كل صباح

الجزء السادس
مسكت آخر ظرف…
وكان مختلف عن باقي الجوابات.
ورقه سميك.
وعليه اسم مكتب محاماة.
فتحت الظرف بهدوء.
وقريت:
“السيدة سحر…
نأسف لإبلاغكم أن السيد كريم توفي منذ ثلاثة أسابيع إثر أزمة قلبية مفاجئة.
وقبل وفاته، أوصى بتسليمكم الصندوق المرفق مع هذا الخطاب في حال وافقتم على استلامه.”
رفعت عيني.
قلت:
— يعني… جوزك مات؟
هزت رأسها ببطء.
دموعها كانت بتنزل من غير صوت.
قالت:
— مات… وأنا لسه زعلانة منه.
حتى ما لحقتش أقوله إني فهمت الحقيقة.
بصيت للصندوق الصغير اللي كان جنبها.
كان مقفول بمفتاح نحاس.
ناولتهولي.
وقالت:
— افتحه.
فتحت القفل.
كان جواه…
ساعة يد رجالي قديمة.
وسلسلة صغيرة عليها حرف “ل”.
وصورة.
الصورة كانت لسحر…
وجوزها…
وبنتهم ليلى.
الثلاثة بيضحكوا على البحر.
وتحت الصورة…
رسالة قصيرة.
بخط إيده.
“لو وصلتك الرسالة دي…
يبقى أنا مقدرتش أرجع.
ولو كنتِ سامحتيني… فده أكبر نعمة كنت أتمنى أموت وأنا عارف إنها حصلت.
ولو ما سامحتنيش… فأنا مستحق.
لكن أوعي تعيشي باقي عمرك وسط الذكريات.
ليلى كانت بتحب ضحكتك.
ولو كانت موجودة… كانت هتزعل لو شافتك بتموتي كل يوم.”
سحر انهارت.
حضنت الصورة…
وظلت تبكي لدقائق.
أنا ماعرفتش أقول أي كلمة.
لأن مفيش كلام يداوي الندم.
الجزء السابع
بعد أسبوعين…
اتفاجأت إن باب الفيلا مفتوح.
والحديقة مليانة أطفال.
ضحك.
وجري.
وألوان.
دخلت أسأل.
لقيت سحر لابسة مريلة مطبخ.
وبتوزع عصير على حوالي عشرين طفل.
ابتسمت أول ما شافتني.
وقالت:
— دول من دار الأيتام.
بقوا يجوا كل سبت.
قلت مبتسمًا:
— البيت رجع فيه حياة.
ردت وهي تنظر إلى صورة ليلى المعلقة على الحائط:
— البيت كان ميت…
بس مش لازم يفضل ميت.
سألتها:
— وأوضة ليلى؟
ابتسمت لأول مرة ابتسامة حقيقية.
وقالت:
— بقت مكتبة للأطفال.
أي طفل ييجي هنا…
ياخد كتاب أو لعبة.
زي ما ليلى كانت بتحب.
بصيت حواليا.
ماكنش فيه أكياس زبالة.
ولا صمت مخيف.
ولا ستارة مقفولة.
كان فيه نور داخل من كل الشبابيك.
وأصوات ضحك مالية المكان.
النهاية
في صباح من الأيام…
وأنا خارج أرمي كيس الزبالة بتاع بيتنا…
وقفت لحظة قدام الرصيف.
افتكرت اليوم اللي فتحـت فيه أول كيس.
يومها…
كنت فاكر إني هكتشف جريمة.
أو سر مرعب.
لكن الحقيقة…
إن أكتر الحاجات رعبًا…
مش اللي بنرميه في أكياس سوداء.
أكتر حاجة مرعبة…
هي الوجع اللي بيستخبى جوا القلوب.
ومن يومها…
بطلت أحكم على أي حد من اللي بشوفه.
لأن كل باب مقفول…
وراه حكاية.
وكل ابتسامة هادية…
ممكن تكون مخبية ألف دمعة.
وأدركت أن سحر لم تكن تتخلص من القمامة…
بل كانت، يومًا بعد يوم…
تحاول أن تتعلم كيف تعيش بعد خسارة لم تتخيل يومًا أنها ستنجو منها.
بعد سنة…
مرت سنة كاملة…
والحي كله بقى يعرف إن كل يوم سبت…
فيلا سحر بتتحول لمكان مختلف.
أصوات ضحك.
رسم.
حكايات.
وأطفال داخلين وطالعين.
لكن في صباح شتوي…
صحيت على صوت عربية وقفت قدام بيتها.
نزل منها راجل في أواخر الأربعينات.
شعره بدأ يشيب.
وماسك في إيده بوكيه ورد أبيض.
فضل واقف قدام الباب…
كأنه مش قادر يخبط.
سحر فتحت.
أول ما شافته…
وشها اتغير.
همست:
— حضرتك…؟
قال بصوت مكسور:
— أنا حسام…
أخو كريم.
اتجمدت مكانها.
آخر مرة شافته…
كانت يوم جنازة ليلى.
ومن بعدها…
العيلة كلها اختفت.
قال بهدوء:
— ممكن خمس دقايق؟
دخل.
وأنا من بعيد شفتهم قاعدين في الجنينة.
بعد ساعة…
لقيت سحر بتخبط على بابي.
وفي إيديها صندوق خشب صغير.
قالت:
— افتكرته ليك.
استغربت.
قلت:
— ليا أنا؟
ابتسمت.
وقالت:
— لأ…
عايزة حد يسمع الحكاية للنهاية.
قعدنا.
وقالت:
— حسام جابلي آخر حاجة كان كريم مخبيها.
فتحت الصندوق.
كان فيه فلاشة.
وشاحن قديم.
ورسالة.
شغلنا الفيديو.
ظهر كريم.
كان قاعد في أوضة بسيطة.
واضح إنه صور الفيديو بنفسه.
بص للكاميرا وقال:
“لو الفيديو ده اتفتح…
يبقى أنا مش موجود.
وسحر…
لو إنتِ بتشوفيه…
يبقى يمكن أخيرًا سامحتيني.”
وقفنا الفيديو لحظة.
سحر كانت بتبكي.
لكن طلبت مني أكمله.
رجع كريم يتكلم:
“عارف إن مفيش كلام هيرجع ليلى.
ولا هيشيل وجعك.
لكن في حاجة عمري ما قدرت أقولها.
يوم الحادث…
ليلى كانت نايمة في الكرسي الخلفي.
ولما العربية خبطتنا…
آخر كلمة قالتها قبل ما تغمض عينيها…
كانت:
‘بابا…
ماما متزعلش.’
كل يوم الجملة دي كانت بتقتلني.
وأقسمت…
لو في يوم قدرت أقف على رجلي…
هقضي باقي عمري أساعد أي طفل محتاج.
يمكن ربنا يسامحني.”
سكت الفيديو ثواني.
ثم ظهر كريم وهو بيبتسم لأول مرة.
وقال:
“ولو أنا مشيت قبل ما أحقق الوعد…
حققيه إنتِ.
اعمليه باسم ليلى.”
انتهى الفيديو.
والبيت كله سكت.
سحر قفلت اللابتوب.
ومسحت دموعها.
وقالت:
— عارف الأطفال اللي بيجوا كل سبت؟
قلت:
— أيوه.
ابتسمت وسط دموعها.
وقالت:
— من النهارده… المكان هيبقى مؤسسة رسمية باسم بيت ليلى.
مش علشان أفضل أفتكرها وهي ماتت…
لكن علشان أفضل أفتكرها وهي كانت بتحب تضحك.
بعد شهور…
اتعلقت لافتة صغيرة على سور الفيلا.
مكتوب عليها:
“بيت ليلى… لكل طفل محتاج مكان يشعر فيه بالأمان.”
