حكايات ندي الجمل الاخير

ظل الرائد كريم يردد الاسم في عقله وهو خارج من غرفة الحجز.
سامح…
الاسم نفسه اتكرر في الصورة القديمة، وفي رسالة الحاجة سعاد، وعلى لسان ليلى.
مصادفة؟
ولا مفتاح الق/ضية كلها؟
أول قرار أخده الرائد كان إعادة استجواب كل الموجودين في يوم كتب الكتاب.
بدأ بأحمد.
دخل أحمد المكتب، وشكله مرهق أكتر من أي وقت فات.
قال الرائد وهو بيحط الصورة قدامه:
“بص كويس.”
بص أحمد للصورة، ثم أبعد عينه بسرعة.
“شوفتها قبل كده.”
“مين الراجل اللي واقف جنبك؟”
تنهد أحمد.
“كنت فاكره موظف جديد في الشركة.”
“اسمه؟”
“اتعرف علينا باسم سامر.”
“يعني مش سامح؟”
سكت أحمد.
ثم قال:
“أنا معرفش اسمه الحقيقي.”
الرائد لاحظ ارتباكه، لكنه ما ضغطش عليه.
كان حاسس إن أحمد بيخبي حاجة… لكن مش هي اللي بيدور عليها.
في الوقت نفسه…
وصل خبر جديد قلب التحقيق.
اتوجدت ريم.
لكن مش في بيتها.
ولا عند أهلها.
كانت قاعدة في استراحة صغيرة على طريق الساحل.
أول ما شافت رجال الشرطة، قالت جملة واحدة:
“أنا ما هربتش.”
الرائد سألها:
“أمال اختفيتي ليه؟”
قالت وهي بتبص في الأرض:
“لأن فيه واحد بعتلي رسالة.”
“مضمونها إيه؟”
طلعت موبايلها وسلمته.
كانت الرسالة قصيرة جدًا.
“لو بتحبي تعيشي… ابعدي عن أحمد.”
رفع الرائد عينه.
“مين بعتها؟”
هزت رأسها.
“رقم مجهول.”
بعد ساعات…
رجعت الشرطة تفتش مكتب الحاجة سعاد للمرة الثالثة.
وأثناء رفع إحدى السجاد القديم، لفت نظر أحد الأمناء لوح خشب شكله مختلف عن باقي الأرضية.
نادى الرائد.
ولما رفعوا اللوح…
لقوا تجويفًا صغيرًا.
جواه علبة معدنية.
فتحها الرائد بحذر.
كانت فاضية…
إلا من مفتاح صغير جدًا، وصورة لطفلين.
أحدهما أحمد.
أما الطفل الآخر…
فكان مكتوب خلف صورته:
“أخويا… مهما بعدت الأيام.”
وقف الرائد مكانه.
همس:
“يعني سامح مش شخص غريب…”
“ده أخو أحمد.”
في نفس اللحظة…
كان أحمد واقف في شرفة بيته، يبص للشارع.
سمع جرس الباب.
فتح.
ملقاش حد.
لكن على الأرض كان فيه ظرف أبيض.
فتحه بسرعة.
جواه صورة قديمة له وهو طفل.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط واضح:
“لسه فاكر اليوم اللي ضاع فيه أخوك؟”
وقع الظرف من إيده.
ولأول مرة منذ بداية الق/ضية…
انهار أحمد وبكى.
لأنه أدرك أن الماضي الذي أخفته والدته طوال ثلاثين سنة…
عاد ليطالبه بالحقيقة.
كانت الساعة قربت على اتنين بعد منتصف الليل.
الرائد كريم كان قاعد لوحده في مكتبه، قدامه كل ملفات الق/ضية مفتوحة.
صورة الحاجة سعاد…
رسالتها…
الصورة اللي فيها سامح…
وورقة الاعتراف اللي وقعتها ليلى.
بص في الورق وقال لنفسه:
“كل واحد فيهم كدب… لكن كل واحد كدب في حتة مختلفة.”
وفجأة…
رن تليفونه.
رقم خاص.
رد بسرعة.
جاله صوت راجل هادي:
“لو عايز الحقيقة… تعالى المخزن القديم.”
وقبل ما يسأله أي سؤال…
الخط اتقفل.
بعد نص ساعة…
وصل الرائد للمخزن.
المكان كان مهجور من سنين.
فتح الباب بحذر.
وبمجرد ما دخل، سمع صوت بيقول:
“اتأخرت.”
لف بسرعة.
كان أحمد واقف في آخر المخزن.
وشكله كان مرهق جدًا.
قال الرائد:
“إنت اللي اتصلت؟”
هز أحمد رأسه.
“أنا خلاص تعبت.”
قرب منه.
“فيه حاجة لازم تعرفها.”
“سامح؟”
أحمد نزل دموعه لأول مرة.
“سامح أخويا… لكنه ما اختفاش زي ما أمي قالت.”
“أمال حصل له إيه؟”
قعد أحمد على كرسي قديم وقال:
“أمي عاشت عمرها كله وهي خايفة من الحقيقة… وكل اللي عملته بعد كده كان علشان السر ده ما يطلعش.”
الرائد سكت.
كان مستني يكمل.
لكن أحمد قال:
“باقي الحقيقة مش عندي.”
“عند مين؟”
بص ناحية الباب.
وفي اللحظة دي…
دخلت ليلى.
الرائد اتفاجئ.
“إنتِ خرجتي إزاي؟”
قالت بهدوء:
“النيابة أخلت سبيلي… لأن مفيش دليل يثبت اعترافي.”
قربت منهم.
وبصت لأحمد.
وقالت:
“قول الحقيقة كلها.”
أحمد هز رأسه.
“مش هقدر.”
ليلى طلعت من شنطتها جهاز تسجيل صغير.
وحطته على الترابيزة.
“الحاجة سعاد سجلت الرسالة دي قبل وفاتها بأيام.”
ضغطت زر التشغيل.
خرج صوت الحاجة سعاد، ضعيف ومتقطع:
“لو حد بيسمعني… يبقى أنا مقدرتش أصلح اللي عملته… أحمد مالوش ذنب… وليلى بريئة… واللي حصل من سنين هو السبب في كل المصايب…”
وفجأة…
التسجيل وقف.
الرائد حاول يشغله تاني.
لكن مفيش فايدة.
آخر دقيقة من التسجيل…
كانت ممسوحة.
وفي نفس اللحظة…
سمعوا صوت عربية بتقف قدام المخزن.
وبعدها خطوات سريعة.
ثم صوت باب بيتفتح.
بص الرائد ناحية الباب وهو ماسك س/لاحه.
وقال:
“واضح إن صاحب الحقيقة وصل.”