ليلة مادخلت اوضتى

النور بدأ يرجع للشقة بالتدريج مع أول خيوط الفجر، وشمس الشتا الباردة قطعت الضباب الدافي اللي كان على زجاج البلكونة.
قمت من على الكنبة ببطء، حطيت كباية الشاي الفاضية في الحوض، وتلفوني رن. بصيت على الشاشة… كان رقم غريب مش مسجل عندي.
رديت بصوت متزن:
“أيوة؟”
جه الصوت من الناحية التانية، متقطع ومصحوب بنشيج مكتوم، صوت ضعيف وطالع بالعافية، بس مألوف لدرجة خلّت جسمي يقشعر ثانية واحدة قبل ما أرجع لثباتي:
“مريم… أنا نهى.”
سكت وما ردتش. سبتها تسمع صوت أنفاسي الهادية.
كملت وهي بتتكلم بسرعة ولهفة كأنها خايفة أقفل السكة في وشها:
“مريم أنا عارفة إني مالياش عين أكلمك… وعارفة إنك مش هسامحيني… بس والله العظيم طارق وكريم ضحكوا عليا، طارق استغل إن عليا شيكات ومصنع أبويا المديون وهددني بيهم… كريم هو اللي أصر ناكل حقك… أنا محبوسة في قسم قصر النيل بتهمة شيكات مزورة طارق لبسهالي… المحامي قاللي إنك الوحيدة اللي تقدري تتنازلي عن البلاغ المباشر وتنقذيني… أنا بموت يا مريم… أرجوكي!”
وقفت قدام الشباك وبصيت على الشارع من فوق. حركة العربيات كانت بدأت تزيد، والناس رايحة شغلها طبيعي.
قلت ببرود أبرد من هواء الصبح:
“نهى… فاكرة لما دخلت عليكي الأوضة ليلة 17 ديسمبر وقربتي مني وقلتيلي ‘إحنا أخوات’؟”
صوت عياطها زاد:
“فاكرة… والله فاكرة…”
“أنا يومها ما سمعتكيش عشان الشومة كانت في إيدي… بس التلات سنين اللي قضيتهم في السجن علموني أسمع كويس.”
سكت لحظة، وبعدين كملت بنبرة هادية ومستقرة:
“الأخت ما بتسرقش جوز أختها، والصاحبة ما بتنهبش شقا عمر صاحبتها لما تقع. إنتي مش مظلومة يا نهى… إنتي بس طمعتي، ولما الكيكة صغرت، أصحابك أدوكي بالقلم على وشك. أنا مش هجي أتنازل… ومش هسحب ولا قضية… كل قرش وكل ليلة قضيتها في الضلمة، هتدفعوا تمنها بالقانون.”
وقبل ما تنطق بأي كلمة تانية، قفلت السكة في وشها، وعملت للرقم بلوك.
مسكت شنطتي، ولبست جاكيت الأسود الطويل، وخرجت من الشقة.
نزلتي الشارع المرة دي كانت مختلفة. المشية بقت أسرع، والنظرة بقت أثبت. ركبت عربيتي الجديدة اللي المحامي جابهالي الشقة الصبح مع الأوراق، ومشيت بيها في اتجاه مقر الشركة في التجمع الخامس.
أول ما دخلت المبنى الفخم، موظفين الأستقبال وقفوا بذهول، والنظرات كانت بين مصدوم ومش مصدق.
مدير الأمن جرى عليا وهو بيبلع ريقه:
“مدام مريم… حمد الله على السلامة يا فندم!”
ابتسمتله ابتسامة صغيرة مشيت بيها ناحية الأسانسير:
“الله يسلمك يا عم حسين… اجمعلي مدراء الأقسام كلهم في قاعة الاجتماعات الرئيسية… بعد عشر دقايق بالظبط.”
طلعت الدور الأخير، ودخلت مكتبي الكبير. كان زي ما هو، بنفس خشبه الأبنوس ورسمة اللوحة المعلقة على الحيطة، بس الشاشات والأوراق المرمية كانت بتدل على العشوائية اللي سابها طارق وكريم وراهم.
قعدت على كرسي الجلد الفخم، وفتحت المكروباد بتاع المكتب، وشغلت النور.
عشر دقايق بالظبط، والباب اتفتح ودخل مدراء الأقسام ورا بعض، خايفين ومترددين، مش عارفين المستقبل فيه إيه بعد ما الملاك القدامى اتقبض عليهم ليلة امبارح.
بصلتهم واحد واحد، وقلت بصوت حاسم ورنان مالي القاعة:
“من النهاردة… الشركة دي ملهاش غير مالك واحد، ومدير واحد… أنا. كل العقود اللي اتوقعت في غيابي هتتراجع، وكل الحسابات هتتقفل، واللي ليه حق عندي هياخده… واللي فاكر إن الشركة كانت سايبة، يجهز استقالته من دلوقتي.”
سكتوا كلهم، ومفيش حد أتجشأ ينطق بحرف، قبل ما مدير المبيعات ينحني باحترام ويقول:
“تحت أمرك يا فندم… جاهزين لنقطة ومن أول السطر.”
سندت ظهري على الكرسي، وبصيت من شباك المكتب الزجاجي على السحاب الماشي في السما.
الحكاية اللي بدأت بخيانة في غرفة نوم، ودم على أرضية الشقة، وتلات سنين ورا القضبان… انتهت النهاردة. مش بالانتقام الدموي ولا بالصريخ… انتهت لما كل واحد رجع لمكانه الطبيعي: هما ورا الحديد… وأنا هنا، على قمة شغلي وحياتي من جديد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *