بمجرد ان انتهى يزيد اماني سيد 12
لكنها تجمّعت، وابتلعت ريقها بصعوبة بالغة، ورفعت رأسها لتواجه نظرات أبيها بثبات مصطنع وهي تحاول نسج كذبة متماسكة تستر بها الأمر:
ـ الموضوع وما فيه.. إن كان عندي تدريب من فترة، ونزلت الشركه .. وهناك حصلت المقابلة، وشافني صدفه وعرّف نفسه، ومن وقتها وهو… وهو كان بيلح على الموضوع.
ضيّق عتمان عينيه أكثر، متفرساً في ملامحها وكأنه يحاول التقاط أي كذب في صوتها، قبل أن يهز رأسه بتهكم خفيف وعجرفة معتادة، ويقول بلهجة حادة:
ـ مممم.. أهو طلعتي بنتيجة عدلة أخيراً! المهم، الكلام ده يفضل محطوط في حراسك ومش عايز لغوصة ولا كلام كتير مع حد.. وجهّزي نفسك،
وما إن أتم كلماته حتى غادر الغرفة وترك الباب مطبقاً خلفه، لتسقط مهرة على السرير كمن ألقى عنه جبالاً من الصخر، وهي تلتقط أنفاسها المتقطعة بصعوبة بالغة، متسائلة إلى أين ستأخذها هذه الدوامة التي لا تنتهي!
ظلت مهرة جالسة مكانها وحدقات عينيها معلقه بالفراغ، بينما كلمات أبيها القاسية تتردد في رأسها كصدى مزعج: “لو مكنش هو اتقدم، مكنش حد باصص لك..!”. أغلقت عينيها بقوة، وكأنها تحاول أن تعصر كل قطرة ضعف وحزن من صدرها لتستبدل به إصراراً أعمى.تذكرت زيدان ورفضه لها امام الجميع تذكرت لحظه دخولها منزل عمها وصفوان الذى لا تعلم متى تعلقت به هى كانت تخاف منه وتهابه منذ متى وأصبح كل تفكيرها معلق به هكذا هل كانت تبحث على بديل افصل من زيدان فتعلقت به
لماذا تتمسك بوهم مستحيل؟ صفوان خاطب، ولن يكون لها أبداً، وكل نظراته الخائفة أو محاولاته للتدخل ليست سوى شفقة ، بينما يزيد… يزيد رجل أتى من الباب ، يطلبها فى العلن لا يوجد شخص ينفاسها عليه وغير طامع بها ومستعد ليمنحها اسماً وداراً ووجاهة تكسر بها عين أبيها وكل من استصغرها.
فتحت عينيها على إصرار جديد ومفاجئ، وقالت بصوت همس به لنفسها وكأنها تعقد معاهدة صعبة:
ـ كفاية لحد هنا.. صفوان انتهى تعلقى بصفوان عشان كنت عايزه ارتبط بواحد افضل من زيدان لكن خلاص مش هسمح لقلبي يعيش على سراب تاني. يزيد بيحبني، وطلبني بالحلال، وأنا هدي لنفسي الفرصة دي.. وهكون أنا اللي بتقرب منه.
لم تترك لنفسها وقتاً للتراجع؛ مدت يدها بخطوات ثابتة نحو هاتفها المحمول الملقى على الفراش. فتحت قائمة الاتصالات، وبحثت عن رقمه الذي طالما ترددت في الرد عليه أو تجاهل رسائله. أخذت عمقاً من الهواء، وضاقت أصابعها على الشاشة لتضغط زر الاتصال وهي تردد الشهادتين في قلبها.
لم تنتظر طويلاً؛ فكأن هاتف يزيد كان بانتظار إشارتها الوحيدة. جاء صوته سريعاً، محمولا بلهفة وحرارة حقيقية وكأنه لم يصدق عينيه وهو يرى اسمها على الشاشة: قرائتها فقط على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد عشان انزل بشكل اسرع لو لقيت التفاعل حلو
ـ مهرة؟! مش مصدق نفسي.. أهلاً بيكي يا مهره..
ابتسمت مهرة لزلة لسانه المحببة، وارتسمت على شفتيها أول بارقة أمل حقيقية، لتجيبه بصوت هادئ ومتحكم فيه، يحمل نبرة جديدة لم يعتدها منها:
ـ أهلا يا يزيد.. أنا أسفة لو كنت أخرت ردي عليك الفترة اللي فاتت، بس… بس كنت محتاجة أصفّي أفكاري.
صمت يزيد لبرهة مذهولاً من تحول نبرتها، ليهتف بصوت يقطر فرحاً:
ـ صفّيتي أفكارك؟ يعني… يعني أقدر أقول إن الباب اتفتح؟
أومأت مهرة برأسها في الخفاء، وقالت بجدية وثبات:
ـ أقدر أقول إننا ممكن نبدأ صفحة جديدة ونقرب من بعض ونفهم بعض أكتر.. لو لسه راغب، أنا مستعدة أقابلك بكرة، ونتكلم براحتنا.
كدت كلمات يزيد تتقاطع من شدة اللهفة والسعادة:
ـ أقبل؟! ده أنا ماكنتش أتمنى كلمة أحسن من دي أبداً! بكرة اعدى عليكى فى المكان اللى هتمونى فيه ونروح نتغدى سوا ايه رأيك؟؟
ـ تمام.. اتفقنا انا بكره هكون فى الجامعه هبعتلك اللوكيشن تعدى عليه
أغلقت مهرة الهاتف، وشعرت أن حجراً هائلاً انزاح عن صدرها. وفي تلك اللحظة، ومع تذكرها لصفوان، قررت داخلها أنها ستطوي صفحته نهائياً؛ ستتجاهله تماماً، وتغلق كل النوافذ التي كانت تربطها به، لتبدأ رحلة جديدة ومجهولة مع يزيد، علّه يكون طوق النجاة الحقيقي الذي ينقذ ما تبقى من روحها!
في الجهة الأخرى من الفيلا، كان جدار الصمت والغضب يلتف حول صفوان كطوق من النيران. وقف داخل غرفته، وعيناه تعكسان صراعاً مراً ومرارة لا تطاق؛ شعر بأن كل محاولاته لإنقاذ مهرة وحمايتها قد قوبلت بالجفاء والصد، وبأنها قد اختارت بكامل إرادتها أن تلقي نفسها في هذا الطريق وتغلق الباب في وجهه نهائياً.
تسلل شعور قاتل بالهزيمة والخزلان إلى صدره، فقرر في تلك اللحظة الحاسمة أن يضع حداً لكل هذا العذاب؛ أن ينسحب كلياً، ويختفي من أمام عينيها تماماً، ليدعها تواجه اختيارها وحدها دون تدخل أو إزعاج منه، وأن يركز حياته وعلاقته الرسمية فيما يخصه.
أخذ هاتفَهُ بخطوات عصبية، وبحث في قائمة الأسماء حتى استقرت إصبعه على اسم “رشا”. رنّ الهاتف لثوانٍ معدودة قبل أن يرد صوتها الهادئ
ـ أهلاً يا صفوان.. ازيك عامل ايه
تنفس صفوان بعمق، وحاول أن يبدو صوته ثابتاً
ـ الحمد لله ..انا بخير يا رشا، كنت بس بتكلم عشان نشوف معاد نتغدى فيه سوا بكرة.. محتاجين نقعد نتكلم نفصل شويه عن الشغل والتجهيزات
صمتت لثانية، وكأنها تقيم الأمر بهدوء قبل أن تجيبه بنبرة عادية جداً ومتحفظة:
ـ تمام يا صفوان.. مفيش مانع. ابعت لي العنوان والميعاد، وخير إن شاء الله.
ـ تمام يا رشا جهزى نفسك وانت هخلص شغل بكره ونتقابل
ـ تمام اتفقنا