اخطر رجل
أخطر رجل نفوذ في القاهرة… ضحك ساخرًا عندما قالوا إن سكرتيرته الممتلئة جميلة، لكنه لم يكن يعلم أن إمبراطوريته كلها ستبدأ في الانهيار بمجرد أن تتوقف عن منحه أكثر مما يطلب منها.
سمعت منى عبد الرحمن الرجل الذي أحبته في صمت طوال ثلاث سنوات يضحك من فكرة أن يراها أحد جميلة.
كانت تقف خارج قاعة الاجتماعات، تضم ملفًا إلى صدرها، عندما قال أقدم أصدقاء كمال
عمرك لاحظت إن منى ست جميلة فعلًا؟
جاء رد كمال في اللحظة نفسها.
لم يتردد.
ولم يفكر.
بل انفجر ضاحكًا.
منى؟
كان الاستغراب في صوته أقسى من أي إهانة.
ثم أكمل
دي مش النوع اللي يعجبني يا نادر… دي سكرتيرتي.
ساد صمت قصير خلف الباب الزجاجي.
ثم قال الجملة التي حطمت شيئًا بداخلها
دي مجرد موظفة.
وقفت منى مكانها في ممر الطابق التاسع والعشرين من برج الدمنهوري، بينما كانت أضواء القاهرة تمتد أسفلها تحت سماء رمادية من ليالي مارس.
خمس سنوات…
خمس سنوات وهي ترتب جدول كمال، وتحفظ أسراره، وتعرف نقاط ضعف أعدائه، وتستطيع من مجرد وقفته أن تعرف إن كان يحتاج إلى فنجان قهوة… أو إلى الصمت… أو إلى تحذير.
عملت في الأعياد.
ألغت إجازاتها.
وفي إحدى المرات نامت ثلاثة أيام متتالية على أريكة المكتب بينما كانت الجهات الأمنية تراقب إحدى شركات كمال.
أنقذته من خسائر بملايين الجنيهات.
وأنقذت حياة رجال يعملون معه.
بل وأنقذت حياته هو شخصيًا… دون أن يعلم أبدًا أنه كان على وشك ركوب سيارة زُرعت أسفلها عبوة ناسفة.
ومع ذلك…
لم تكن بالنسبة إليه سوى قطعة أثاث تتقاضى راتبًا.
اشتدت قبضتها على الملف حتى انثنت الأوراق بداخله.
لم تبكِ.
فالنساء مثل منى تعلمن منذ الصغر أن الدموع كثيرًا ما تُستخدم ضدهن.
مرت بجوار قاعة الاجتماعات، ودخلت غرفة التصوير، وأسندت كفيها إلى الطاولة.
انعكس وجهها على الزجاج الداكن.
أربعة وثلاثون عامًا.
شعر بني مموج جمعته بإهمال خلف رأسها.
فستان كحلي تعلوه سترة كريمية.
وجنتان ممتلئتان.
وجسد ممتلئ اعتاد الغرباء أن يحكموا عليه، بينما كان بعض زملائها يعتبرون امتلاءها دليلًا على الكسل.
كمال…
لم يسخر من وزنها يومًا.
وكانت تظن أن تجاهله لذلك نوع من الاحترام.
لكنها أدركت الآن…
أنه لم يكن احترامًا…
بل عمًى.
أخذت نفسًا عميقًا.
عدلت الأوراق.
ثم دخلت مكتب كمال ووضعت الملف أمامه.
عقود مشروع الميناء جاهزة للتوقيع.
لم يرفع عينيه.
سيبيها.
قالت بهدوء
حاضر يا أستاذ كمال.
كان في صوتها شيء جعله يتوقف عن الكتابة.
رفع رأسه…
لكنها كانت قد غادرت بالفعل.
في تلك الليلة…
جلست منى على طاولة مطبخ شقتها الصغيرة في مدينة نصر، وبدأت تكتب خطاب استقالتها.
النسخة الأولى كانت مليئة بالغضب.
والثانية بدت كأن محاميًا كتبها.
أما الثالثة…
فكانت صادقة.
خلال السنوات الخمس الماضية تحملت مسؤوليات تتجاوز كثيرًا الوصف الوظيفي الذي تم تعييني من أجله. ورغم امتناني لكل الفرص التي أُتيحت لي، لم يعد بإمكاني الاستمرار في بيئة لا يُعترف فيها بقيمتي إلا عندما تكون هناك حاجة إلى جهدي.
قرأتها مرتين.
ثم حفظتها…
ولم ترسلها.
لم تكن مستعدة لأن تجعل كلمات كمال تطردها.
كانت سترحل…
لكن لأنها اختارت مستقبلًا جديدًا، لا لأنها هربت من إهانته.
ومن صباح اليوم التالي..