ابن اختي حكايات بسمة الاخير

الصوت الحاد كان بيزيد سرعة وقوة، كأنه عد تنازلي لشيء كارثي. ريحة غاز قوية ونفاذة بدأت تنتشر في الأوضة بسرعة رهيبة.

ياسين صرخ وهو بيكح:

— الغاز يا خالي! حازم موصل المحبس الرئيسي للبيت بنظام إشعال ذاتي كهربي تحت السرير! لو الشرطة دخلت وفتحت الباب بالكهربا أو أي شرارة حصلت، الشقة كلها هتنفجر!

حازم ضحك بجنون وهو بيتراجع لورا ناحية الشباك:

— مفيش حد هيخرج من هنا ومعاه ورق يدمرني! الورق ده هيموت هنا.. وإنتو معاه!

في اللحظة دي، الباب الخارجي للشقة اتكسر بقوة، ودخلت قوة من الشرطة يقودها ضابط برتبة رائد، وتحت إيديهم مراتي اللي كانت بتصرخ وهي مكلبشة. الضابط شم ريحة الغاز وصرخ في عساكره:

— بسرعة! اقطعوا كهربا العمارة كلها من المفتاح الرئيسي بره! حدش يشغل كشافات أو تليفونات!

حازم لما شاف الضابط داخل الأوضة، رمى نفسه من شباك الدور الأول على جنينة البيت وهرب في الضلمة. الضابط صرخ:

— وراه! امسكوه بسرعة!

ياسين مجريش ورا حازم، لكن عينه كانت على شيء واحد.. الظرف الأحمر والعلب اللي جوه الخزنة. رمى نفسه على الأرض وسط ريحة الغاز الخانقة اللي بدأت تسحب الأكسجين من الأوضة، وسحب الظرف الحديدي بقوة. أنا جريت عليه وسحبته لبره الأوضة وإحنا بنكح ودموعنا نازلة من خنقة الغاز.

المحامي عادل كان واقف بره في الصالة، ملامحه كانت هادية زيادة عن اللزوم برغم الفوضى وصراخ مراتي والشرطة اللي بتجري ورا ابني في الشارع. بصيتله بشك وأنا باخد نفسي بصعوبة:

— أستاذ عادل.. إنت كنت عارف إن فيه غاز وفيه خطر هنا؟ ليه م حذرتناش؟

عادل ميردش عليا، وبص لياسين وقال بنبرة غريبة وجافة:

— ياسين.. هات الظرف ده بسرعة. لازم أحفظه في أحراز الق*ضية قبل ما يضيع أو يتلف من الغاز.

ياسين، برغم التعب والخمول اللي كان مسيطر عليه بسبب السموم اللي كان بياخدها سنين، تراجع خطوتين لورا وحضن الظرف لصدره وقال بنبرة شك:

— لأ يا أستاذ عادل.. أمي قالتلي في وصيتها الشفوية القديمة.. “الظرف الأحمر ميسلموش ياسين إلا للقاضي بنفسه في المحكمة.. ومحدش يلمسه قبله.”

ملامح المحامي عادل اتغيرت في ثانية. البرود والهدوء اللي كان عليه اختفوا تماماً، وحل مكانهم نظرة غل وتهديد واضحة. خطى خطوة سريعة ناحية ياسين ومد إيده بقوة عشان يشد الظرف منه، لكن أنا وقفت في النص وزقيته بعيد.

— في إيه يا متر؟ الولد قالك مش هيسلم الظرف غير في المحكمة! إنت مستعجل عليه كده ليه؟

الرائد أحمد (ضابط المباحث) دخل الصالة بعد ما العساكر أمنوا محابس الغاز وفتحوا الشبابيك كلها للتهوية. بص لعادل بشك وقال:

— في إيه هنا؟ إيه الظرف ده؟

عادل اتوتر بسرعة وقال:

— يا فندم ده حرز أساسي في القض/ية، وأنا كمحامي الضحية لازم أستلمه عشان أقدمه للنيابة مع بلاغ الاختطاف والقت/ل.

ياسين صرخ بصوت عالي وهو بيفتح طرف الظرف الأحمر اللي كان مقفول بالشمع، والورق بدأ يظهر منه:

— لأ يا حضرة الضابط! المحامي ده كداب! بص على الورقة دي!

ياسين سحب ورقة من الظرف، وكانت عبارة عن عقد بيع وتنازل عن نص أطيان أمي.. والمشتري مكنش مراتي، ولا حازم..

المشتري كان “عادل عبد الرحمن”.. المحامي نفسه! وبسعر بخس جداً وتاريخ العقد كان من 5 سنين! يعني في وسط فترة حبس أمي!

وقعت الصدمة عليا تاني كأنها جبل بيهد فوق راسي. بصيت لعادل وأنا مش مصدق:

— إنت؟ إنت شريك معاهم؟ إنت اللي كنت بتخلص لمراتي ورق التنازلات وبتشتريه لنفسك؟

عادل تراجع لورا وبدأ يحس إن الخناق بيضيق عليه، خصوصاً مع نظرات الضابط أحمد اللي شاور لعساكره يقفلوا باب الشقة ويحاصروه. عادل ضحك بسخرية وقال:

— هههه.. فادية هي اللي عرضت عليا البيع عشان تشتري حريتها! مرتك كانت حابساها، وأنا كنت الوسيط اللي بيقنع فادية تمضي على التنازلات مقابل إننا نخفف عنها التعذيب ونبطل ندي ابنها السم! أنا مكنتش شريك في الحبس.. أنا كنت مجرد رجل أعمال بيستغل الفرصة!

الضابط أحمد قرب منه وكلبش إيده بعنف:

— استغلال فرصة في ج/ريمة خط/ف وتع/ذيب وق*تل بالسم؟ ده إنت ليلتك سودا يا متر.

مراتي اللي كانت قاعدة في الأرض بتعيط، بصت لعادل وبدأت تصرخ وتضحك بهستيريا:

— شوفت؟ قلتلك محمود هيعرف! قلتلك ياسين مش غبي وهيلاقي الخزنة! إنت اللي قولتلي سيبيهم وأنا هأمنلك الورق وأخلي الحكومة تقبض على محمود لوحده! إنت اللي دمرتنا!

الضابط أحمد شاور للعساكر:

— خدوهم على البوكس فوراً.. واعملوا نشرة سريعة للقبض على المدعو حازم محمود.

وقفت في وسط الصالة وأنا حاسس إن حياتي كلها كانت كدبة كبيرة. مراتي، ابني الكبير، والمحامي اللي كنت فاكره جاي ينقذنا.. كلهم كانوا عصابة بتنهش في جثة أختي وابنها اليتيم بقالهم عشر سنين.

قربت من ياسين، وطبطبت على كتفه وأنا كلي خجل وندم:

— ياسين.. أنا مستعد لأي عقاب.. حتى لو المحكمة سجنوني بتهمة الإهمال أو عشان الحساب اللي باسمي.. أنا مش هدافع عن نفسي. أنا مستعد أدفع تمن غفلتي.

ياسين بص للظرف الأحمر في إيده، وسحب منه ورقة تانية صغيرة كانت مطوية بعناية. بص فيها وعينيه وسعت برعب حقيقي، كأنه قرأ شيء فاق كل التوقعات اللي فاتت.

مسكت دراعه بخوف:

— في إيه يا ياسين؟ الورقة دي فيها إيه تاني؟

ياسين بصلي وصوته كان بيرعش لدرجة مسمعتش زيها من أول الأزمة:

— خالي.. أمي مكنتش كاتبة الاتهام ده ليك ولا لمراتي بس..

سألته برعب:

— أومال لمين؟

ياسين شاور بصابعه المرتعش على السطر الأخير في الرسالة وقال:

— أمي كاتبة إن الشخص اللي دل مراتي على مكان السم البطيء.. واللي كان بيساعد حازم في تركيب الجرعات.. والمسؤول الأول عن موت أبويا.. هو شخص عايش في البيت ده من زمان.. ومش حازم ولا مراتي..

بصيت للورقة وقريت الاسم المكتوب.. وحسيت إن قلبي وقف عن النبض تماماً لما شوفت الاسم!

بصيت في الورقة، الكلمات كانت واضحة كأنها مكتوبة بنار في عيني. الاسم اللي كان مكتوب هو: **«الجد… والدك يا محمود.»**

سقطت الورقة من إيدي، وحسيت إن دماغي هتنفجر. والدي؟ الراجل اللي كان بيصلي الفجر في الجامع، الراجل اللي كان بيقعد يقرأ القرآن بالساعات، الراجل اللي كان ياسين بيحبه وبيعتبره جده الحنين؟

ياسين كان في حالة صدمة، صوته كان بيطلع بالعافية:

— خالي.. جدو هو اللي كان بيجيب السم؟ هو اللي كان بيوافق على كل ده؟

بصيت ناحية أوضة جدي اللي في آخر الطرقة. كانت مقفولة كالعادة. في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط بالراحة على باب أوضته، وفتح الباب وطلع جدي.. كان ماشي ببطء، ماسك عكازه الخشب، وعيونه كانت باردة بشكل مرعب، خالية من أي إحساس بالذنب.

