خطيب بنتي زهرة الربيع 4
رفع أحمد الدفتر وقبّله ودموعه تسيل بصمت، ونظر إلى محمد الملقى في التراب مكلبشاً بالحديد، يزحف كالحشرة تحت أقدام رجال الشرطة، متوسلاً أن يسامحه ويتركه يرى ابنته نرمين للمرة الأخيرة قبل إعدامه. لم يرمش لأحمد جفن، بل التفت نحو الباب وقال للضابط: “العدل أخذ مجراه يا باشا… ودلوقتي فاضل حساب واحد بس لسه مفتوح، حساب نرمين في المستشفى، والورقة الأخيرة اللي لازم تتقفل قبل ما الحارة تنام على نظافة تامة”.
تم اقتياد محمد وهو يجر أذيال الخزي والعار، معصوب الكتف ومكبلاً بالحديد، إلى سيارة الترحيلات ليلحق بزوجته عبلة في حجز النيابة العامة، تاركاً وراءه الحقيبة السوداء التي ظلت ثلاثين عاماً شاهداً صامتاً على دماء الأبرياء. كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، تلقي بأشعتها الحارقة على شوارع القاهرة، وكأن نور الحق نزل ليمزق آخر خيط من خيوط الظلمة التي خيمت على عائلتنا لعقود. توجهنا أنا وأحمد برفقة الحراسة إلى مستشفى القصر العيني الجديد، حيث ترقد نرمين في عنبر الحروق المشددة.
رائحة المطهرات الحادة لم تكن كافية لحجب رائحة الفناء التي عمت المكان. عبرنا الممر الطويل بخطوات وقورة حتى وصلنا إلى غرفتها؛ لم يكن المنظر يدعو للشماتة بقدر ما كان آية ربانية تجعل شعر الرأس يقف هيبةً ورعباً. كانت نرمين مسجاة على السرير، والشاش الأبيض يلف وجهها ورأسها بالكامل إلا فتحات ضيقة لعينيها وفمها المتورم، بينما كانت أجهزة قياس النبض تصدر رنات متقطعة تنبئ باحتضار تدريجي، وماء النار أتى على بصر عينها اليمنى وأذاب أجزاء كاملة من رقبتها وصدرها.
عندما رأت أحمد ورأتني أقف بجواره، تحركت شفتاها المكتويتان بصعوبة شديدة، وسالت دمعة واحدة من عينها المتبقية، دمعة اختلطت بصديد الحروق لترسم ألم الندم بعد فوات الأوان. نظرت إلى عمها وهمست بصوت محروق متهدج بالكاد يُسمع: “سامحني… يا عمي… أنا اللي خربت بيتي بإيدي… كنت ببص لحنان وبموت من الغيرة… وأمي عبلة شربتني الغل مع الحليب… أنا خسرت دنيتي… ومستنية حساب آخرتي… خلّي حنان تسامحني عشان أموت مستريحة…
“وقف أحمد أمام السرير صامتاً، ينظر إلى ابنة أخيه التي كانت بالأمس تطير فرحاً في الكوشة بفستان الزفاف المسروق، ثم ربت على طرف السرير الخالي ونطق بكلمات هادئة محفورة بالألم: “ربنا هو اللي بيسامح يا نرمين… حق حنان ردّه العادل في الدنيا قبل الآخرة، واللي بيبني قصره على جماجم المظلومين، لازم يقع القصر فوق دماغه”. ثم استدرنا وخرجنا من الغرفة، تاركين خلفنا جسداً يحاسبه الله على سوء سريرته، ومساء ذلك اليوم أعلنت المستشفى وفاتها متأثرة بهبوط حاد في الدورة الدموية إثر الحروق والتسمم الجلدي. مرت الأيام وتوالت ضربات العدالة كالسيف القاطع؛