اول ما المأذون خلص
في قاعة مؤتمرات ضخمة في العاصمة الإدارية، كنت واقفة على خشبة المسرح، المايك في إيدي، وبقدّم المشروع الجديد للشركة أمام مئات المستثمرين والصحفيين. كنت لابسة بدلة رسمية كحلي بسيطة، واثقة في كل خطوة وكل كلمة بتطلع مني.
وفجأة، صحفية شابة رفعت إيدها وسألتني بنبرة فيها إعجاب حقيقي: “مدام نادية.. من سنة تقريبًا اسمك كان مرتبط بأكبر قضية رأي عام، والكل كان متوقع إن الشركة تنهار.. إزاي قدرتِ ترجعي أشد، وما تسيباتيش للظروف فرصة تكسرك؟”
بصيت للقاعة، وعيني راحت تلقائيًا على الصف الأول.. أبويا كان قاعد هناك، ببدلته الأنيقة، ماسك عصايته، ورافع رأسه للسما بابتسامة افتخار تهز الجبال.
ابتسمت للصحفية وقلت في المايك بصوت هادي وواضح: “لأن الوجع
، والضربة يا إما تكسرك يا إما تصنع منك جبل.. أنا اخترت أكون الجبل، مش عشان نادية بس.. عشان فيه ضهر علّمني إن الحق ما بيموتش، وإن اللقمة الحرام صاحبها حتى لو كان فاكر نفسه مالك الدنيا.”
القاعة كلها اتصدمت بالتصفيق الحار، وأبويا غمزل عينيه بكل حب ونشوة انتصار.
بعد ما المؤتمر خلص، وأنا بلم أوراقي في كواليس المسرح، المحامي بتاعي قرب مني بهدوء، ومسك في إيده جواب رسمي.
“مدام نادية.. فيه جواب جاي لحضرتك من إدارة سجن طرة.”
وقفت لحظة، النبض زاد ثانية بس ما كانش فيه خوف.. كان فيه مجرد استغراب. فتحت الجواب ورأيت خط كريم.. خط كان بيترعش ومش مستقر.
كاتب فيه جملتين: “نادية.. أنا عرفت من الأخبار إن شركتك بقت الأولى في السوق.. أنا خسرت كل حاجة ومفاضلش معايا غير السجن والندم.. لو فيه أمل تسامحيني، أو تزوريني مرة واحدة بس قبل ما أموت في المكان ده.. أرجوكي.”
طبقت الورقة بهدوء شديد، واديتها للمحامي.
بصلي المحامي باستفسار: “نرد عليه يا فندم؟ أو نحدد ميعاد زيارة؟”
طلعت برة القاعة، كانت العربية مستنيانا، والشمس بتعكس نورها على مباني العاصمة الحديثة.
أبويا فتحلي باب العربية بنفسه، وركب جنبي.
مسكت إيده وقرّبت منها، بستها بحب، وقلت له: “تفتكر الجاي هيكون إيه يا بابا؟”
أبويا حط إيده على راسي، وبص للشارع المفتوح قدامنا وهو بيبتسم برضا تام: “الجاي يا نادية بتاعك أنتِ.. الشارع مفتوح، والرؤية واضحة، ومفيش حد يقدر يوقف ست عرفت قيمتها، وعرفت إزاي تدوس على الوجع وتبني منه مجدها.”
العربية تحركت بينا، وأنا بتطلع من الشباك للسما، حاسة لأول مرة إني مش بس نجيت من كابوس.. أنا بقيت صاحبة الحكاية.
مرّت تلات سنين على اليوم ده.. تلات سنين ما كانش فيهم مكان للندم أو للرجوع لورا.