جوزي قالي ان سلفتى 3

جديدة بجد، في مكان تاني خالص؟

الجزء الخامس والأخير: شمس جديدة وبداية أطهر

كلامي عن السفر والبداية الجديدة نزل على قلب طارق زي المية اللطيفة اللي بتطفي نار قديمة. بص لي بعيون مليانة امتنان وقال بهدوء:

— عندك حق يا نهى.. المكان هنا مليان ذكريات وجع، وكل حتة في العمارة دي بتفكرنا بالمؤامرات والسموم اللي عشناها. يلا بينا.. نبيع الشقة أو نسيبها، ونروح مكان ملوش علاقة بماضينا، مكان نعرف نبني فيه حياتنا من أول وجديد أنا وأنتِ والولاد.

وفعلاً، من غير تضييع وقت، بدأنا نرتب خطوة السفر. طارق قدم نقل رسمي لشغله في محافظة تانية هادية، وبدأنا نلم هدومنا وذكرياتنا. يوم ما سيبنا الشقة ونزلنا، بصيت نظرة أخيرة على عتبة باب العمارة.. حسيت إن الثقل كله اتقلع من على كتفي، وإن السنين المرّة اللي فاتت اتحولت لدرس كبير قوي.

سافرنا واستقرنا في بيتنا الجديد، شقة بسيطة في دور عالي، الشمس بتدخلها من كل حتة، والهواء فيها نقي وخالي من أي ريحة حقد أو كدب.

ولاول مرة من سنين طويلة، حسيت إن طارق اتغير بجد. مبقاش مجرد زوج قاعد في البيت، بقى سند حقيقي، شريك حياة بيكلمني، بيسمعني، وبيحمي بيته بكل قوته. أولادنا رجعت لضحكتهم البهجة، وبقوا يروحوا مدارسهم وهما حاسين بالاستقرار والأمان، بعيد عن أي توتر أو ضغوط عائلية مأساوية.

في ليلة هادية، كنت واقفة في البلكونة بشرب فنجان القهوة، وببص على الشارع الجديد والناس الهادية وهي ماشية. حسيت بيد دافية بتتحط على كتفي، لفيت فلقيت طارق مبتسم وبيقولي:

— سرحانة في إيه؟

مسكت إيده وبصيت له بحب:

— سرحانة في إن ربنا دايماً بينصر الصابرين. عرفت يا طارق إن “لأ” في وقتها الصح ممكن تنقذ حياة كاملة، وإن الكرامة غالية ومش بتتشتري بأي تمن.

شدني لحضنه وقال بصوت دافئ:

— ونا روبنا ما يحرمني منك يا نهى.. إنتِ مش بس مراتي، إنتِ اللي رجعتيني للحياة.

عشنا أيامنا بهدوء وسلام، واتعلمنا إن البيوت مش بالفلوس ولا بالمظاهر، البيوت بتتبنى بالتقديس، والاحترام المتبادل، والإيدين اللي بتشد بعضها في الشدة قبل الرخاء. وخلصت حكايتنا، بس بدأت حكاية أحلى بكتير.. حكاية عنوانها الأمان.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *