نزلت عينيها بسرعة للأرض، وقلبها بيدق زي الطبول من الصدمة، بس العقل اللي اتسبك في نار الشقا والظلم اشتغل في ثواني. أدركت إن أي حركة أو مواجهة دلوقتي هتخليهم يعرفوا إنها كشفتهم، وممكن يأذوها أو يحرموها من التمكين والقانون قبل ما تاخد حقها صح. سحبت الشنط والأطباق بسرعة ورصتهم على التربيزة اللي جنب الباب، وبنبرة هادية ومثلت فيها إنها مجرد شغالة أو دليفري مش واخدة بالها من الوشوش، قالت وهي بتبص في الأرض وموطية رأسها: — "الأكل كله جاهز ومترتب يا فندم، بالهنا والشفا.. أنا استأذن عشان ورايا أوردرات ثانية." الزوج اتسمر مكانه والدم هرب من وشه، وبص لأمه بذهول ورعب وهو خايف لتكون عرفته، بس الزوجة أدتهم ضهرها بسرعة ونزلت على السلم جري، من غير حتى ما تستنى الأسانسير. دموعها نزلت سخنة على خدها وهي نازلة، بس المرة دي ما كانتش دموع كسرة.. كانت دموع نار بتولع جواها، نار القهرة اللي هتتحول لتخطيط وقوة. أول ما وصلت الشارع، وقفت تاخد نفسها، ومسكت التليفون بأيدين بتترعش . بعتت رسالة للزوجة الجديدة على الواتساب الخاص بالصفحة بكل هدوء وثبات: — "مساء الخير يا فندم، تم تسليم الأوردر بحمد الله. يا ريت تبعتي باقي الحساب على محفظة الفودافون كاش على الرقم ده، وبالهنا والشفا العزومة." خلال دقائق، رن التليفون بإشعار وصول المبلغ كامل على المحفظة. بصت الزوجة لشاشة التليفون وللتمويل اللي بقوا في إيدها، وابتسمت ابتسامة وجع فيها كبرياء يهد جبال. مسحت دموعها بظهر إيدها، وبصت للشارع وقالت بثبات: — "طبخت الأكل بإيدي وعرقي عشان تأكل بيه ضيوفك وناسك.. وبكرة بحق كل نقطة عرق وكل لقمة خدتها أمك مني قسوة وظلم، هاخد حقي وحق عيالي منك بالقانون ومن غير ما تلمح طيفنا تاني." ركبت العربية ورجعت بيتها، وهي حاطة خطة جديدة تماماً.. خطة ست مش هتقبل بالكسرة تاني. ثاني يوم الصبح، كانت الزوجة صحيت من الفجر، بس المرة دي ما مسكتش الس\كينة ولا الخضار.. مسكت ورقة وقلم ورتبت كل تفصيلة عرفتها: عنوان الشقة الشيك بالتفصيل، اسم العمارة ورقم الدور، واسم الشركة الجديدة اللي جوزها شغال فيها وعامل العزومة لمديرينها. نزلت من البيت بهدوء ودخلت مكتب محامي معروف في المنطقة بياخد حقوق الستات المظلومة. قعدت قدامه، وعلى عكس العادة، كانت عينيها ثابتة وما نزلش منها دمعة واحدة. حطت قدامه الورقة ورسالة إشعار تحويل الفودافون كاش من مراته الجديدة، وقالت بصوت هادي كأنه حديد: — "يا أستاذ، أنا جوزي سابني أنا وعياله سنتين من غير مليم، هرب واتجوز عليا وعامل عزومة لمديرينه في أحدث شقة وفي أرقى مكان.. وعنوانه ومكان شغله الجديد أهو في الورقة دي. أنا مش عايزة منه انتقام ولا قلة أدب.. أنا عايزة حق عيالي بالقانون: ق\ضية نفقة زوجية ونفقة صغار بأجر مسكن وبدل فرش وغطاء، ودعوى تمكين من مسكن الزوجية وقبل كل ده طلاق للضرر المحامي بص للورقة ولإشعارات التحويل والتفاصيل الدقيقة اللي جايباها، وابتسم بتقدير: — "ما شاء الله عليكي.. إنتي جايبة لي الق\ضية متقشرة! العنوان ومكان الشغل الجديد دول هيريحونا جداً في الاستعلام عن دخله الحقيقي، والشركة دي طالما شركة كبيرة، فالتحريات هتثبت مرتبه ومكافآته بالكامل. نرفعلة ق\ضية النفقة فوراً ونطلب تحريات المباحث على الشركة، وفي نفس الوقت نقدم طلب لتمكينك من الشقة أو إلزامه بأجر مسكن محترم يناسب مستواه الجديد." قامت من عنده وهي حاسة إن ظهرها اتشد.. خرجت من المكتب وطلعت على المدرسة كملت يومها وشغل صفحتها بمنتهى الثبات والذكاء، وهي كتمة السر ومستنية اللحظة اللي المحضر يروح له فيها على مكان شغله الجديد قدام زمايله ومديرينه عشان المحكمة تستعلم عن مرتبه وتحجِز عليه. بعد أيام قليلة، كانت الشؤون القانونية في الشؤون الإدارية بالشركة الجديدة للزوج بتستلم إخطاراً رسمياً من المحكمة، ومعاه مندوب التفتيش والاستعلام عن الدخل والرواتب بناءً على دعوى نفقة وصغار مرفوعة ضد الموظف الجديد. في وسط صالة المكتب الكبيرة وأمام زمايله ومديرينه الجداد اللي كان لسه عاملهم عزومة ومبين نفسه قصادهم بالواجهة الشيك والمركز المرموق، دخل الموظف المختص وندى عليه باسمه الثلاثي عشان يبلغه بإعلان النفقة وأمر الاستعلام عن مرتبه ومكافآته. الدم اتجمد في عروق الزوج، وشّه اصفرّ وبقى مش عارف يداري خيبته فين، خصوصاً لما المدير الإقليمي استدعاه لمكتبه واستفسر منه بجدية عن القضايا دي وعن الصورة اللي بيصدّرها للشركة. في نفس اليوم بالليل، رن تليفون الحماه في البيت، وكان صوت ابنها طالع زى الرعد من الغيظ والرعب: — "الحقيني يا أمي! دي رفعت عليا ق\ضية نفقة واستعلام على مرتب الشركة الجديدة، وشوهت صورتي قدام مديري وزمايلي! وعرفت عنواني ومكان شغلي بالمليم.. هي عرفت منين واستدلت عليا إزاي؟!" الحمات لطمت على صدرها والذهول أكل قلبها، وبصت ناحية شقة مراته تحت.. شافت النور طالع منها، وصوت الضحك الشريف والستر مالي المكان، وأصوات الأطباق والعلب شغالين بخطى ثابتة ومستقرة. أدركت الحماه في اللحظة دي إن الست اللي كانت فاكراها مكسورة وتتمنى لقمة أو سقف يسترها، ما بقتش هي نفس الست.. وإن السكوت اللي فات ما كانش ضعف ولا عجز، كان هدوء ما قبل العاصفة. طلعت الحمات السلم وخطواتها بتهز العمارة من الغل، ضربت باب الشقة ب إيدها برعب وغضب وهي بتصرخ بصوت عالي: — "افتحي يا فاجرة! بقى تروحي تعملي محضر وقضبه وتجيبي المحاضر لشغله وتفضحيه قدام ناسه ومديرينه؟! إنتي ناسية إني اوياكى أنتِ وعيالك تحت سقف بيتي ولا إيه؟!" فتحت الزوجة الباب بكل ثبات وهدوء. كانت واقفة ماسكة تلفونها في إيدها، وبصت لحماتها ببرود تام ثلج عينها، لا اترعشت ولا نزلت راسها للأرض زي كل مرة. الحمات اتفاجأت بالنظرة، وسكتت لحظة من هول الثقة اللي في وشها، لكن كملت وهي بتهدد بإيدها: — "والله ما إنتي قاعدة في البيت ده دقيقة واحدة بعد النهاردة! لمي دربكتك وعيالك ويا الشارع يا ببت أبوكي، أما نشوف مين هيستحملك ولا يصرف عليكي!" الزوجة ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة حد عرف حقه وخد خطواته صح. قربت منها خطوة واحدة وقالت بنبرة واثقة وهادية هزت أركان السلم: — "الشارع ده تروحي أنتِ تدوري فيه على مكان.. أنا خلاص اترفع لي قرار تمكين رسمي من مسكن الزوجية بالمحكمة يا حماتي، الشقة دي بقيت متمكنة منها بحكم القانون أنا وعيالي بصفتي أم وأولادي في حضانتي.. يعني مش أنتِ ولا ابنك اللي تقدروا تطلعوني منها ولا ترموا عيالي في الشارع." الحمات برقت عيونها بذهول وشفايفها بدأت ترتعش من الصدمة: — "تمكين؟! أنتِ بتقولي إيه يا مقصوفة الرقبة؟!" كملت الزوجة كلامها وهي بتبص لها من فوق لتحت بنفس البرود، وشاورت بإيدها ناحية الباب: — "وبالمناسبة.. شغلي وعلب الأكل اللي كنتِ بتاخديها طازة وعلى السوا كل يوم ببلاش بدعوى 'الإيجار'؟ من النهاردة تنسيها خالص. من هنا ورايح تقفي تطبخي لنفسك أو تشتريه بفلوسك زي أي زبون من برة، وحق أكل عيالي ونفقتهم هتوصلني من مرتب ابنك في شركته بالمليم والمحكمة هي اللي بتحسبها." مسكت مقبض الباب وبصت لحماتها بجمود وأخيرة: — "دلوقتي اتفضلي مع السلامة على شقتك.. عشان ورايا أوردرات وشغل ولازم ألحق أخلصه." وقبل ما الحماه تنطق كلمة واحدة أو تستوعب إن الست المكسورة بقت هي صاحبة البيت والموقف، قفلت الزوجة الباب في وشها بهدوء، ورجعت لشغلها وسط المساعدين بتوعها وهي حاسة إن أخيرًا.. حقها وحق عيالها بدأ يرجع. مرّت الشهور سريعة خاطفة، وكل يوم كان بيعدي كان بيزيد فيه عود الزوجة صلابة وثبات. البيت اللي كان زمان شاهد على كسرها ودموعها، بقى مشعل حركة ونشاط من أذان الفجر. صفحتها "خير زمان" كبرت وبقت براند معروف في المنطقة والمناطق المجاورة، زاد عدد المساعدين معاها، وبقت تدير شغلها بذكاء وست واعية عارفة قيمة كل قرش بتكسبه من عرق جبينها. في المقابل، كانت الشهور دي جحيم على الزوج وحماتها. الأم بقت تقف بطولها تطبخ لنفسها وهي شايفة العلب والخير طالع نازل من تحت إيدها لزباين برة، ومحرومة حتى من أكلة محشي كانت بتاخدها بالقوة والافتراء. والابن في شركته بقى عايش في رعب وقلق، تحريات المباحث نزلت على شركته وجابت إجمالي مرتبه، والبدلات، والمكافآت، وفضحت كل قرش بيدخل جيبه. وفي يوم الجلسة الحاسمة.. وقفت الزوجة في قاعة المحكمة جنب محاميها، وبكل ثبات وهدوء تسمع النطق بالحكم. نطق القاضي بحكمه العادل: قبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع: * إلزام الزوج بدفع نفقة زوجية وبدل فرش وغطاء وأجر مسكن ونفقة صغار بمبلغ مجزي ومحترم يُخصَم شهرياً ومباشرةً من مرتبه في الشركة وتتحول لحسابها البنكي. * إلزام الزوج بدفع المصاريف والأجور المتأخرة عن الفترة اللي سابهم فيها. * تأكيد تمكين الزوجة وحضانتها لأولادها من مسكن الزوجية بشكل نهائي ورسمي. خرجت الزوجة من باب المحكمة، وبصت للسما ونفسها مرتاح، حسّت إن طعم العدل برد نار القهرة اللي عاشتها سنتين. القرار نزل على الزوج كالصاعقة؛ المحكمة حجزت على جزء كبير من مرتبه شهرياً لصالح عياله ومراته، مراته الجديدة بدأت تعمل معاه مشاكل بسبب نقص مصاريفه وتدهور واجهته الشيك قدام ناسه، وأمه بقت قاعدة في شقتها محتارة ومكسورة العين، بتتحسر على الأيام اللي كانت بتطرد فيها الست دي وتستقوى عليها. رجعت الزوجة بيتها، حضنت عيالها وقالت لهم بثبات وأمل: — "من النهاردة.. راسكم تفضل مرفوعة للسما، أكلكم من حلال، وسقفكم بحكم القانون، وأمكم بفضل الله وبشغل إيدها بقت بـ ألف راجل." تمر السنين، وربنا يبارك في العرق الحلال والضمير النظيف. مشروع "خير زمان" ما بقاش مجرد صفحة على الفيس بوك أو شغل من صالة الشقة.. الزوجة قدرت بفضل الله وثباتها تأجر محل كبير في الشارع الرئيسي، وتجهزه بأحدث المعدات، وفتحت أول مطبخ سحابي ومطعم للأكل البيتي المتميز في المنطقة. الستات اللي جابتهم يساعدوها زمان بقوا مشرفات على أقسام (المحاشي، التفريزات، والمشويات)، ووظفت معاها عشرات الأمهات والمعيلات اللي محتاجين لقمة عيش كريمة. عيالها كبروا قدام عينيها، وراسهم مرفوعة بين الناس. ابنها الكبير دخل كلية محترمة وهو فخور بأمه اللي شالتهم وبنتهم من الصفر، وبنتها الصغيرة بقت تساعدها في إدارة صفحة المشروع والتسويق الإلكتروني بعد ما كبرت. في يوم من الأيام، وفي افتتاح الفرع الجديد للمطعم، كانت الأغاني اشتغلت والناس متجمعة يباركوا ويشتروا، والافتتاح مغطي الشارع كله. على الرصيف الثاني من الشارع، كان واقف راجل باين عليه التعب والكسرة، هدومه متواضعة ووشه شاحب.. جوزها الهارب. مراته الجديدة سابته بعد ما مرتبه انخصم منه للمحكمة وما بقاش قادر يكفي طلباتها وشياكتها، وشغله في الشركة اتهز بسبب مشاكله والقضايا اللي لاحقته. كان واقف يبص على الشاشة الكبيرة المكتوب عليها اسم مراته والبراند بتاعها، ويبص على عياله اللي كبروا وبقوا شباب زي الورد واقفين جنب أمهم بيستقبلوا الناس بكل فخر. حاول يقرب خطوتين والندم بياكل قلبه، لكن ابنه الكبير لمح طيفه من بعيد.. وبص له نظرة هادية ما فيهاش كره، بس فيها جفاء وقطع أمل، وحط إيده في إيد أمه وكملوا يستقبلوا الزباين. الزوجة رفعت راسها للناس، وابتسمت ابتسامة رضا صافية.. كانت عارفة إن الدنيا دارت، وإن ربنا ما بيضيعش أجر من أحسن عملاً، وإن الست لما تعتمد على ربنا وتشتغل بشرف، ما فيش قوة في الدنيا تقدر تكسرها. أما الحمات.. فكانت جدران الشقة الفاضية هي العقاب الحقيقي والحي لكل قسوة وظلم مارسته على الست دي وعيالها. بعد ما صدر قرار التمكين وحكم النفقة، وبقت تشوف خير الصفحة طالع نازل لزباين برة وهي محرومة حتى من صبع محشي أو أكلة سخنة، بدأت تحس بمرارة العزلة. الابن الهارب لما زنقته الديون وانخصم جزء كبير من مرتبه لصالح عياله، ومراته الجديدة سابته بعد ما طلبت الطلاق لما لقيت عزّه وشياكته راحوا، رجع لأمه.. بس مش الزوج الشهم ولا الابن البار، رجع راجل مكسور، عاطل عن الهيبة، نكدي وطول الوقت بيتخانق معاها وبيحملها مسؤلية إنه ساب بيته وعياله وبسمعه بسبب شورستها عليه. قتلتهم الحسرة وهم شايفين ابنهم الكبير وبنتهم الطالعين زي الفل، متربيين أحسن تربية، ولابسين أظيف لبس، وأمهم بتكبر يوم عن يوم وبقت من أشهر سيدات الأعمال في المنطقة. وفي يوم الافتتاح الكبير للمطعم الجديد، كانت الحمات واقفة ورا شباك الشقة المظلمة، تبص من ورا الشيش بعيون مكسورة ودمعة ندَم حابساها بالعافية. شافت حماتها السابقة واقفة في عزّها، وسط الأنوار والورد والناس اللي نازلة تبارك، وعيالها حولين منها حاميين ضهرها ورافعين رأسها. افتكرت كلماتها القاسية لما كانت بتاخد منها علب الأكل وترمي لها الكلام زي السم: "قولي الحمد لله إن سايباكي لسه قاعدة تحت سقف البيت ده!"... والنهاردة، هي اللي قاعدة جوة السقف ده وحيدة، مفلوسة، بتاكل اللقمة بمرارتها، وعايشة على الندم اللي بياكل في قلبها كل ما تسمع صوت نجاح الست اللي افتكرت إنها تقدر تكسرها. عرفت الحمات متأخر إن الستر والبركة ما بيجوش بالافتراء، وأن حوبة المظلوم لما تقوم.. ما فيش سقف في الدنيا يقدر يحمي الظالم من عدل ربنا.