حماتي كانت بتتعامل
لمحة نيوز
ماتعمليش كده تاني.
قلت
دي أكتر جملة وجعتني.
سكت.
ثم قال
وأنا آسف.
بصيتله.
إنت بتعتذر عن إيه؟
لأني كنت شايف إن أمي بتقضي وقت لطيف، وأمك بتقضي وقت لطيف وما سألتش نفسي مين اللي بيعمل كل حاجة.
ثم أضاف
أنا غلطت.
كانت دي أول مرة أسمع منه اعترافًا واضحًا.
قلت
أنا مش عايزة أفرق بينك وبين أمك.
عارف.
ولا عايزة أمنعها تيجي.
عارف.
أنا بس عايزة أمي تتعامل كصاحبة بيت، مش كعاملة.
هز رأسه.
معاكي حق.
ثم ابتسم.
بس عندي سؤال.
إيه؟
اللوحات دي كانت فكرتك من الأول؟
ضحكت.
أيوه.
الضيف العزيز يساعد صاحب البيت؟
أيوه.
دي قوية.
ضحكت.
لسه ما شفتش الباقي.
فيه باقي؟
استنى.
رجعنا البيت بعد ساعة.
دخلنا فوجدنا مشهدًا لم أتوقعه.
حماتي كانت في المطبخ.
ولأول مرة منذ بداية الصيف
كانت تقطع الخضار.
أمي كانت واقفة بجوارها.
حماتي قالت
أمك قالتلي إننا هنحضر الغدا سوا.
بصيت لأمي.
أمي ابتسمت.
لكن حماتي أكملت
بس أنا مش عارفة هي بتقطع الطماطم بالطريقة دي ليه.
ضحكت أمي.
كل بيت وله طريقته.
كان الجو غريبًا.
لكن ليس سيئًا.
جلسنا جميعًا لتناول الغداء.
هذه المرة لم تكن أمي وحدها تتحرك.
زوجي أحضر الصحون.
أنا جهزت السلطة.
حماتي قامت بعد الأكل وجمعت طبقها.
لم يقل أحد شيئًا.
لكنها فعلتها.
وفي المساء، جلست حماتي في الشرفة.
الزرع ما زال في مكانه.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت لأمي
بصراحة شكله حلو.
أمي ابتسمت.
شكرًا.
سكتت حماتي لحظة.
ثم قالت
أنا يمكن كنت متعودة في بيتي إن كل حاجة تتعمل من غير ما أطلب.
أمي ردت بهدوء
وأنا متعودة أعمل كل حاجة علشان الناس اللي بحبهم.
حماتي بصت لها.
أمي كملت
بس ساعات الواحد لما يفضل يعطي كتير، الناس بتنسى إنه بيتعب.
لم ترد حماتي.
لكن هذه المرة لم تكن غاضبة.
كانت تفكر.
في اليوم التالي، حدث شيء أكبر.
كنا كلنا في المطبخ عندما قالت حماتي فجأة
أنا عايزة أقول حاجة.
كلنا سكتنا.
بصت لأمي.
وقالت
أنا آسفة.
أمي ارتبكت.
على إيه؟
قالت
على الزرع.
ابتسمت أمي.
الموضوع بسيط.
لكن حماتي هزت رأسها.
لا، مش على الزرع بس.
سكتت لحظة.
ثم قالت
أنا دخلت بيتك من أول الصيف واتعاملت معاه كأنه بيت راحتي، ونسيت إنه بيتك إنتِ.
أمي لم تعرف ماذا تقول.
حماتي كملت
وكنت كل ما ألاقي حاجة بتتعمل، أفتكر إنها عادية.
ثم ضحكت بحرج.
حتى إني وصلت لمرحلة إني أطلب منك تشيلي زرعك علشان أنا أشوف المنظر.
ضحك زوجي بخفة.
حماتي رمقته بنظرة جعلته يصمت فورًا.
ثم عادت لأمي.
أنا غلطت.
أمي اقتربت منها وقالت
خلاص.
لكن حماتي قالت
لا. مش خلاص.
ثم التفتت نحوي.
وإنتِ كمان.
رفعت حاجبي.
أنا؟
قالت
أنا عارفة إن كل اللي حصل النهارده كان بسببك.
بدأ زوجي يضحك.
أنا بصيت له.
إيه؟
قالت حماتي
إنتِ فاكرة إني ما فهمتش حكاية المنبه واللوحات والفطار؟
ضحكت رغمًا عني.
بصراحة كنت أتمنى ما تفهميش.
قالت
فهمت.
ثم سكتت قليلًا.
وأضافت
لكن يمكن كان لازم أفهم.
بعدها حدث شيء لم أتوقعه.
حماتي مدت يدها لي.
