بمجرد ان انتهى يزيد اماني سيد 12
أشرق صباح اليوم التالي حاملاً معه رياح التغيير والجمود في آن واحد داخل جدران الفيلا. كان كل من مهرة وصفوان قد عقدا العزم على حرق صفحات الماضي وطيها تماماً؛ تحرك كل منهما في صمت متقصد، متجنبين التقاء النظرات أو الصدف، وكأن جداراً من الجليد قد بني بين غرفتيهما.
جهزت مهرة نفسها على مهل ، وارتدت أثواباً تمنحتها ثقة ظاهرية، ثم غادرت الفيلا متوجهة إلى جامعتها، محاولة إزاحة أي أفكار مسبقة عن عقلها، لتستعد للقاء الذي سيحدد شكل حياتها القادم.
وما إن انتهت من محاضرتها الاخيره حتى رنّ هاتفها معلناً وصول يزيد. التقت به خارج أسوار الجامعة، حيث استقبلها بابتسامة واسعة تفيض سعادة واهتماماً. فتح لها باب السيارة بحفاوة بالغة، وما إن استقرت في مقعدها حتى بادرها بلطف:
ـ عامله ايه يا مهرة.. أخيراً هنتقابل بعيداً عن زحمة البيت والترتيبات. أنا جهزت لنا مكان هادئ وجميل يارب يعجبك.. إيه رأيك نتغدى على النيل؟ الهواء هناك هيعجبك وهيصفّي ذهنك.
أومأت مهرة برأسها في موافقة هادئة، وبدت مرتاحة لتلك المبادرة التي تشعرها بأنها تختار حياتها بنفسها بعيداً عن سيطرة أبيها. وبالفعل، انطلق يزيد بسيارته نحو أحد المطاعم الراقية المطلة على صفحة النيل الهادئة.
وفي نفس التوقيت تماماً، كان صفوان قد مرّ على رشا في مكانهما المتفق عليه. ركبت السيارة بجانبه بهدوء، وبادرت بتحية ليتحرك هو الآخر صامتًا، متخذًا طريقه نحو نفس المطعم الراقي على النيل، باحثاً عن مكان هادئ بعيد تماماً عن صخب المولات .
لم يكن أي منهما يعلم بما تخبئه الأقدار؛ ففي اللحظة التي ترجل فيها يزيد ومهرة من السيارة ليدخلا إلى ذات المطعم، كان صفوان ورشا يخطوان خطواتهما الأولى للداخل
، بينما كان يزيد يمشى بجانب مهرة ليقودها إلى إحدى الطاولات المطلة مباشرة على صفحة الماء، وبدت على وجهه ملامح السعادة والاهتمام الواضح وهو يحاول إدخال الطمأنينة إلى قلبها.
وفي اللحظة ذاتها، كان صفوان يخطو بخطوات ثابتة وإلى جواره رشا ممسكه بذراعه ، متوجهين نحو طاولة أخرى تبعد عدة خطوات فقط في نفس القاعة الهادئة.
وما إن التفتت عيون مهرة صدفة لترى ما حولها، حتى اصطدمت بـ صفوان وهو يسحب الكرسي لرشا لتجلس. تسمّرت أنفاس مهرة في صدرها، وانعقد لسانها وهي تراه هناك، وامتلأت نظراتها بصدمة مفاجئة. وفي نفس اللحظة، تحولت عيون صفوان لتستقر عليها، وتحديداً على يزيد الواقف إلى جوارها بملامح واثقة ومبتسمة.
عمّ صمت مشحون ومهيب بين الطرفين، تكاد تسمع فيه دقات القلوب المرتجفة. وببرود مصطنع وهدوء ثقيل يحاول مداراة عاصفة من الغيرة والذهول، رفع صفوان رأسه وألقى التحية باقتضاب حاد:
ـ أهلاً.. الصدفة غريبة.
بادله يزيد التحية بابتسامة واسعة وغريزة تنافسية خفية لم تخفَ على أحد، مردف فعلاً بنبرة هادئة:
ـ أهلاً بيك.. فعلاً الدنيا صغيرة. نورتوا المكان.
اكتفت مهرة بخفض عينيها ببطء، وتجنبت تماماً نظرات صفوان المصوبه لها ، بينما سار كل فريق منهما نحو طاولته المنفصلة تماماً عن الآخر؛ لتجلس مهرة مع يزيد على طاولة النيل في محاولة لبدء صفحتها الجديدة، بينما استقر صفوان ورشا على الطاولة المقابلة، محاطين بجدار سميك من الصمت الثقيل والتوتر الخفي الذي يكاد يقطع الهواء بينهما.
ياترى هيحصل ايه فى المقابله دى