بص لنا.. بص لياسين وللظرف اللي في إيده، وبعدين بص لي بابتسامة صفراء مشت مع ملامحه العجوزة.

— كنت عارف إن اليوم ده هييجي.

اتسمرت في مكاني. صوتي طلع هامس:

— بابا؟ إيه اللي مكتوب ده؟ أختي بتقول إنك إنت اللي كنت بتساعدهم؟ ليه؟ ليه تعمل في بنتك كده؟

الجد مشي خطوات ناحية الصالة، وقف قدامنا، وبص لياسين بنظرة حادة:

— عشان الفلوس يا محمود. عشان العز اللي عيلتنا كانت فيه، والفلوس اللي بدأت تخلص، والديون اللي كانت محاصرة تجارتي. فادية كانت غبية، كانت عايزة توزع الورث وتتبرع بجزء منه للجمعيات الخيرية، وأنا مكنتش هسمح بضياع مليم واحد من اللي تعبت فيه طول عمري.

سكت لحظة، وكمل بنبرة عدوانية:

— مرتك كانت طماعة، وحازم كان محتاج دفعة صغيرة عشان يبدأ يكره ياسين، وأنا اللي كنت بحط الخطة. كنت أنا العقل المدبر ورا كل ده، من أول سم جوز أختك لحد حبسها في الملحق.

ياسين صرخ:

— دي بنتك! دي لحمك ودمك!

الجد ضحك ضحكة قاسية:

— الدم بيخلص يا ياسين، لكن الفلوس بتفضل. لما عرفت إن فادية بدأت تشك فيا، قررت أتخلص منها نهائياً، بس مرتك اللي اقترحت فكرة الحبس عشان نستنزف حساباتها البنكية بالتدريج.

بصيت له وأنا حاسس إن كل ذكرياتي معاه بتتحرق.

— إنت شيطان.. أنا هسلمك للشرطة بنفسي.

الجد مد إيده في جيبه، طلع مسدس صغير.. مسدس قديم، وبص لنا ببرود:

— أنا ماليش مكان في السجن يا محمود. وعمري ما هسمح لمراهق زيك (بص لياسين) ولا لمجرمة زيك (بص لمراتي اللي كانت لسه مكلبشة جنب الضابط) إنكم تنهوا تاريخي.

الرائد أحمد حاول يتدخل، لكن الجد رفع المسدس في وشه بسرعة:

— ابعد يا ضابط.. لو خطوة واحدة، هفرغ الرصاص ده في صدر حفيدي اللي بيمسك الظرف الأحمر ده!

ياسين كان ماسك الظرف قدامه كأنه درع. الجد كان بيتحرك ناحيتنا ببطء، والشرطة محاصراه بس مفيش حد قادر يقرب عشان ميهددش حياة ياسين.

في لحظة غفلة من الجد، ياسين رما الظرف في الأرض بقوة في اتجاه الضابط، وانحنى عشان يتحرك، بس الجد أطلق رصاصة.. الصوت هز البيت كله!

صرخة ياسين ملأت المكان، بس الرصاصة مكنتش فيه.. كانت في إيدي أنا اللي حاولت أقف قدام ياسين عشان أحميه!

وقعت على الأرض، ودمي بدأ يغرق السجادة. الشرطة في اللحظة دي هجموا على جدي، صوت اشتباك، وصوت ضرب، ولحظات من الفوضى العارمة.. لحد ما سمعت صوت الكلابشات وهي بتتقفل في إيد والدي اللي كان بيشتم ويصرخ.

آخر حاجة شفتها قبل ما أغيب عن الوعي هي ياسين، اللي كان بيعيط وهو بيضغط على جرح إيدي بإيدين مرتعشة، وصوت الضابط أحمد وهو بينادي على الإسعاف.

 

فتحت عيني ببطء… ريحة المطهرات وجدران المستشفى البيضا كانت أول حاجة شوفتها. الألم في كتفي كان لسه بيصرخ، بس الألم اللي في قلبي كان هدي شوية لما عيني جت عليه.

ياسين كان قاعد على الكرسي اللي جنب السرير، راسه ساندة على إيدي السليمة، نايم من التعب والدموع معلمة على وشه.

حركت صوابعي بالراحة، فصحى مخضوض. أول ما شافني صاحي، عينه لمعت بدموع الفرحة:

— الحمد لله على سلامتك يا خالي.. كنت خايف تروح مني إنت كمان.

ابتسمت بضعف وقلتله بصوت مبحوح:

— أنا عايش يا ياسين.. عشان أكفر عن غفلتي.. وعشان أعوضك عن كل يوم عشته في بيتي وإنت حاسس إنك غريب.

الضابط أحمد دخل الأوضة بعد شوية، وعلامات الارتياح على وشه. بصلنا وقال:

— حمد لله على السلامة يا بطل. رصاصة جدك جت في الكتف والحمد لله ملمستش شريان رئيسي.

سألته بلهفة وخوف:

— وبابا؟ ومراتي؟ وحازم؟

الضابط أحمد اتنهد وقعد على طرف الكرسي:

— العدالة أخدت مجراها يا محمود. جدك اعترف بكل حاجة بعد ما اتحاصر بالأدلة والظرف الأحمر اللي فادية الله يرحمها سابته. النيابة وجهتله تهمة التحريض والاشتراك في الق*تل العمد والاخ*تطاف، وبسبب سنه وصحته المتدهورة، غالباً هيقضي اللي باقي من عمره في مستشفى السجن وسط ذله وفضيحته.

وكمل وهو بيبص لياسين:

— أما مراتك والمحامي عادل، فالتهم لابسهم من ساسهم لراسهم. تزوير، اختط*اف، تعذ*يب، وقت*ل عمد بالسم لجوز أختك. العقوبة هتوصل للإعدام أو المؤبد على أقل تقدير.

سألته عن ابني بقلب مكسور:

— وحازم؟ ابني حازم فين؟

— اتمسك وهو بيحاول يهرب على طريق السفر. انهار في التحقيقات واعترف بكل حاجة.. حقد أمه وجدك زرعوا فيه شيطان، وبدل ما يحميك ويحمي ابن عمته، بقى شريك في تسميمه وحبس عمته. هو كمان مستقبله ضاع ورا القضبان.

الضابط مشي وسابنا لوحدنا.

بصيت لياسين اللي كان باصص من الشباك للسما الواسعة. سألته:

— والفلوس يا ياسين؟ أطيان أمك وورثها؟

ياسين لف وبصلي بابتسامة صافية:

— المحكمة جمدت كل الأرصدة والتنازلات المزورة رجعت باطلة. الورث كله رجع ليا يا خالي. أنا بقيت غني جداً بالورق.. بس الحقيقة، أنا مكنتش عايز من الدنيا دي كلها غير حضن حنين يحسسني بالأمان.. وده اللي إنت عملته لما أخدت الرصاصة مكاني.

مد ياسين إيده تحت الكرسي، وطلع الحصالة القديمة الكبيرة. حطها على السرير قدامي.

— الحصالة دي لسه فيها الفلوس يا خالي. «تمن الأكل اللي كلته عندك».

دموعي نزلت:

— لسه فاكر الوجع ده يا بني؟ ارميها.. ارميها في الزبالة أنا مش عايز أشوفها.

ياسين مسك إيدي السليمة وضغط عليها:

— لأ يا خالي.. الفلوس دي مش تمن أكل بجد. الفلوس دي كانت رمزي للحريّة اللي كنت بحلم بيها. بس دلوقتي، أنا هستخدم الفلوس اللي جوه الحصالة دي في حاجة تانية.

— حاجة إيه؟

— هنبني بيها مستوصف خيري لعلاج الغلابة في البلد، وباسم أمي «فادية». الملحق القديم اللي اتحبست فيه عشر سنين، هنهده ونبني مكانه دار رعاية للأيتام.. عشان مفيش طفل يتيم يدخل بيت ويحس إنه تقيل أو يدفع تمن لقمته تاني.

بصيت لياسين بفخر ملوش حدود. الطفل الهادي الزيادة عن اللزوم، كبر وبقى راجل بقلب أنقى من الذهب برغم كل السموم والشرور اللي عاش وسطها.

سحبته لحضني بكتف واحد سليم، وضمني ليه بكل قوته.

عشر سنين ضاعوا في الكدب والظلم، بس النهاردة، الشمس طلعت بجد على بيتنا.. شمس الحقيقة اللي دمرت الشياطين، وطهرت قلوبنا، وجمعتني بابن أختي اللي بقى ابني بجد.. وللأبد.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *