حكايات زهره الرابيع الاخير

قمت من مقعدي بهدوء، واقتربت منها ثم جثوت على ركبتي إلى جوار كرسيها، ومسكت يديها اللتين كانت البرودة قد تسللت إليهما من فرط المفاجأة، وقلت لها بنبرة صادقة يملؤها الثبات:
* رحت له يا أمي.. رحت للراجل اللي رفضتيه عشان خاطري، وقلت له إن الرفض ده كان بسبب طفل أناني اتعلم الدرس خلاص وبقى راجل. قلت له إن البيت مفتوح، وإنك أديتِ رسالتك وزيادة، وجِه الوقت اللي تفرحي فيه.
تجمعت الدموع في عينيها، لكنها هذه المرة لم تكن دموع قهر أو تعب، بل كانت دموع ذهول أم ترى ثمرة سنوات قسوتها وتضحياتها تنضج أمامه في لحظة واحدة.
رفعت يدها لتمسح على وجهي وقالت بنبرة متحشرجة:
* أنت بتعمل كده عشان ترضيني يا حازم؟ ولا عشان خايف أكون زعلانة منك؟ أنا مش عايزة حاجة تضغط عليك يا بني.. أنا كفاياني إنك بقيت جنب راجل.
ابتسمت لها وقلت:
* أنا بعمل كده عشان دي الحقيقة يا أمي. عشان أنا شفت بعيني الشحط اللي عنده ١٧ سنة وهو مش عارف يدبر أكل يومه ولا يدفع ثمن درس من غيرك. وعرفت إن اللي ضحت بسبع سنين من شبابها عشان ماترميش ابنها لراجل غريب، تستاهل إن ابنها لما يكبر يختار لها أحسن راجل يصونها ويكون سند ليها وليا. أنا مش مجبر، أنا اللي طالبت ده بملء إرادتي.
مرت الأيام التالية في ترتيبات سريعة ومربكة، لكنها كانت مفعمة بدفء مفقود منذ سنوات طويلة. جاء الأستاذ طارق —زميل أمي— لزيارتنا في البيت. لم تكن الزيارة كأي زيارة تقليدية؛
لم أكن أقف في الزاوية كطفل يُملى عليه القرار، بل كنت أنا من يستقبله عند الباب، أُرحب به، وأجلس أمامه ندًا لند في الصالة التي شهدت قبل أسابيع قليلة أشد لحظات طفولتي طيشاً.
كان الأستاذ طارق رجلاً ناضجاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ لم يحاول فرض سلطته، ولم يتعامل معي بفوقية. نظراته لي كانت تحمل احتراماً جمّاً للتحول الذي شهد عليه بنفسه. قال لي وهو يشرب القهوة معي:
* أنا عارف يا حازم إنك صاحب البيت ده، وإن أمك هي كل دنيتك. أنا مش جاي أخد مكان أباك الله يرحمه، ولا جاي أضيق عليك.
أنا جاي أكون سند لأمك، ورفيق ليها في السنين اللي جاية، وأنت هتفضل دايماً الراجل الأول في عينها.
كانت كلماته كالبلسم الذي أزاح أخر رواسب الخوف من صدـ,,ـــري. اتُفق على كل شيء ببساطة ودون تكلف؛ عقد قران هادئ وحفل بسيط يجمع المقربين فقط.
خلال الأسبوعين اللذين سبقا الزفاف، تحولت شقتنا إلى ورشة عمل صغيرة. أعدنا طلاء الصالة، واشترينا بعض قطع الأثاث الجديدة لتجديد روح البيت. كنت أعمل بيدي إلى جوار العمال، أصلح السباكة، أتابع الدهانات، وأشتري المستلزمات. كنت أشعر بلذة عجيبة وأنا أدفع من المال الذي جمعته من عملي في المكتبة ليشارك في تجهيز بيت أمي.