حكايات زهره الرابيع 1

“ابنك مش في غيبوبة… وابنك مكنش لوحده في القبر… لو عايز تعرف السر اللي مع ابنك، تعال المقابر لوحدك قبل أذان الفجر.”
مسكت الجواب في إيدي وأنا حاسس إن جسمي كله بيتكتك من البرودة والخوف. الشقة كانت فاضية وضلمة، وصوت ضربات قلبي كان طالع زي الطبولة في ودني. الجواب بين إيديا، وبقع الدم الصغيرة اللي عليه كانت زي النار اللي بتاكل في صوابعي. “تعال المقابر لوحدك قبل أذان الفجر…” العبارة دي كانت بتتردد في عقلي كأنها حكم بالإعدام، بس ما كانش قدامي خيار تاني. لو في أي خيط، حتى لو كان كذب أو فخ، يخليني أفهم إيه اللي حصل لابني عمر، همرّ عليه حتى لو على أطراف الشوك.
بصيت في الساعة المعلقة على الحيطة، كانت التانية والنصف بعد منتصف الليل. الفجر فاضل عليه حوالي ساعة ونص. خرجت من البيت من غير ما أحسس أخواتي أو أي حد من البلد، مشيت في شوارع القرية الفاضية، الهدوء كان مرعب، والكلاب كانت بتعوي بصوت ينقبض له القلب. كل خطوة كنت بمشيها ناحية المقابر كانت تحسسني إن الأرض بتتسحب من تحت رجليا، بس صورة عمر وهو بيصرخ في الحلم والشوكة مغروسة في جنبه كانت هي المحرك الوحيد ليا.
وصلت سور المقابر، الضلمة كانت كاحلة، وما فيش غير نور القمر الخافت اللي نازل على أسطح الشواهد والقبور. الريح كانت بتهب بصوت حفيف بين أشجار الصدر والعوسج النابتة بين المقابر. مشيت بخطوات بطيئة ومرتبكة بين الشواهد لحد ما قربت من قبر عمر.
أول ما قربت، لاحظت حاجة غريبة جداً… الشمعة! كان في شمعة صغيرة متولعة ومحطوطة على الطوب الرصيص اللي فوق القبر، ونورها الضعيف كان بيرتعش مع الهواء!
وقف قلبي في صدري. قربت ببطء وأنا ماسك عصاية خشب تقيلة كنت جايبها معايا، وقلت بصوت مخنوع ويرتعش: “مين هنا؟… مين اللي بعت الجواب؟”
من ورا شجرة عوسج كبيرة ورا القبر، خرج خيال راجل متلفع بشال أسود مغطي وشه كله وما باينش منه غير عينيه اللي كانت بتلمع في الضلمة بشكل يرعب. الراجل وقف على بعد خطوات مني، وقال بصوت فحيح زي صوت التعبان: “جيت يا عبد السميع… كنت عارف إنك هتيجي. قلب الأب ما بيستحملش.”
مسكت العصاية بضغط أكبر وقلت له وعيني مدمعة من الغضب والخوف: “أنت مين؟! وإيه اللي تعرفه عن ابني؟ مين اللي عمل فيه كده جوة القبر؟ اتكلم بدل ما أصرخ وألم عليك أهل البلد كلهم!”