وقالت
أنا مش عايزة أبقى سبب في إنك تزعلِي من جوزك أو إن أمك تشيل مني.
مسكت يدها.
وأنا مش عايزة ده يحصل.
ابتسمت.
يبقى نتفق.
على إيه؟
أي حد ييجي بيت أمي ضيف.
وأنا؟
إنتِ ضيفة.
ضحكت.
حتى لو أم جوزك؟
حتى لو أم جوزي.
قالت
وحقوق الضيفة؟
قلت
الراحة والأكل والحب.
ثم أضفت
لكن من غير أوامر.
ضحكت.
موافقة.
مرت أسابيع بعدها.
لكن شيئًا تغير.
كل مرة كنا نروح فيها بيت أمي، كانت حماتي تقوم من نفسها.
مرة تغسل الصحون.
مرة تساعد في إعداد الغداء.
مرة تسقي الزرع.
وفي إحدى المرات، دخلت المطبخ فوجدتها واقفة بجوار أمي وهما يطبخان معًا.
قالت لي
تعالي شوفي.
بصيت.
كانت حماتي ماسكة خرطوم المياه وتسقي أحواض الزهور.
قلت
إيه ده؟
قالت
الزرع بتاع أمك.
ثم نظرت إليّ وأضافت
والمنظر حلو جدًا من هنا.
ضحكت.
من غير ما تشيليه؟
قالت
من غير ما أشيله.
ضحكت أمي من داخل المطبخ.
ومن يومها، كلما جاءت حماتي إلى بيت أمي، كانت أول شيء تفعله هو الذهاب إلى الشرفة.
لكنها لم تعد تتمدد على الكرسي وحدها.
كانت تسقي الزرع.
تعدل الأحواض.
وتجلس بعدها تشرب قهوتها.
وفي إحدى المرات، بينما كنا جميعًا جالسين، قالت لي أمي
عارفة إيه أكتر حاجة عجبتني في اللي حصل؟
قلت
إيه؟
قالت
إنك ما خدتِيش حقك بإهانة حد.
نظرت إليها.
فكملت
إنتِ بس خليتيها تشوف الصورة من الناحية التانية.
ابتسمت.
كان لازم تعرف إن البيت ده مش فندق.
حماتي سمعت الجملة من الشرفة.
صرخت
سمعتك!
ضحكنا جميعًا.
ثم دخلت وهي تحمل إبريق المياه.
وقالت
بس عندي طلب.
قلت
إيه؟
أشارت إلى أحد أحواض الزهور.
ده محتاج يتحرك شوية.
سكت الجميع.
نظرت إليها.
ثم انفجرنا كلنا في الضحك.
حماتي رفعت يديها بسرعة.
بهزر! بهزر!
ثم أضافت
والله ما هطلب منك تشيلي زرعة تاني.
أمي قالت
حتى لو حجبت المنظر؟
ردت حماتي
حتى لو حجبت نص الدنيا.
ثم جلست بجوارها.
وفي اللحظة دي فهمت إن أحيانًا أفضل طريقة تضع بها حدودًا مع شخص لا يحترم حدود الآخرين
ليست بالصوت العالي.
ولا بالإهانة.
ولا بالخلاف.
لكن بأن تتوقف ببساطة عن تسهيل كل شيء له.
لأن بعض الناس لا يدركون قيمة ما تقدمه لهم
إلا عندما تتوقف عن تقديمه.
وأمي لم تكن بحاجة لمن ينتقم لها.
كانت بحاجة فقط لشخص يقف بجانبها ويقول
كفاية.
وأنا قلتها.
بطريقتي.
ومن يومها
لم تعد حماتي تتعامل مع بيت أمي كمنتجع مجاني.
بل أصبحت، لأول مرة، تدخل إليه كضيفة حقيقية
تعرف أن من حقها أن ترتاح.
لكن من حق صاحبة البيت أيضًا أن ترتاح.
أما أحواض الزهور؟
فما زالت في مكانها.
وأمي كلما سقتها، تبتسم وتقول
دي مش مجرد زرع دي أول حاجة علمتنا كلنا إن للضيافة حدود.
وأنا في كل مرة أسمعها
أبتسم.
لأنني أعرف أن ذلك الصباح، الذي ضبطت فيه المنبه على الخامسة، لم
يكن الهدف منه الانتقام من حماتي.
كان الهدف أن أوقظ شيئًا أهم
احترام أمي لنفسها، واحترام الآخرين لها.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد أمي مضطرة للاختيار بين راحتها وبين راحة ضيوفها.
لأن الضيف الحقيقي
لا يجعلك تدفع ثمن وجوده من راحتك.
بل يجعلك تشعر أن استضافته كانت شيئًا جميلًا
وليس عبئًا تحملته لأنك تخشى أن تجرح مشاعره.