جوزي قالي ان سلفتى 3

الجزء الرابع

الخبط على الباب كان مستمر بعنف، وصوت هدى وحماتي كان مالي السلم زي الدبش:

— افتح يا طارق! إنت اتجننت؟! بتسمح لمراتك تبهدلنا وتجرسنا في الشوارع؟! افتح ولا والله لا أكون غاضبة عليك ليوم الدين!

كلمة “غضب الأم” دي كانت السلاح السحري اللي طارق كان بيركع قدامه طول سنينه الماضية. حسيت بهواه بيلين، وركبه بتبدأ تخبط في بعضها. بصيت له نظرة حادة، وقفت قدامه مباشرة، وقُلت بصوت هادئ لكنه حاسم كالسيف:

— لو فتحت الباب ده، أو سمحت لهم يدخلوا شبر واحد جوة بيتنا.. اعرف إن الشنطة هتكون جاهزة، ومفيش رجعة. اختار يا طارق.. عايز تكمل حياة مع اللي باعوك عشان ألاعيبهم، ولا تختار بيتك ومراتك اللي وقفت جنبك لما الكل خانك؟

طارق بلع ريقه بصعوبة بالغة، وبص للباب اللي بيتخبط عليه بعنف، وبعدين بص لي. شاف في عيوني إصرار وثبات مكنش متوقعه. حس لأول مرة إن الكارت الأخير بتاعهم خلص، وإن انقلب على .

اتعدل في وقفته، وراح ناحية الباب، ورفع صوته بحدة عمره ما اتكلم بيها قبل كده:

— الباب مش هيفتح! واللي بتعملوه ده قلة أدب عليكم أنتوا! كفاية خراب وخدع لحد كده.. اطلّعوا فوق وما تحاولوش تنزلوا تاني، لأن لو نزلتم، ليا تصرف تاني خالص معاكم!

الصوت برة سكت فجأة.. وكأن الصاعقة نزلت على دماغهم. مستحيل كانوا يتخيلوا في يوم من الأيام إن طارق — ابنهم المطيع الخاضع — هيعلي صوته في وشهم ويطردهم من قدام بابه. سمعت صوت هدى بتبرطم بصوت عالي: “ماشي يا طارق.. بقيت تسم كلامها وتبيع أهلك! اعدل بقا”، وبعدها خطواتهم بعدت ورجعت على فوق.

قعدت على الكنبة وأنا حاسة بأنفاس بتطلع بصعوبة من صدري، كأنني كنت في معركة حقيقية. طارق جه وقعد جنبي، وكان بيبص للأرض بندم وكسرة.

— ارتحت كده يا نهى؟ أنا خسرت أهلي..

بصيت له بحزم وقُلت:

— أنت ما خسرتش أهلك يا طارق.. أنت خسرت “سجن” كان محطوط عليك. الأهل الحقيقيين بيستروا، مش بيوقعوا في الحفر، ولا بيبيعوا ولادهم عشان خاطر جوزات تانية وفضايح. اللي حصل ده كان لازم يححصل من زمان عشان تفوق.

وتمر الأيام، وتبدأ المرحلة الأصعب: الحصار.

حماتي وهدى ما سكتوش؛ بدأوا حرب استنزاف صامتة. كل ما طارق ينزل الشارع أو يروح الشغل، يقابلوا جيران العمارة بتأليف القصص والروايات، ويطلعوني أنا الست المتسلطة اللي سحرت لابنهم وخرّبت بيتهم وعايزة تطلقهم. وبقيت أشوف نظرات غريبة من بعض الجيران وأنا نازلة، بس كنت بتمشى برأس مرفوعة ومش باصّة لحد، لأن اللي معاه الحق مبيخافش.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *