ليلة مادخلت اوضتى

طارق سكت خالص، إيده اللي ماسكة الورد بدأت تترعش، والوردة اللي كنت ماسكاها اتفركت بين صوابعي ووقع ورقها الأصفر على الأرض الترابية.
“مريم… إنتي فاهمة غلط…”
صوته طلع واطي ومكسور، بس ماكانش فيه نقطة صدق واحدة.
ابتسمت ابتسامة باردة، ومشيت من جنبه بخطوات هادية ناحية العربية. فتحت الباب المالي جنب السواق وقعدت، وبصيتله من الشباك:
“اركب يا طارق… مش بتقول نروح بيتنا؟ يلا عشان نوصل.”
ركب جنب الشباك التاني وهو ساكت تمامًا، حط بوكيه الورد على الكنبة المقلوبة ورا، وطول السكة كان بيبصلي من مراية العربية بجزع. أنا ما بصيتش ورايا ولا مرة. كنت بفرج عيني على الشوارع، على المباني، على الناس اللي ماشية طبيعي كأن الزمن ما وقفش عند حد يوم 17 ديسمبر.
العربية وقفت قدام العمارة اللي فيها الشقة القديمة. الشارع هو هو، بس كل حاجة جوايا أنا كانت اتغيرت.
طلعت السلم، وطارق طالع ورايا بيتنفس بصعوبة. وقفت قدام الباب، حطيت إيدي على الأوكرة، وفتحت.
الشقة ماكنتش مهجورة زي ما كنت متوقعة. كان فيه ريحة سجاير طالعة من جوة، وصوت تلفزيون شغال بصوت واطي.
أول ما خطيت جوة، الصوت سكت.
كريم كان قاعد على الترابيزة، قدامه أوراق وملفات مفتوحة، وفي إيده كاس. أول ما شافني واقفة قدامه، إيده اتجمدت في الهواء. كَبَر ثلاث سنين كاملين، شعره شاب، والندبة القديمة بتاعة الشومة كانت واضحة على دراعه.
بص لطارق اللي واقف ورايا، وبعدين بصلي وقال بصوت مبحوح:
“مريم…”
“رجعت يا كريم…” قلتها وأنا بقفل الباب ورايا بالراحة. “رجعت عشان أخد الهدية اللي نسيتها يوم عيد جوازنا التالت.”
كريم قام من مكانه ببطء، عينيه بتروح بيني وبين طارق:
“إيه اللي جابك هنا؟ طارق… إنت مش قلت إنك هتستناها وتوديها الشقة الجديدة لحد ما نخلص نقل الأسهم؟”
طارق بلع ريقه وما نطقش.
أنا مشيت بخطوات ثابتة ناحية الترابيزة، مسكت ملف من الملفات المفتوحة وقريت العنوان اللي عليه. كان تنازل عن باقي أصول الشركة باسم شركة أوفشور مسجلة بره مصر… باسم طارق وكريم.
“كنتوا فاكرين إن السجن بيقفل العقل؟”
رميت الملف على الترابيزة وبصيت لكريم في عينيه مباشرة:
“إنت بعتني عشان فلوس ورغبة رخيصة… وهو باعك إنت كمان يا كريم. طارق كان بياخد نسبي ونسبتك طول التلات سنين اللي فاتوا، والحساب اللي إنت فاكر إنه باسمكم أنتوا الاتنين، طارق حوله الأسبوع اللي فات باسمه هو لوحده… برقم سري إنت بنفسك عملتله توقيع تفويض عليه وأنت سكران.”
كريم وشها ابيض، وبص لطارق بذهول:
“طارق؟ الكلام ده صح؟”
طارق رجع خطوة لورا ناحية الباب، بس قبل ما يلحق يفتحه، صوت جرس الباب رن. رنة منتظمة وثقيلة.
فتحت الباب بنفسي.
كان واقف بره اتنين برتب عالية من مباحث الأموال العامة، ومعاهم القوة بتاعتهم.
الباشا بصلي وقال:
“مدام مريم عبدالسلام؟”
“أيوه يا فندم.”
بص لطارق وكريم وقال بلهجة حاسمة:
“طارق المحامي وكريم… مطلوب القبض عليكم بتهمة التزوير، والاستيلاء على أموال شركات، وغسيل أموال بناءً على البلاغ والمستندات المقدمة للنيابة العامة.”
كريم انهار على الكنبة وهو مش مصدق، وطارق حاول يتكلم بس العساكر كانوا أسرع منه وحطوا الكلابشات في إيديه.
أنا فضلت واقفة في نص الصالة، بصلهم وهما بيتاخدوا واحد ورا التاني.
لما الباب اتأفل وراهم والشقة فضيت، السكون رجع تاني… بس المرة دي ما كانش فيه رعب، ولا خيانة، ولا قهر.
مشيت ناحية الجزامة اللي جنب الباب. مكان الشومة كان فاضي، بس علبة الساعة الذهب القديمة كانت لسه مركونة فوق الترابيزة، مغطاة بتراب السنين.
مسكت العلبة، فتحتها، وطلعت الساعة. حطيتها في إيدي، وبصيت للعقارب وهي بتتحرك بثبات.
الزمن ما وقفش… هو بس كان مستنيني أرجع أظبطه من جديد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *