بمجرد أن انصرف يزيد وغادر الفيلا، واطمأن عتمان إلى أن خطته لاستعادة هيبته تسير على ما يرام، تسلل صفوان بخطوات هادئة وحادة نحو المكان غرفه مهره . لم يستطع كتمان حيرته ورفضه الداخلي؛ فهو يعلم جيداً كيف كانت تماطل وتتهرب من يزيد طوال الفترة الماضية، عندما ساله والده اخبره بما يدور فى ذهنها فما الذي جعلها تندفع هكذا وتوافق على عرضه وتخبر والدها وهى تعلم أن والدها يرغب فى زواجها حتى يحافظ على ماء وجهه..وكأنها تلقي بنفسها في النار بمحض إرادتها؟ وجدها واقفه بالقرب من النافذة، تغالب أفكارها وتفرك كفيها بتوتر شديد. اقترب منها بصوت خشن وغاضب يحمل في طياته خوفاً دفيناً عليها: ـ إيه اللي بتعمليه في نفسك ده يا مهرة؟! انتى لسه ماتعرفيهوش كويس ليه اخدتى الخطوه دى وانتى عارفه إن ابوكى مش هيسكت … صمتت قليلا ثم اكمل ـ لو مش عايزاه قوليلى .. لو حاسه انك اتسرعتى وعملتى كده عشان الكلام اللى ابوكى قالهولك قولي ….. قوليلي كلمة واحدة بس، وأنا بنفسي أقطع الطريق ده كله وأبعده عنك، وانا هتحمل كل المسئولية رفعت مهرة عينيها إليه، و كان وجهها شاحباً ودموعها محبوسة بصعوبة بالغة. كانت تشعر بأن عقلها على وشك الانفجار؛ فهي حقاً لا تستطيع الإجابة.. ألا تدرك ما تفعله؟ ربما، لكنها باتت تفضل حريق النار على العيش في جحيم أبيها المستمر وحديثه اليها ومعايرتها الدائمه نظرت في عينيه بثبات مصطنع وقالت بحدة وانفعال كادت تخفيه غصة حلقها: ـ تبعده عني بصفتك إيه يا صفوان؟! ومين قالك إني مش عايزاه؟! سيبني في حالي وما تدخلش.. أنا حرة، ومن حقي أعيش بالطريقة اللي تعجبني وأختار طريقي بنفسي! ضاق صدر صفوان من جفائها وعنادها المفاجئ، ليهز رأسه بأسف وعتاب مرير: ـ حرة؟! دي مش حرية يا مهرة.. ده طيش وغضب أعمى. قدامك عمر وحياة طويلة، الجواز مش لعبة تهربى بيها من ابوكى ومن كلامه ! لو وافقتي عليه لمجرد الهرب، هتدفعي التمن غالي أوي احنا لسه مانعرفوش كويس يامهره لكن مهرة أدارت وجهها عنه بعناد قاتل، وابتسمت بمرارة لا تطاق وهي تحدث نفسها في صمت: ظلت تنظر امامها وتتحدث داخلها ـ ” سبنى يمكن يمكن يزيد يخلينى انساك يمكن يكون بيحبنى فعلاً وشايف فيه حاجه انا معرفهاش يمكن اقدر انساك ” أطبقت شفتيها بقوة ورفضت الاستماع لأي حرف إضافي، تاركة صفوان يقف مكانه محتاراً ومحروقاً بنار الغيرة والعجز أمام هذا القرار الأهوج الذي اختارت أن تحرق به قلبها قبل أي شخص آخر. وقف صفوان مكانه لثوانٍ، وكأن كلماتها الحادة قد لطمته على وجهه، لكن خوفه العميق عليها وإصراره على حمايتها جعلاه لا يستسلم لهذا الجفاء. تقدم خطوة أخرى نحوها، وصوته يلين رغماً عنه ليتحول إلى نبرة رجاء حارة تكسر قسوة الموقف: ـ عشانك أنتِ يا مهرة! ادي لنفسك فرصة، فكري بعقلك مش برد الفعل ولا بالوجع. الجواز مش مهرب، ده اختيار لعمر كامل. لو اتسرعتي ودخلتِ سكه مش قدها، مش هتلاقي حد يشيل عنك الشيلة غيرك. سيبيلي فرصة أكلم عمي، أو على الأقل اتأكدي من مشاعرك الأول.. مش حرام تظلمي نفسك وتظلمي شاب جاي يطلب الحلال بقلب صافي، لمجرد إنك عايزة تثبتي لأبوكِ عكس اللي قاله؟ التفتت مهرة ببطء، ودموعها التي حابستها طويلاً بدأت تهدد بالانهيار من مجرد صوته الحنون الذي يكشف مدى خوفه الحقيقي عليها، لكنها تجمدت في مكانها، وعضت على شفتها حتى ابيضت لتمنع صوت شهقتها من الخروج. تابعت حديثها الداخلي وهي تبتلع مرارة القهر: “اظلم نفسي؟! يا ريتك تفهم إن الظلم الحقيقي هو إني أفضل أسيرة لقلب متعلق بواحد خاطب وبعيد عني.. يزيد ابن حلال، وممكن يكون هو طوق النجاة الوحيد اللي هيخرجني من الظلمة دي كلها!” عقدت حاجبيها بقوة، ورسمت على وجهها قناع الجفاء والبرود الظاهر لتخفي خلفه ركاماً من الانكسار، وقالت بصوت يقطع أي محاولة للنقاش: ـ كفاية يا صفوان.. ارجوك. كل اللي بتقوله ده مش هيغير حاجة. أنا كبيره وعاقلة وعارفه أنا بعمل ايه كويس، والخطوة دي خطوتي وحدي. سيبني في حالي.. واتفضل اخرج من أوضتي لو سمحت. وقفت معالم وجه صفوان متصلبة أمام إصرارها المرعب. ألقى عليها نظرة أخيرة محملة بوجع العجز والغيرة المشتعلة في صدره، ثم استدار بخطوات ثقيلة ومترددة، غارقاً في صمته الرهيب، وهو يشعر أن مهرة تنزلق من بين يديه نحو مجهول قاسي، بينما يقف هو مكتوف الأيدي عاجزاً حتى عن إنقاذها من نفسها! لم تمض سوى ساعات قليلة حتى طرق والظها باب غرفتها بخشونة ، ليدخل عتمان وملامح وجهه يغلب عليها رضا غريب، وكأنّه وجد ضالته المنشودة أخيرًا. جلس على المقعد المقابل لها، وابتسامة تعلو شفتيه لاول مره تراها وهو يتحدث معها ، قبل أن يبدأ في الحديث بنبرة آمرة ومحسوبة: ـ قاعدة وحدكِ بتاكلي في نفسك ليه؟ ما خلاص.. العريس جه وطلبك، ويزيد شاب ما يعيبوش أي عيب، وفتح مخي وكلمني في حاجات تفتح النفس.. ده غير إن لو الموضوع تم على خير، في مشاريع وشغل مشترك كبير هيجمعني بيه ومع العيلة الكبيرة دي. تسمّرت مهرة في مكانها، وضيقت عينيها بذهول صامت وهي تتابع كلام أبيها الذي يكشف لها شيئًا فشيئًا عن أسبابه الحقيقية؛ فهي لم تكن سوى ورقة مساومة وصفقة جديدة يضمن بها مكاسبه ومشاريعه! تابع عتمان حديثه بتعجرف، وهو يعدّ أصابعه وكأنه يخطط لمعركة تخصه وحده: ـ بس طبعًا، الأصول بتقول إننا ما نستعجلش قوي قدام الناس، عشان محدش يقول عتمان رمى بنته على أول عريس عشان يكيد في أخوه وابن اخوه زيدان ويقضيها لعب عيال ! هنخلي الخطوبة دي في العالي، بس هسافر أنا الأول البلد نظبط كل حاجه واعرف زيدان ده هيتحوز امته بالظبط ، ونأجل مع يزيد فترة قصيرة لحد ما اكلمه ونحدد الميعاد ويجى بأهله ويتقدم رسمى قدام كل البلد صمت لثانية، ثم رمقها بنظرة جافة محملة باستخفاف والتقليل، وأردف بكلمات نزلت على قلبها كالصاعقة: ـ وعموماً.. افتكري كلامي كويس يا مهرة، واعرفي قدرك زين؛ ده يزيد شاب زينة والكل يتمناه، وبحالتك دي وقعدتك في البيت، لولا أنه اتقدم واختارك، مكنش حد باصص لك ولا دق بابك أصلًا! احفظيه كويس وحافظي عليه، لأنه فرصة عمرك اللي مش هتتكرر! انتهى من كلماته وتركها غارقة في بئر من القهر والمرارة، ليزيد طعناته إيلاماً فوق جروحها القديمة، بينما تدور في رأسها ألف فكرة وفكرة عن هذا المستقبل الذي يُرسم لها دون أن يكون لها فيه رأي أو اختيار حقيقي. استدار عتمان ببطء وهمّ بمغادرة الغرفة، لكنه فجأة توقف في منتصف خطواته، وكأنّ فكرة خبيثة أو سؤالاً ملحاً لمع في عقله. التفت إلى الخلف بحدة، وسمر عينيه النافذتين عليها بنظرات مشبوهة وتوجس لم يخفه، ليقول بصوت غليظ ومتربص: ـ استني عندك.. هو أنا نسيت أسألك صحيح ! أنتِ أصلاً عرفتيه فين وازاي؟ وازاي وصل لبيتنا وطلبك بالسرعة دي من ورا ضهري ومن غير ما نعرفه كويس؟ انتفض قلب مهرة في صدرها، وشعرت أن الدم جرى عكسه في عروقها. كانت تلك هي اللحظة المرعبة التي تخشتها طوال الوقت؛ كيف ستبرر علاقتها بـ يزيد دون أن تفتح باباً للشك أو تكشف حقيقة الكذبة التي تورطت فيها أكثر فأكثر؟ لكنها تجمّعت، وابتلعت ريقها بصعوبة بالغة، ورفعت رأسها لتواجه نظرات أبيها بثبات مصطنع وهي تحاول نسج كذبة متماسكة تستر بها الأمر: ـ الموضوع وما فيه.. إن كان عندي تدريب من فترة، ونزلت الشركه .. وهناك حصلت المقابلة، وشافني صدفه وعرّف نفسه، ومن وقتها وهو… وهو كان بيلح على الموضوع. ضيّق عتمان عينيه أكثر، متفرساً في ملامحها وكأنه يحاول التقاط أي كذب في صوتها، قبل أن يهز رأسه بتهكم خفيف وعجرفة معتادة، ويقول بلهجة حادة: ـ مممم.. أهو طلعتي بنتيجة عدلة أخيراً! المهم، الكلام ده يفضل محطوط في حراسك ومش عايز لغوصة ولا كلام كتير مع حد.. وجهّزي نفسك، وما إن أتم كلماته حتى غادر الغرفة وترك الباب مطبقاً خلفه، لتسقط مهرة على السرير كمن ألقى عنه جبالاً من الصخر، وهي تلتقط أنفاسها المتقطعة بصعوبة بالغة، متسائلة إلى أين ستأخذها هذه الدوامة التي لا تنتهي! ظلت مهرة جالسة مكانها وحدقات عينيها معلقه بالفراغ، بينما كلمات أبيها القاسية تتردد في رأسها كصدى مزعج: “لو مكنش هو اتقدم، مكنش حد باصص لك..!”. أغلقت عينيها بقوة، وكأنها تحاول أن تعصر كل قطرة ضعف وحزن من صدرها لتستبدل به إصراراً أعمى.تذكرت زيدان ورفضه لها امام الجميع تذكرت لحظه دخولها منزل عمها وصفوان الذى لا تعلم متى تعلقت به هى كانت تخاف منه وتهابه منذ متى وأصبح كل تفكيرها معلق به هكذا هل كانت تبحث على بديل افصل من زيدان فتعلقت به لماذا تتمسك بوهم مستحيل؟ صفوان خاطب، ولن يكون لها أبداً، وكل نظراته الخائفة أو محاولاته للتدخل ليست سوى شفقة ، بينما يزيد… يزيد رجل أتى من الباب ، يطلبها فى العلن لا يوجد شخص ينفاسها عليه وغير طامع بها ومستعد ليمنحها اسماً وداراً ووجاهة تكسر بها عين أبيها وكل من استصغرها. فتحت عينيها على إصرار جديد ومفاجئ، وقالت بصوت همس به لنفسها وكأنها تعقد معاهدة صعبة: ـ كفاية لحد هنا.. صفوان انتهى تعلقى بصفوان عشان كنت عايزه ارتبط بواحد افضل من زيدان لكن خلاص مش هسمح لقلبي يعيش على سراب تاني. يزيد بيحبني، وطلبني بالحلال، وأنا هدي لنفسي الفرصة دي.. وهكون أنا اللي بتقرب منه. لم تترك لنفسها وقتاً للتراجع؛ مدت يدها بخطوات ثابتة نحو هاتفها المحمول الملقى على الفراش. فتحت قائمة الاتصالات، وبحثت عن رقمه الذي طالما ترددت في الرد عليه أو تجاهل رسائله. أخذت عمقاً من الهواء، وضاقت أصابعها على الشاشة لتضغط زر الاتصال وهي تردد الشهادتين في قلبها. لم تنتظر طويلاً؛ فكأن هاتف يزيد كان بانتظار إشارتها الوحيدة. جاء صوته سريعاً، محمولا بلهفة وحرارة حقيقية وكأنه لم يصدق عينيه وهو يرى اسمها على الشاشة: قرائتها فقط على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد عشان انزل بشكل اسرع لو لقيت التفاعل حلو ـ مهرة؟! مش مصدق نفسي.. أهلاً بيكي يا مهره.. ابتسمت مهرة لزلة لسانه المحببة، وارتسمت على شفتيها أول بارقة أمل حقيقية، لتجيبه بصوت هادئ ومتحكم فيه، يحمل نبرة جديدة لم يعتدها منها: ـ أهلا يا يزيد.. أنا أسفة لو كنت أخرت ردي عليك الفترة اللي فاتت، بس… بس كنت محتاجة أصفّي أفكاري. صمت يزيد لبرهة مذهولاً من تحول نبرتها، ليهتف بصوت يقطر فرحاً: ـ صفّيتي أفكارك؟ يعني… يعني أقدر أقول إن الباب اتفتح؟ أومأت مهرة برأسها في الخفاء، وقالت بجدية وثبات: ـ أقدر أقول إننا ممكن نبدأ صفحة جديدة ونقرب من بعض ونفهم بعض أكتر.. لو لسه راغب، أنا مستعدة أقابلك بكرة، ونتكلم براحتنا. كدت كلمات يزيد تتقاطع من شدة اللهفة والسعادة: ـ أقبل؟! ده أنا ماكنتش أتمنى كلمة أحسن من دي أبداً! بكرة اعدى عليكى فى المكان اللى هتمونى فيه ونروح نتغدى سوا ايه رأيك؟؟ ـ تمام.. اتفقنا انا بكره هكون فى الجامعه هبعتلك اللوكيشن تعدى عليه أغلقت مهرة الهاتف، وشعرت أن حجراً هائلاً انزاح عن صدرها. وفي تلك اللحظة، ومع تذكرها لصفوان، قررت داخلها أنها ستطوي صفحته نهائياً؛ ستتجاهله تماماً، وتغلق كل النوافذ التي كانت تربطها به، لتبدأ رحلة جديدة ومجهولة مع يزيد، علّه يكون طوق النجاة الحقيقي الذي ينقذ ما تبقى من روحها! في الجهة الأخرى من الفيلا، كان جدار الصمت والغضب يلتف حول صفوان كطوق من النيران. وقف داخل غرفته، وعيناه تعكسان صراعاً مراً ومرارة لا تطاق؛ شعر بأن كل محاولاته لإنقاذ مهرة وحمايتها قد قوبلت بالجفاء والصد، وبأنها قد اختارت بكامل إرادتها أن تلقي نفسها في هذا الطريق وتغلق الباب في وجهه نهائياً. تسلل شعور قاتل بالهزيمة والخزلان إلى صدره، فقرر في تلك اللحظة الحاسمة أن يضع حداً لكل هذا العذاب؛ أن ينسحب كلياً، ويختفي من أمام عينيها تماماً، ليدعها تواجه اختيارها وحدها دون تدخل أو إزعاج منه، وأن يركز حياته وعلاقته الرسمية فيما يخصه. أخذ هاتفَهُ بخطوات عصبية، وبحث في قائمة الأسماء حتى استقرت إصبعه على اسم “رشا”. رنّ الهاتف لثوانٍ معدودة قبل أن يرد صوتها الهادئ ـ أهلاً يا صفوان.. ازيك عامل ايه تنفس صفوان بعمق، وحاول أن يبدو صوته ثابتاً ـ الحمد لله ..انا بخير يا رشا، كنت بس بتكلم عشان نشوف معاد نتغدى فيه سوا بكرة.. محتاجين نقعد نتكلم نفصل شويه عن الشغل والتجهيزات صمتت لثانية، وكأنها تقيم الأمر بهدوء قبل أن تجيبه بنبرة عادية جداً ومتحفظة: ـ تمام يا صفوان.. مفيش مانع. ابعت لي العنوان والميعاد، وخير إن شاء الله. ـ تمام يا رشا جهزى نفسك وانت هخلص شغل بكره ونتقابل ـ تمام اتفقنا أشرق صباح اليوم التالي حاملاً معه رياح التغيير والجمود في آن واحد داخل جدران الفيلا. كان كل من مهرة وصفوان قد عقدا العزم على حرق صفحات الماضي وطيها تماماً؛ تحرك كل منهما في صمت متقصد، متجنبين التقاء النظرات أو الصدف، وكأن جداراً من الجليد قد بني بين غرفتيهما. جهزت مهرة نفسها على مهل ، وارتدت أثواباً تمنحتها ثقة ظاهرية، ثم غادرت الفيلا متوجهة إلى جامعتها، محاولة إزاحة أي أفكار مسبقة عن عقلها، لتستعد للقاء الذي سيحدد شكل حياتها القادم. وما إن انتهت من محاضرتها الاخيره حتى رنّ هاتفها معلناً وصول يزيد. التقت به خارج أسوار الجامعة، حيث استقبلها بابتسامة واسعة تفيض سعادة واهتماماً. فتح لها باب السيارة بحفاوة بالغة، وما إن استقرت في مقعدها حتى بادرها بلطف: ـ عامله ايه يا مهرة.. أخيراً هنتقابل بعيداً عن زحمة البيت والترتيبات. أنا جهزت لنا مكان هادئ وجميل يارب يعجبك.. إيه رأيك نتغدى على النيل؟ الهواء هناك هيعجبك وهيصفّي ذهنك. أومأت مهرة برأسها في موافقة هادئة، وبدت مرتاحة لتلك المبادرة التي تشعرها بأنها تختار حياتها بنفسها بعيداً عن سيطرة أبيها. وبالفعل، انطلق يزيد بسيارته نحو أحد المطاعم الراقية المطلة على صفحة النيل الهادئة. وفي نفس التوقيت تماماً، كان صفوان قد مرّ على رشا في مكانهما المتفق عليه. ركبت السيارة بجانبه بهدوء، وبادرت بتحية ليتحرك هو الآخر صامتًا، متخذًا طريقه نحو نفس المطعم الراقي على النيل، باحثاً عن مكان هادئ بعيد تماماً عن صخب المولات . لم يكن أي منهما يعلم بما تخبئه الأقدار؛ ففي اللحظة التي ترجل فيها يزيد ومهرة من السيارة ليدخلا إلى ذات المطعم، كان صفوان ورشا يخطوان خطواتهما الأولى للداخل ، بينما كان يزيد يمشى بجانب مهرة ليقودها إلى إحدى الطاولات المطلة مباشرة على صفحة الماء، وبدت على وجهه ملامح السعادة والاهتمام الواضح وهو يحاول إدخال الطمأنينة إلى قلبها. وفي اللحظة ذاتها، كان صفوان يخطو بخطوات ثابتة وإلى جواره رشا ممسكه بذراعه ، متوجهين نحو طاولة أخرى تبعد عدة خطوات فقط في نفس القاعة الهادئة. وما إن التفتت عيون مهرة صدفة لترى ما حولها، حتى اصطدمت بـ صفوان وهو يسحب الكرسي لرشا لتجلس. تسمّرت أنفاس مهرة في صدرها، وانعقد لسانها وهي تراه هناك، وامتلأت نظراتها بصدمة مفاجئة. وفي نفس اللحظة، تحولت عيون صفوان لتستقر عليها، وتحديداً على يزيد الواقف إلى جوارها بملامح واثقة ومبتسمة. عمّ صمت مشحون ومهيب بين الطرفين، تكاد تسمع فيه دقات القلوب المرتجفة. وببرود مصطنع وهدوء ثقيل يحاول مداراة عاصفة من الغيرة والذهول، رفع صفوان رأسه وألقى التحية باقتضاب حاد: ـ أهلاً.. الصدفة غريبة. بادله يزيد التحية بابتسامة واسعة وغريزة تنافسية خفية لم تخفَ على أحد، مردف فعلاً بنبرة هادئة: ـ أهلاً بيك.. فعلاً الدنيا صغيرة. نورتوا المكان. اكتفت مهرة بخفض عينيها ببطء، وتجنبت تماماً نظرات صفوان المصوبه لها ، بينما سار كل فريق منهما نحو طاولته المنفصلة تماماً عن الآخر؛ لتجلس مهرة مع يزيد على طاولة النيل في محاولة لبدء صفحتها الجديدة، بينما استقر صفوان ورشا على الطاولة المقابلة، محاطين بجدار سميك من الصمت الثقيل والتوتر الخفي الذي يكاد يقطع الهواء بينهما. ياترى هيحصل ايه فى المقابله دى “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”