حكايات زهره الرابيع الاخير

وفي ليلة الزفاف.. كان المشهد في الغرفة يختصر كل شيء.
كنت أقف أمام المرآة أعدل رابطة عنقي، عندما دخلت أمي بكتانها الأبيض البسيط وفستانها الهادئ الذي أظهر أنوثتها وجمالها اللذين دفــ,,ـــــنتهما لسنوات تحت ركام التعب والمسؤولية. كانت تبدو كعروس في العشرينات، ملامحها مشرقة وضحكتها عائدة من منفاها.
وقفت تنظر إليّ بدموع حبسَتها بصعوبة، فاقتربت منها وأمسكت بيديها الاثنين.
* طالعة زي القمر يا أمي.. أحلى عروسة شفتها في حياتي.
دنت مني وضمتني إلى صدـ,,ـــرها بقة، حت أحسست بدقات قلبها المتسارعة، وقالت في أذني بصوت يرتجف:
* أنا ربيت راجل يا حازم..

السبع سنين اللي فاتوا مكانوش خسارة، وكل تعب الشارع والبيت هان في اللحظة دي لما شفتك واقف جنبي وبتسلمني بيدك.
مسكت يدها وخرجنا سوياً إلى الصالة حيث كان الحضور بانتظارنا. قُدِمت أمي إلى عريسها، وأنا أقف إلى جوارهما بثبات وثقة، أتقبل تبريكات الأقارب والأصدقاء الذين كانوا يرمقونني بنظرات ذهول وإعجاب، متذكرين الشاب العصبي الذي كان يرفض الفكرة بالأمس، وكيف أصبح اليوم حامي الحمى والمسؤول الأول عن سعادة أمه.
وانتهى الحفل البسيط، وغادر الضيوف واحدًا تلو الآخر.

وعندما حانت لحظة المغادرة لبيتهم الجديد الذي سيعيشان فيه مؤقتاً قبل أن يعودا للتنقل بين البيتین، وقفت أمي عند الباب تتأملني بحيرة العاطفة، وكأنها خائفة من تركي لوحدي في البيت لأول مرة.
ابتسمت لها، وأمسكت بيد الأستاذ طارق ووضعتها في يدها، وقلت له بوضوح:
* أمانة عندك يا أستاذ طارق.. شيلها في عينيك، دي أغلى حاجة عندي في الدنيا.
ثم التفت إليها وقبلت رأسها:
* متقلقيش عليا يا أمي.. ابنك بقى راجل بيعرف يعتمد على نفسه، والبيت ده هيفضل متصان ومستني رجوعكم في أي وقت.

نزلا السلم ببطء، وظللت واقفاً عند الباب المفتوح أرقب خطواتهما حتى اختفيا في الظلام. أغلقت الباب بهدوء، ودخلت الصالة الخاوية. لم أشعر بالوحدة ولا بالخوف، بل شعرت براحة عميقة تملأ صدـ,,ـــري لأول مرة منذ سبع سنين.
نظرت إلى صورة أبي المعلّقة على الحائط، وابتسمت له بثقة وقلت بصوت خفيض:
* اطمن يا بابا.. أمانتك اتصانت، وأمي أمانة في أيد أمينة، وابنك أخيرًا بقى راجل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *