حماتي كانت بتتعامل

رنّ المنبه الساعة الخامسة تمامًا.
فتحت عيني فورًا.
كنت مستيقظة أصلًا من شدة التفكير، لكنني تعمدت ألا أتحرك بسرعة.
مددت يدي وأغلقت المنبه، ثم جلست على طرف السرير للحظات.
البيت كله كان ساكتًا.
حتى صوت المكيف كان خافتًا.
بصيت ناحية الباب، وبعدها ابتسمت.
النهارده مش هيكون يومًا عاديًا.
ارتديت هدومي بهدوء، وأخذت موبايلي ونزلت للمطبخ.
أول حاجة عملتها إني فتحت التلاجة.
وبدأت أخرج كل الحاجات اللي أمي كانت مجهزاها للفطار.
بيض.
جبنة.
خضار.
مربى.
خبز.
عصير.
وفوق التلاجة كان فيه ورقة صغيرة بخط أمي.
قريتها.
كانت كاتبة
ما تنسيش إن حماتك بتحب القهوة خفيفة.
وقفت أبص للورقة ثواني.
حتى وهي تعبانة
كانت أمي بتفكر في تفضيلات حماتي.
حطيت الورقة مكانها.
وبدأت أعمل حاجة مختلفة تمامًا.
بدل ما أحضر الفطار لستة أشخاص زي كل مرة
حضرت فطارًا بسيطًا جدًا لشخصين فقط.
أنا وأمي.
وبعدها أخذت الورقة والقلم وجلست على طاولة المطبخ.
كتبت قائمة طويلة.
لكنها لم تكن قائمة مشتريات.
كانت قائمة بالأعمال التي كانت أمي تقوم بها كل عطلة نهاية أسبوع.
تنظيف.
غسيل.
تغيير ملايات.
تسوق.
طبخ.
ترتيب.
غسل الصحون.
تحضير مشروبات.
تنظيف الشرفة.
والأهم
إرضاء حماتي في كل تفصيلة صغيرة.
نظرت للقائمة.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
وكتبت في آخرها
من النهارده، كل شخص مسؤول عن نفسه.
طويت الورقة.
وفي اللحظة نفسها سمعت صوت خطوات خلفي.
التفت.
كانت أمي واقفة عند باب المطبخ.
شعرها مربوط، وملامحها فيها آثار النوم.
قالت باستغراب
إنتِ صحيتي بدري ليه؟
ابتسمت.
علشان أعمل لنا فطار.
ضحكت أمي.
لنا إحنا؟
أيوه.
وبعدين سألتني
والناس التانية؟
قلت بهدوء
كل واحد هيجهز لنفسه النهارده.
بصتلي أمي ثواني.
وبعدين فهمت.
قالت بسرعة
لأ يا بنتي، ما تعمليش مشكلة.
اقتربت منها وأمسكت يدها.
أنا مش هعمل مشكلة يا ماما.
طب هتعملي إيه؟
ابتسمت.
هخلي كل واحد يعرف قيمة الحاجة اللي بياخدها كأنها حق مكتسب.
أمي هزت رأسها.
أنا مش عايزة مشاكل بينك وبين جوزك.
وأنا كمان.
سكتُّ لحظة، ثم قلت
علشان كده أنا مش هقول لحد كلمة.
في الساعة السادسة إلا ربع، بدأ البيت يتحرك.
أول من خرج كان زوجي.
دخل المطبخ وهو نصف نائم.
بص للطاولة.
وجدني أنا وأمي فقط.
قال
صباح الخير.
ردت أمي بابتسامة
صباح النور.
بص للطبق أمامي.
الفطار فين؟
قلت
على السفرة.
بص ناحية السفرة.
كانت فارغة تقريبًا.
قال باستغراب
ماما ما حضرتش الفطار؟
رديت بهدوء
لأ.
ليه؟
معرفش.
وسكت.
هو نفسه بدأ يستغرب.
بعد دقائق خرجت حماتي.
كانت لابسة روبها، وشعرها مرتب، وفي يدها هاتفها.
دخلت المطبخ كعادتها.
بصت للطاولة.
ثم قالت
صباح الخير.
ردينا جميعًا.
فتحت التلاجة.
وبعدين سألت
فين الفطار؟
قلت
مفيش فطار جماعي النهارده.
بصتلي.
يعني إيه؟
ابتسمت.
يعني كل واحد يفطر اللي يحبه.
قالت
بس أنا متعودة إن أمك بتحضر الفطار.
هنا رفعت عيني لها.
وقلت بهدوء شديد
وأنا كمان متعودة إن أمي تتعامل مع بيتها براحتها.
سكتت.
زوجي بصلي بسرعة.
واضح إنه فهم إن فيه حاجة حصلت.
لكنني لم أعطه فرصة يسأل.
قمت من مكاني وقلت
أنا هطلع الشرفة أشوف الزرع.
حماتي قالت فورًا
الزرع لسه موجود؟
ابتسمت.
أيوه.
وسبتها.
خرجت للشرفة.
أمي جاءت ورايا.
كانت الأحواض ما زالت في المكان الذي وضعتها فيه بالأمس.
لكن كان فيه شيء جديد.
أنا كنت قد اشتريت في الصباح الباكر ثلاث لوحات صغيرة ووضعتها على سور الشرفة.
الأولى مكتوب عليها
بيتي مسؤوليتي.
والثانية
الضيف العزيز يساعد صاحب البيت.
والثالثة
الراحة أجمل لما تكون متبادلة.
أمي أول ما شافتهم، حطت يدها على فمها علشان ما تضحكش.
إنتِ مجنونة.
ضحكت.
يمكن.
قالت
لو شافتهم هتزعل.
مش مكتوب اسمها.
بس هتفهم.
المطلوب إنها تفهم.
بعد دقائق خرج زوجي.
بص للوحات.
وبعدين بصلي.
قال
إيه ده؟
قلت
دي ديكورات جديدة.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
دي مش ديكورات.
أمال إيه؟
رسائل.
ما جاوبتش.
كان واضح إنه بدأ يربط الأحداث ببعضها.
اقترب مني وقال بصوت منخفض
حصل حاجة امبارح؟
قلت
أنت كنت موجود.
أقصد بعد ما دخلنا.
لا.
سكت.
وبعدين قال
ماما قالتلي إنك كنتِ ساكتة بطريقة غريبة.
بصيتله.
لو عندك سؤال، اسألها.
رجع خطوة.
إنتِ زعلانة؟
قلت
أنا مش زعلانة.
أمال إيه؟
بصيت ناحية أمي.
ثم قلت
أنا بس اكتشفت إن فيه فرق بين الضيافة والاستغلال.
لم يرد.
وفي اللحظة دي خرجت حماتي.
كانت ماسكة كوب القهوة.
وقفت عند الباب.
بصت للوحات.
قرأت الأولى.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
ملامحها تغيرت.
قالت
مين حط الحاجات دي؟
ردت أمي بسرعة
بنتي.
حماتي بصتلي.
وليه؟
قلت
علشان شكل الشرفة.
قالت
شكلها كان حلو من غيرهم.
ابتسمت.
وأنا شايفة إنهم مناسبين جدًا.
استدارت وغادرت الشرفة.
لكنني عرفت من مشيتها إنها بدأت تفهم.
بعد حوالي نصف ساعة، حدث شيء لم يكن في حسابي.
سمعت صوت حماتي تنادي زوجي.
تعال يا ابني.
دخل عندها.
وبعد دقائق ارتفعت أصواتهما قليلًا.
لم أسمع كل الكلام.
لكنني سمعت جملة واحدة بوضوح
مراتك بتعاملني كأني غريبة!
ثم جاء رد زوجي
ماما، محدش قال كده.
أمال ليه الفطار اتغير فجأة؟
يمكن ماما تعبت.
أمك عمرها ما اشتكت.
يمكن لأنها مش بتحب تشتكي.
ساد الصمت.
وقفت في مكاني.
لأول مرة أسمع زوجي يقول هذه الجملة.
كنت أظنه لم يكن يرى شيئًا.
لكنه كان يرى.
ربما كان يتجاهل.
وربما كان يعتقد أن الأمور بسيطة.
لكن يبدو أن كل شيء بدأ يتغير.
بعد قليل خرج من الغرفة.
دخل المطبخ.
وجد أمي تغسل طبقها.
اقترب منها.
ماما.
أمي التفتت.
نعم؟
قال
من النهارده أنا اللي هعمل الصحون.
أمي ضحكت.
إنت؟
أيوه.
أخذ الطبق من يدها.
وبدأ يغسله.
حماتي كانت واقفة بعيدًا، تراقب المشهد.
ثم قالت
إيه الدراما دي كلها؟
زوجي لم يرد.
أكمل غسل الطبق.
أنا بصيت لأمي.
وأمي بصتلي.
ولأول مرة منذ بداية الصيف
أمي جلست.
ولم تفعل شيئًا.
كان منظرًا غريبًا جدًا.
امرأة اعتادت الوقوف منذ السادسة صباحًا
تجلس وتشرب قهوتها بينما ابنها يغسل الصحون.
بعد الفطار، قررت أخرج أتمشى.
أمي سألتني
هتروحي فين؟
أجيب شوية حاجات.
زوجي قال
أجي معاكي.
ركبنا السيارة.
وفي الطريق ظل ساكتًا.
كنت مستنية سؤاله.
وبالفعل، بعد عشر دقائق قال
احكيلي اللي حصل امبارح.
قلت
إنت عارف.
عايز أسمعه منك.
حكيت له.
من أول جملة حماتي عن الزرع
لحد ما أمي بدأت تحرك الأحواض.
وهو ساكت.
لما خلصت، قال
أنا ماخدتش بالي إنها قالت لأمك

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *