كنت بحب بنت وأهلها الاخير
رجعت البيت يومها وجوايا بركان ملوش آخر. دخلت الشقة، لقيت مراتي مستنياني وعلامات الغضب مالية وشها، وبمجرد ما قفلت الباب قالتلي بزعيق: “إنت بتقفل السكة في وشي يا رامي؟ هو ده التقدير اللي بتعملهولي؟ أنا سيبت بلاد وسافرت وجيت هنا عشان أتهان؟”
بصيت لها وكنت مهدود، ماليش حيل حتى للنقاش. سيبتها ودخلت الأوضة وقفت ورا الباب وأنا حاطط إيدي على راسي. الصوت العالي ده مكنش موجود في حياتي قبل كده، البيت اللي كان طول عمره عبارة عن واحة هدوء، بقا أشبه بساحة معركة يومية على الطلبات، والمصاريف، والأنانية.
مرت الأسابيع والوضع بيسوء أكتر. الحب اللي كان عايش في خيالي ومخلي الكيان كله طير طاير، بدأ يدوب تحت ضغط الواقع. اكتشفت إن الست اللي حاربت عشانها، مكنتش بتدور عليا أنا كشخص، كانت بتدور على “منقذ” يشيل عنها وعن ابنها حمل الحياة بعد طلاقها، راجل يحقق لها الرفاهية اللي كانت عايشاها بره، ولما لقت إن إمكانياتي محدودة وإن عندي التزامات تانية، بدأ الوش الحقيقي يظهر.
في يوم، جالي اتصال من والدتي. صوتها كان جاف جداً معايا من وقت اللي حصل، قالتلي بنبرة كلها لوم: “أنا رايحة أشوف بنت ابني يا رامي.. طليقتك بنت الأصول مابتمنعش البنت عننا، وبتجيبهالي لحد عندي كل أسبوع، والبيت اللي دخلته وبنت الناس اللي كسرت بخاطرها، عمرها ما جابت سيرتك بكلمة وحشة قدام حد.. ربنا يهنيك باختيارك يا ابني”.
قفلت معايا، والكلمات نزلت على قلبي زي السكاكين. افتكرت إني في عز برودي وجفائي معاها، كانت بتستقبل أهلي بأحسن شياكة وأحسن ضيافة، وعمرها ما شكت مني لحد.
نزلت رحت أشتري طلبات للبيت من نفس السوبر ماركت اللي قابلت فيه حبيبتي القديمة من كام شهر، وبقيت واقف في نفس المكان اللي قلبي دق فيه بعنف وقتها. بس المرة دي، قلبي كان دقاته تقيلة ومهمومة. فجأة، لمحت واحدة واقفة بعيد.. ركزت معاها، لقيتها مراتي الأولى.
كانت واقفة بتشتري حاجات ومعاها والدتها وبنتي الصغيره. بنتي كانت كبرت شوية، وبتضحك بصوت عالي وهي ماسكة لِعبة في إيدها.
وقفت ورا رف من الرفوف أراقبهم في صمت. شفت مراتي الأولى وهي بتضحك معاها، ضحكتها كانت صافية وطالعة من القلب، الوش اللي كان بيدبل قدام عيني بقا ينبض بالحياة.. بس بره بيتي، ومع حد تاني غيري.
حسيت برغبة مجنونة إني أروح أكلمها، أقولها إني كنت غبي، إني ظلمتها وظلمت نفسي. خطيت خطوة، بس رجلي اتسمرت مكانها لما شوفت بنتي بتلتفت وتبص ناحيتي.. عيني جت في عين البنت، بس البنت معرفتنيش، أو يمكن ملامح الوجع اللي في وشي خلتها تخاف، لفت وشها بسرعة واستخبت في ضهر والدتها.
اللحظة دي كسترت جوايا آخر حتة كبرياء. رجعت البيت وأنا تايه.
دخلت الشقة، لقيت خناقة دايرة بين مراتي وابنها، وصوت الصريخ مالي المكان. قعدت على الكنبة وحطيت الموبايل قدامي.. مفيش رسايل مبهجة، مفيش لهفة مراهقة، مفيش غير واقع مرير أنا اللي صنعت تفاصيله بإيدي.
قامت مراتي من جنب ابنها وجت وقفت قصادي، وبنبرة خالية من أي مشاعر قالتلي: “أنا كلمت أهلي في بلد بره، وشافولي فرصة شغل هناك كويسة.. أنا هسافر يا رامي، ومش هقدر أكمل في العيشة دي.. أنا جيت مصر عشان أرتاح، مش عشان أعيش في نكد ومقارنات إنت دايماً حاططني فيها بنظراتك”.
بصيت لها بذهول وقلت: “تسافري؟ وإحنا؟ والجواز اللي هديت بيتي عشانه؟”
قالت بكل برود وقسوة، نفس البرود والقسوة اللي أنا استخدمتهم زمان: “الجواز مش حب وبس يا رامي.. الحب مبيأكلش عيش، وإنت مش قادر توفرلي العيشة اللي أنا عايزاها.. أنا هاخد ابني وأسافر، وإنت شوف حياتك”.
سابتني ودخلت الأوضة تلم هدومها للمرة التانية في حياتها، بس المرة دي مكنتش مظلومة.. المرة دي كانت بتنهي الحكاية بنفس الأنانية اللي بدأت بيها.
قعدت في الصالة لوحدي، الصمت المرعب رجع يملى المكان تاني، بس المرة دي مكنش صمت انتصار.. كان صمت الهزيمة الكاملة. لقيت نفسي بمسك الموبايل، وبكتب رسالة لمراتي الأولى.. رسالة مكنتش عارف هبعتها ولا هتموت في تليفوني.. كتبت لها: “أنا آسف.. أنا ضيعت الجنة اللي كانت في إيدي”.
فضلت باصص للرسالة على شاشة الموبايل والدنيا بتلف بيا. صباعي كان بيترعش فوق زرار الإرسال.. هل من حقي أبعتها؟ هل من حقي بعد ما هدّيت كل حاجة وكسرتها بدم بارد، أرجع أصحّي أوجاعها تاني عشان بس أنانيتي وطمعي في راحة بالي؟
مسحت الرسالة. مسحتها وأنا حاسس بغرغرة في حلقي ودموع مغرقة عيني. اكتشفت إني حتى وأنا ندمان، لسه بفكر في نفسي وفي وجعي أنا، مش في وجعها هي.
تاني يوم، البيت فضي تماماً. سافرت هي وابنها، وسابتلي الشقة حيطان باردة تترد فيها أصوات ندسي وفشلي. قعدت على الكنبة، وبقيت أبص حواليا.. الشقة اللي كانت زمان بتبرق من النظافة والنظام، واللقمة اللي كانت بتتحطلي بحب ونفس صافية، كل ده اختفى. بقيت عايش على الأكل الجاهز، والمواعين متلتلة في المطبخ، والتراب مغطي كل مكان.. مكنتش لاقي طاقة أقوم أعدل كباية مقلوبة، كأن البرود اللي كنت بعامل بيه مراتي الأولى، ارتد في قلبي وجمد حركتي.
مرت شهور وأنا عايش زي الميت. بروح الشغل وأرجع، لا كلمة حلوة بتتقالي، ولا ضحكة بتستناني، ولا حتى خناقة تشغل الصمت. بقيت بتهرب من الشغل للبيت، بعد ما كنت بتهرب من البيت للشغل.. الزمن دار وخلاني أدوق نفس الكأس؛ بقيت بقعد بالساعات لوحدي مستني حد يكلمني أو يسأل عليا، ومفيش. والدتي مابقتش تجيلي، وأصحابي اتنفضوا من حولي بعد ما شافوا إني بعت بيتي وبنتي ومراتي الأصيلة ورا وهم مكملش كام شهر.
في يوم، وأنا بقلب في حسابات التواصل الاجتماعي في نص الليل، والسهد أكل عيني، شوفت صفحة أخت مراتي الأولى منزلة صور من مناسبة عائلية. قلبي دق بعنف.. فضلت أفر في الصور لحد ما شوفتها.
كانت واقفة وسط أختها وأمها، ولابسة فستان راقي جداً والضحكة منورة وشها، ضحكة ماليها الثقة والراحة. وبنتي.. بنتي كانت واقفة جنبها كبرت وبقت زي القمر، بتضحك للكاميرا بكل براءة. مكنش باين عليهم أي أثر للكسرة اللي سيبتها فيهم، بالعكس، كأنهم اتولدوا من جديد يوم ما خرجوا من عتبة بيتي.
في اللحظة دي، الفكرة لمعت في دماغي زي القشة اللي بيتعلق بيها غريق. أنا لازم أصلح اللي عملته.. لازم أروح وأعتذر، وأبكي تحت رجليها عشان ترجعلي. هي طيبة ونفسها صافية، وطول عمرها كانت بتتمنى مني نظرة رضا، أكيد لو شافتني مكسور وندمان كدا قلبها هيحن.
جمعت كل شجاعتي، ونزلت تاني يوم اشتريت لعبتين كبار لبنتي، وشيكولاتة من الغالية اللي عمرها ما دخلت بيتي في وجودها، ورحت على بيت أهلها وأنا قلبي هيقف من الخوف واللهفة.. لهفة تختلف تماماً عن لهفة المراهقة الغبية اللي عشتها من شهور، دي كانت لهفة راجل غرقان وشايف طوق النجاة قدامه.
وصلت تحت البيت، ووقفت أخد نفسي.. ركبي مكنتش شيلاني. طلعت السلم خطوة خطوة وكأن على كتافي جبال. وقفت قدام الباب، ورفعت إيدي المرتعشة وضغطت على الجرس.
ثواني والباب اتفتح.. اللي فتح كان والدها. راجل وقور، أول ما شافني ملامحه اتقلبت للجدية التامة، بس مكنش فيه غضب، كان فيه هدوء مرعب.. الهدوء اللي بيسبق العاصفة، أو الهدوء اللي بعد ما كل حاجة تنتهي.
بصلي وقال بنبرة ناشفة: “عايز إيه يا رامي؟”
بلعت ريقي وبدأت أتكلم وصوتي بيترعش: “عمي.. أنا جاي وطمعان في كرمك وأصلك.. أنا غلطت، غلطت في حق بنتك وفي حق نفسي، وجاي وعايز أشوفها وأصالحها.. أنا عرفت قيمتها والله، والبيت من غيرها ضلمة، وبنتي وحشتني.. أرجوك خليني أكلمها”.
والدها بص للحاجات اللي في إيدي، للعب والشيكولاتة، وابتسم ابتسامة سخرية وجع كوت قلبي، وقال بصوت هادي وراسي:
“بنت الأصول اللي كسرت قلبها وهي بتتحايل عليك تشوفها وتشاركها فرحتها، خلاص قفلت كتابك ورمته في البحر يا ابني. الشيكولاتة واللعب دول كان مكانهم من سنين، مش بعد ما دبلت وموتَّ فيها كل حاجة حلوة.. إنت جاي متأخر قوي يا رامي.”
دموعي نزلت غصب عني وقلت: “أبوس إيدك يا عمي، اديني فرصة واحدة أكلمها.. هي طيبة وهتسمعني”.
والدها اتنهد تنهيدة طويلة، وبصلي بنظرة شفقة وقال الكلمة اللي هزت الأرض تحت رجلي وفهمتني إن الستارة بتنزل خلاص:
“بنتي طيبة وصافية فعلاً، وعشان كدا ربنا عوضها باللي يصونها ويشوف كل حاجة بتعملها عظيمة ومش عادية.. بنتي قراية فاتحتها كانت الأسبوع اللي فات على راجل بجد، عرف قيمتها من أول دقيقة.. ادعيلها بالتوفيق يا ابن الناس، وامشي في طريقك زي ما اخترته بنفسك.”
قفل الباب في وشي.
فضلت واقف مكان الصدمة، اللعب والشيكولاتة وقعوا من إيدي على السلم.. البيت جوه بدأ يترد فيه صوت ضحك وفرحة، وأنا واقف بره في الضلمة والبرد.. لوحدي تماماً.
الصمت اللي نزل عليا بعد قفلة الباب كان أشد قسوة من كل الكلمات اللي سمعتها في حياتي. فضلت واقف في مكاني على السلم، باصص للعب والشيكولاتة اللي رميتهم تحت رجلي، زي ما رميت سنين عمر مراتي وبنتي تحت رجلي زمان عشان وهم سراب.
نزلت السلم وأنا مش حاسس بجسمي، رجلي كانت بتجر بعضها بالعافية. ركبت العربية وفضلت باصص لبيت أهلها، البيت اللي كان ممكن يكون أماني وسندي، بس أنا بايدي خليته حصن مقفول في وشي. دموعي كانت بتنزل ومفيش أي طاقة جوايا عشان أمسحها.. حسيت إن الجبل اللي انهار فوق نفوخي مكنش صدمة جوازها بس، كان صدمة إني استوعبت أخيراً حجم الج*ريمة اللي عملتها في حق نفسي وفي حقهم.
رجعت الشقة.. بيتي. فتحت الباب، ودخلت في العتمة. ممدتش إيدي أولع النور، مكنش ليه لزمة، الضلمة اللي جوه قلبي كانت أكبر من أي إضاءة. قعدت على الكنبة في الصالة، نفس الكنبة اللي شهدت على كبريائي وقسوتي، وبقيت بفتكر كلامها وهي بتقولي: “بقالي سنين نفسي أشوف الضحكة دي، ونفسي أكون أنا السبب فيها”.
يومها أنا اخترت أطفي الروح دي، والنهاردة الدنيا ردتلي القلم ميت سهم. الروح رجعتلها، والضحكة نورت وشها، بس مع راجل تاني.. راجل عرف يقدر النعمة من أول يوم، راجل مكنش بارد زي لوح التلج، ولا بيشوف تفاصيل حبها “حاجة عادية وواجب وخلاص”.
مرت الأيام والشهور وأنا عايش زي الهيكل العظمي، بروح الشغل وبنزل راسي في الأرض. مابقتش أقدر أبص في مراية، ولا بقيت أطيق أسمع صوت ضحكة في الشارع. الحب اللي كنت فاكره ه يعوضني عن الدنيا، سافر وسابني من غير ما يلتفت وراه، والبيت اللي كان دافي بالصبر والطيبة، اتقفل بابه للأبد.
في يوم، جالي إشعار على الموبايل من رقم غريب.. فتحته بلهفة ميتة، لقيتها رسالة من والدها، بعتلي فيها صورة واحدة بس بدون أي كلام.
كانت صورة من عقد قرانها.
فتحت الصورة وعيني زغللت.. كانت واقفة بالفستان الأبيض، وشها منور وزي القمر، وجنبها راجل باين في عينه نظرة الفخر والاحتواء وهو ماسك إيدها وبيمضي. وفي نص الصورة، كانت بنتي الصغيرة واقفة بينهم، ساندة راسها على إيد الراجل الجديد اللي بقا في مقام أبوها، وبتضحك للكاميرا ضحكة عمري ما شوفتها على وشها وأنا معاهم في بيت واحد.
حطيت الموبايل على الترابيزة، وسندت ضهري لورا.. نفس الحركة اللي عملتها يوم ما كسرتها. بس المرة دي، مكنش فيه كبرياء، ولا كان فيه شيطان بيحركني. كان فيه بس ندم بياكل في ضلوعي، ودموع باردة بتغسل وشي.
عرفت ساعتها إن العقاب الحقيقي مش إنك تخسر اللي بتحبه.. العقاب الحقيقي هو إنك تشوف الجنة اللي كانت في إيدك وهي بتتفتح لحد غيرك، وتعرف إنك إنت الوحيد اللي طردت نفسك منها بأنانيك.
رفعت عيني للسقف وقلت بصوت مخنوق ومكسور: “يارب.. أنا مش طالب حاجة لنفسي، أنا بس بدعيلها بالتوفيق.. وعوض بنتي عن كل يوم شاففتني فيه زي عدمي”.
قفلت تليفوني، وقعدت وسط حيطاني الباردة، مستني عمري يمر في سكات.. بعد ما فهمت الدرس متأخر قوي، وعرفت إن قصص الحب والروايات مش أوهام، الحب الحقيقي كان عايش معايا في البيت، وأنا اللي قت*لت بإيدي الروح اللي كانت مستعدة تعيش وتموت عشان تشيلني في عيونها.