سلفتي 2

ليلة السفر، كانت العمارة كلها سهرانة معانا. الشقق كلها كانت مفتوحة على بعضها، ونادية كانت طالعة نازلة بتساعدني في تجهيز الشنط، وتعملنا أكل للسكّة، وعينيها مش بتفارق ياسين وهي بتستغفر ربنا في سرها على كل لحظة ظلمته فيها.
سعيد مسك إيد حسام وقال له:
— هتوحشنا يا حسام.. العمارة هتظلم من غيركم، بس قلوبنا معا كوراعيين ليكم بالخير. انت ربيت راجل، والراجل ده بقى فخر للعيلة كلها.
حسام رد عليه وهو حاطط إيده على كتف ياسين:
— الحمد لله يا سعيد.. ربنا لما بيبتلي بيبقى لحكمة، ولما بيدي بيدي بغير حساب. الصبر مفتاح كل باب مقفول.
في الصباح الباكر، نزلنا العمارة والشمس بتشرق. عربية المطار كانت مستنيانا تحت. الجيران كلهم كانوا واقفين يودعونا بالدموع والورد. ياسين بصل العمارة وبصل الشباك اللي كانت نادية بتقف فيه زمان وتصرخ بمعايرتها، وابتسم ابتسامة هادية، وحط إيده في إيد أبوه وإيدي، وركبنا العربية.
العربية مشيت بينا في شوارع القاهرة متجهة للمطار. كنت بتبص من الشباك وأنا حاسة إن كل شبر في المدينة بيسلم علينا. رحلة طويلة من الوجع والكسرة والدموع بتنتهي اليوم، وتبدأ مرحلة جديدة تماماً في دولة جديدة، وحياة جديدة كلياً.
وصلنا مطار القاهرة الدولي، وخلصنا إجراءات السفر والتحقنا بصالة المغادرة. ياسين كان ماشي جنبنا مرفوع الرأس، والكل بيتعامل معاه باحترام شديد لما بيشوفوا جوازات السفر الخاصة والخطاب الرسمي المنشور باسمه من المؤسسة الألمانية.
ركبنا الطيارة، وقعدت جنب الشباك وياسين جنبي وحسام في الناحية الثانية. الطيارة بدأت تتحرك على الممر، وترتفع تدريجياً في السماء. بصلت للسحاب وأنا بفتكر كل اللحظات الصعبة: لحظة ما كانت نادية بتزق الكوباية، ولحظة ما كانت بتقول «ابن أخوك معاق وأهبل»، ولحظة ما كنت بضم ياسين لصدري وأبكي في الظلمة.
ياسين مسك إيدي الدافيّة، وبصلي بعينيه المليانة حنية وقال:
— خلاص يا ماما.. اللي فات مات، والنهارده بنبدأ صفحة جديدة خالص. ألمانيا مستنيانا، وهناك هنعمل حاجات عظيمة أوي.
ابتسمت له وبست إيده، والطيارة اخترقت السحاب طالعة بينا على أوروبا.. بس الأحداث مكنتش هتقف عند مجرد النجاح والسفر، لأن ألمانيا كانت شايلانا مفاجآت ثانية غير متوقعة، ومواجهات جديدة لم تكن في الحسبان..