وكل ما كنت بعدي من هناك…
كنت أفتكر أول كيس زبالة فتحته.
وأبتسم.
لأن الحقيقة…
ماكانتش بداية جريمة.
كانت بداية شفاء.
الجزء الأخير… بعد خمس سنوات
خمس سنين…
عدوا أسرع مما أي حد كان يتخيل.
“بيت ليلى”…
بقى معروف في المنطقة كلها.
كل طفل فقد أب أو أم…
كان يلاقي فيه حضن.
وكل أم موجوعة…
كانت تلاقي حد يسمعها.
أما سحر…
فشعرها بدأ يشيب.
لكن وشها…
بقى أهدى من أي وقت فات.
وفي صباح هادئ…
كنت بقص الورد قدام بيتي.
لقيت عربية تاكسي وقفت قدام الفيلا.
نزل منها شاب عنده حوالي خمسة وعشرين سنة.
شايل شنطة سفر صغيرة.
وقف قدام البوابة…
وبص للافتة المكتوب عليها:
“بيت ليلى”.
فضل واقف خمس دقايق…
كأنه بيجمع شجاعته.
بعدها خبط الباب.
سحر فتحت.
أول ما شافته…
استغربت.
قال الشاب بهدوء:
— حضرتك مدام سحر؟
قالت:
— أيوه.
طلع من جيبه صورة قديمة.
فيها بنت صغيرة…
لابسة فستان أبيض.
وقالت سحر وهي شهقت:
— دي… ليلى.
الشاب ابتسم بحزن.
وقال:
— وأنا يوسف.
يمكن حضرتك ما تعرفينيش…
بس أنا آخر طفل أنقذته بنتك.
اتجمدت سحر.
قال بسرعة:
— يوم الحادث…
قبل العربية ما تتقلب بثواني…
أنا كنت بعدي الشارع مع أمي.
وأنا جريت فجأة.
العربية كانت هتدوسني.
ليلى صرخت لأبوها…
وأشارت ناحيتي.
كريم لف العربية بعيد عني.
وده كان سبب الحادث.
سحر بدأت ترتعش.
وقالت:
— إنت… متأكد؟
هز رأسه.
وقال:
— أمي فضلت تدور عليكم سنين.
لكن ماعرفناش نوصلكم.
قبل ما تموت…
وصتني…
لو في يوم عرفت مكانكم…
أقول الحقيقة.
أنا عايش…
بسبب بنتكم.
ولو هي ما كانتش موجودة…
أنا ماكنتش هكون هنا.
وسكت.
ثم أخرج ظرفًا صغيرًا.
وقال:
— ده أول مرتب قبضته كطبيب.
كنت بحلم أديه للي أنقذ حياتي.
لكنها سبقتني.
فحبيت أقدمه لبيت ليلى.
رفضت سحر.
لكن يوسف قال بابتسامة:
— ده حقها.
مش صدقة.
ولا تبرع.
ده دين في رقبتي.
بكت سحر…
لأول مرة…
مش من الوجع.
لكن من الفخر.
رفعت رأسها للسماء…
وهمست:
— سمعتي يا ليلى؟
إنتِ ما رحتيش هدر.
أنقذتي روح…
وروح دي…
أنقذت مئات الأرواح بعدك.
وفي المساء…
علقت سحر صورة جديدة داخل المدخل.
لم تكن صورة حزن…
ولا عزاء.
كانت صورة ليلى وهي تضحك.
وتحتها عبارة واحدة:
“بعض الأعمار تكون قصيرة… لكن أثرها يعيش إلى الأبد.”
ومن يومها…
كل طفل يدخل “بيت ليلى”…
كان يرفع رأسه للصورة…
ويبتسم…
دون أن يعرف أن ابتسامته…
هي أعظم هدية وصلت إلى قلب أمٍ ظنت يومًا أن الحياة انتهت.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *