ليلة مادخلت اوضتى
الشهور عدت بعد اليوم ده زي المية اللي بتجري في النهر بسرعة، من غير ما تسيب وراها غير الأثر الطسيب.
الشركة رجعت لوضعها الطبيعي، وأحسن كمان. العقود الجديدة اللي وقعتها كانت أضعاف اللي فات، واسمي في السوق بقى يتقال معاه ألف حساب. ما بقيتش مريم الهادية اللي بتعدي وتفوت… بقيت مريم اللي الكل عارف إن ضربتها بالقانون والقلم، وما بترحمش.
في يوم في نص شهر نوفمبر، كنت قاعدة في مكتبي براجع التقرير السنوي، والتليفون الأرضي رن.
كان الأستاذ جلال المحامي.
“مساء الخير يا مريم يا بنتي.”
“مساء النور يا أستاذ جلال… خير؟”
“الجلسة المجمعة بتاعة كريم وطارق ونهى اتحددت، والحكم الصادر من المحكمة اتصدق عليه خلاص.”
سندت ضهري على الكرسي، وبصيت للشاشة:
“يا ترى أخدوا إيه؟”
صوت الأستاذ جلال كان فيه نبرة ارتياح ثقيلة:
“طارق أخد 12 سنة مع الشغل والنفاذ بتهم التزوير والاستيلاء وغسيل الأموال ورد المبالغ المنهوبة بالكامل… كريم أخد 7 سنين مشاركة وتزوير… ونهى أخدت 3 سنين في قضايا الشيكات وإيصالات الأمانة، والمحكمة رفضت كل طعونهم.”
سكت ثواني. التلات سنين اللي أخدتهم نهى كانوا بالظبط نفس التلات سنين اللي أنا قضيتهم في السجن بسببها وبسبب كريم.
عدالة القدر ساعات بتكون دقيقة لدرجة تخوف.
“ومحدش فيهم طلب يعرض تسوية تاني؟” سألته.
ضحك الأستاذ جلال بصوت واطي:
“كريم حاول يبعتلك جواب مع المحامي بتاعه بيترجاكي تفيقي دينه عشان ما يترماش في التخشيبة، وبيقولك إنه لسه بيحبك وإن طارق هو اللي ضحك عليه… أنا طبعًا رميت الجواب في الزبالة قدام المحامي بتاعه من غير ما أرجعلِك.”
“عملت الصح يا أستاذ جلال… كريم بالنسبة لي مات من ليلة 17 ديسمبر.”
قفلت المكالمة مع المحامي، وقمت وقفت قدام الشباك الكبير.
الليل كان نزل على القليوبية والقاهرة، والأضواء الملونة مالي الشوارع. فتحت شنطتي، وطلعت منها العلبة الصغيره اللي كانت فيها الساعة الذهب… الساعة اللي اشتريتهاله يوم عيد جوازنا، واللي اتغطت بالتراب سنين.
مسكت علبة الساعة، ومشيت بيها لحد باسبور الزبالة المخصص للمكتب، ورميتها جواها بنفس الهدوء اللي خرجت بيه من شقتي ليلة الخيانة.
رميت أخر قطعة من الماضي… رميت الذكرى اللي كانت ممكن تفكرني بأي ضعف.
خرجت من المكتب، ونزلت السلم الرئيسي. الموظفين كانوا بيسلموا عليا باحترام وهما ماشيين، والابتسامة على وشوشهم صريحة مش مجاملة.
ركبت عربيتي، وشغلت الراديو على أغنية هادية، ومشت في الزحمة وأنا حاسة برائحة الأمان الحقيقي. الأمان اللي ما بيجيش من راجل، ولا من صاحبة، ولا من كلمة حلوة… الأمان اللي بنبنيه بإيدينا لما نعرف قيمتنا، ولما نسدد حسابنا مع الحياة بالكامل وما نسيبيش وراها ملّيم واحد لأي حد.
ابتسمت للنور الأخضر اللي فتح قدامي على الطريق، ودست بنزين… وأنا متأكدة إن اللي جاي في حياتي مش مجرد بداية جديدة، ده كان الانتصار الأخير.
