

 

استرقت بعض النظرات إليه من خلال غلالة شعرها المتشابكة، فابتسم بحزنٍ و تأوه محتذبًا إياها بقوة لتستقر بين أحضانه في لحظة :

-حبيبتي يابنتي. حبيبتي يا سلمى. حقك على عيني. على راسي.. دموعك الغالية. قوليلي أعمل إيه عشان أمسحهم من جواكي… قوليلي يا سلمى عايزة إيه.. إللي إنتي عايزاه أنا هاعملهولك.. قولي يا حبيبتي …

و كأن أخرى نطقت بلسانها، و لكن في الحقيقة كانت هي، بمنتهى الثقة و الثبات قالت :

-أنا عايزة أتجوز عاصم السويفي يا بابا !

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *