سلفتي 2

— رفع راسنا كلنا يا ابني.. ربنا يزيدك من نعيمه ويحميك من كل شر. انت تستاهل كل خير الدنيا لأن قلبك أبيض وما بتعرفش القسوة.

نادية وقفت قدامي بصت في عيني، ولأول مرة مكنتش قادرة تتكلم أو ترفع حاجبها زي زمان. رفعت إيدها المرتعشة ومسكت إيدي وقالت بصوت مكسور:

— مبروك يا هدى.. مبروك يا أختي. ربنا يجبر خاطرك زي ما صبرتي. أنا زمان كنت جاهلة وعمياء، كنت فاكرة إن البنات هما اللي هيسنوا ضهري وإن ابنك عالة، بس ربنا وراني إن العافية والتوفيق مش بإيد البشر.. ابنك هو اللي أنقذ جوزي من الموت، وهو اللي بيعلمنا كلنا يعني إيه رحمة. سامحيني يا هدى على كل كلمة مسمومة خرجت من بؤي، سامحيني على كوباية الشاي وعلى كل لحظة وجعت فيها قلبك.

بصلتها بهدوء وقلت لها:

— المسامح ربنا يا نادية.. أنا نسيت كل حاجة من اليوم اللي شفت فيه ابني واقف على رجليه. بس اتعلمي إن كل كلمة بنقولها بتتسجل عند ربنا، والقلوب مش لعبة نكسرها وقت ما نحب.

نادية نزلت رأسها في الأرض وبكت بحرقة، وقربت من ياسين وقالت له:

— ادعي لبناتي يا ياسين.. ادعي لهم ربنا يهديهم ويصلح حالهم، أنا ضيعتهم بقسوتي وجشعي.

ياسين بصلها بابتسامة ناصية البياض وقالها:

— يا طنط نادية، البنات دول إخواتي، وأنا مش هسافر وأسيبهم كده. شهيرة لازم تدخل كورس تحسيني في اللغات والتكنولوجيا وأنا هتكفل بتدريبها بنفسي عشان تلاقي شغل محترم وتستعيد ثقتها في نفسها، وجنى أنا اتكلمت مع دكتور استشاري تخاطب صديقي في القاهرة، وهيتابع حالتها من الأسبوع الجاي وعلى حسابي الكامل لحد ما ترجع تتكلم أحسن من الأول.

نادية اتسمرت مكانها ومكنتش مصدقة اللي بتسمعه. الولد اللي كانت بتقول عليه «أهبل وأعفين بقرف منه» وبتمنع بناتها يقربوا منه عشان ما يتعدوش، هو هو نفسه اللي بيقودهم دلوقتي للبر وبيمد إيده بالخير عشان ينقذ مستقبل بناتها من الضياع! وقعت نادية على ركبتيها في السلم وتبكي بصوت عالي وهي بتدعي له:

— ربنا ينصرك يا ابني.. ربنا يرفع قدرك كمان وكمان ويحبب فيك خلقه في كل أرض تطأها رجلك!

مرت الأسابيع السريعة، وكانت التجهيزات للسفر شغالّة على قدم وساق. ياسين كان رايح جاي بين السفارة والشركات، يخلص أوراق سفري أنا وباباه، ويتابع حالة «جنى» بنت عمّه مع دكتور التخاطب اللي بالفعل بدأ يعمل معاها جلسات متطورة جابت نتيجة سريعة، والبنت بدأت تبتسم وترجع لها الثقة بالنفس. أما «شهيرة» فبدأت تدرس كمبيوتر ولغات بتوجيه مباشر من ياسين، وشغفها بالتعليم رجع من جديد بعد ما كانت فاقدة الأمل في الحياة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *