انا واختى هنا متجوزين1
أنا مطلـ . ـقة ومعايا بنت عندها 5 سنين.
بعد طـ . ـلاقي اتقدملي شخص غنى، لكن حط شـ . ـرط من البداية إني أسيب بنتي عند أمي، لأنه مش مستعد يربي بنت مش بنته. وقتها وافقت تحت ضغط كبير، خصوصًا إن أمي طمنتني وقالتلي إنها هتشيل بنتي في عينيها ومش هتخليها تحتاج حاجة.
اتجوزت، وبعد ما دخلت بيته اكتشفت إنه مش عايز يخلف مني أصلًا، وكان دايمًا يقولي إن أولاده كفاية، وإنه مش محتاج أطفال تاني.
من يوم ما خرجت من بيت طليقي وأنا شايلة هم بنتي “ليان” فوق قلبي. كانت وقتها عندها خمس سنين، صغيرة أوي على إنها تفهم ليه أمها مش هتنام جـ . ـنبها كل ليلة.
لما اتقدملي “حسام”، الراجل المقتدر المعروف في البلد، الكل شافه فرصة ما تتعوضش.
لكن كان عنده شـ . ـرط واحد.
شـ . ـرط هز قلبي من أول لحظة.
قال وهو باصص قدامه: “أنا مستعد أتجوزك وأعيشـ . ـك أحسن عيشة… لكن بنتك تفضل عند أمك. أنا مش هقدر أربي بنت مش بنتي.”
ساعتها أمي مسكت إيدي وقالت: “وافقي يا بنتي… البنت في عيني. وأنا طول ما فيا نفس مش هتحتاج حاجة.”
كنت مكسورة وخايفة ومحتاجة أبدأ من جديد.
ووافقت.
ليلة الفرح وأنا لابسة الفستان الأبيض، كنت بضحك قدام الناس، لكن أول ما دخلت أوضتي الجديدة فضلت أبكي ساعات وأنا أتخيل بنتي نايمة بعيد عني.
—
مرت الشهور.
وبعدين السنين.
وفي كل مرة أطلب من حسام نخلف طفل، كان يرفض.
مرة يقول: “أولادي مكفيني.”
ومرة: “الخلفة مسؤولية.”
ومرة: “إحنا مرتاحين كده.”
وبدأت أفهم الحقيقة.
هو ماكانش عايز زوجة.
هو كان عايز واحدة تهتم بأولاده.
بس.
وأنا كنت بعمل كل حاجة.
أصحى الفجر أحضر الفطار.
أذاكر للولدين.
أهتم بالبنت الصغيرة.
أتابع المدرسة.
أروح الاجتماعات.
وأرجع أرتب البيت كله.
أما بنتي…
كنت أشوفها يوم كل شهرين أو تلاتة.
وأحيانًا أقل.
وفي كل مرة كانت تسألني نفس السؤال:
“ماما… أنا هاجي أعيش معاكي إمتى؟”
وكنت أبتسـ . ـم وأكـ . ـذب.
“قريب يا حبيبتي.”
لكن القريب عمره ما كان بييجي.
—
في صباح يوم شتوي بارد، رن تليفوني.
كان أخويا.
صوته كان متوتر.
قال: “تعالي بسرعة.”
قلبي وقع.
“في إيه؟”
قال: “أمي وقـ . ـعت من امبارح ومش قادرة تقوم.”
جريت على بيت أمي.
ولما وصلت، لقيتها نايمة على السريـ . ـر وشـ . ـكلها تعـ . ـبان أوي.
الدكتور قال إنها محتاجة راحة طويلة.
وأول ما خرج الدكتور، أخويا شدني على جـ . ـنب.
وقال: “أنا مش هقدر أكمل مسؤولية ليان.”
بصيتله بعدم تصديق.
“يعني إيه؟”
قال بحدة: “أنا عندي مراتي وأولادي ومصاريفي. البنت لازم تروحي بيها عند أبوها أو عندك.”
رجعت البيت وقلبي بيتقطـ . ـع.
ولأول مرة من سنين حسيت إن الأرض بتتزحلق من تحت رجلي.
في المـ . ـساء استنيت حسام يرجع.
حضرت العشا.
وخليت الأولاد يناموا.
ولما قعد قدامي قلت بهدوء:
“عاوزة أكلمك في موضوع مهم.”
رفع عينه من الموبايل.
“خير؟”
حكيتله كل حاجة.
عن تعـ . ـب أمي.
وعن رفض أخويا.
وعن خـ . ـوف ليان.
ولما خلصت كلامي قلت:
“بنتي لازم تيجي تعيش معايا.”
سكت ثواني.
ثم قال كلمة واحدة:
“لأ.”
افتكرت إنه بيهزر.
لكن ملامحه كانت جامدة.
قلت: “يعني إيه لأ؟”
رد: “إحنا متفقين من أول يوم.”
“الظروف اتغيرت.”
“دي مش مشـ . ـكلتي.”
بدأ صوتي يهتز.
“دي بنتي يا حسام.”
رد ببرود: “وديها لأبوها.”
قلت: “أبوها مش هيعرف يهتم بيها.”
فجأة حط الموبايل على الترابيزة وقال:
“اسـ . ـمعي… أنا اتجوزتك عشان تهتمي بأولادي. مش عشان تجيبي مشـ . ـاكل جديدة.”
حسيت كأن حد ضـ . ـربني على وشي.
“مشـ . ـاكل؟! بنتي بقت مشـ . ـكلة؟”
قال: “أنا مش عايز حاجة تشغـ . ـلك عن ولادي.”
في تلك الليلة لم أنم.
كنت قاعدة في الصالة والبيت كله ساكت.
أبص على أوض الأطفال.
وأفتكر ليان.
بنتي اللي كل ما تحتاج حـ . ـضني تلاقيه بعيد.
بنتي اللي ضحت بيها أمها علشان تبني حياة جديدة.
وفجأة رن هاتفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
رقم غريب.
ترددت ثواني ثم رديت.
جالي صوت رجل كبير في السن.
قال:
“حضرتك والدة ليان؟”
قلبي انقبـ . ـض.
“أيوه.”
#الكاتب_رومانى_مكرم
سكت لحظة.
ثم قال:
“أنا حارس العمارة اللي ساكن فيها أخوكي… وبنتك من ساعة المغرب قاعدة على السلم وبتعيـ . ـط.”
تجمد الدم في عروقي.
وقبل ما أتكلم سـ . ـمعت صوت ليان نفسها بعيدًا عن السـ . ـماعة وهي تبكي وتقول:و
وهي تبكي وتقول: “يا عمو، أنا مش عايزة أدخل جوه، أنا عايزة ماما.. هي قالت لي هتيجي تاخدني قريب.. والنبي كلمها قولها ليان مستنياكي على السلم”.
نزلت الكلمـ . ـات على قلبي زي الخنجر. في اللحظة دي، الغشاوة اللي كانت على عيني طارت، وفجأة شفت كل حاجة على حقيقتها. شفت نفسي وأنا ببيع ضنايا عشان راجل ما شافش فيا غير خدامة لأولاده، شفت أخويا اللي رما لحمي في الشارع عشان مصاريفه، وشفت حسام اللي قاعد جوة في دفا سريـ . ـره ومش سائل في طفلة مرعـ . ـوبة في عز البرد.
لميت هدومي في شنطة صغيرة بسرعة، ودمـ . ـوعي عمت عيني. حسام صحي على الصوت وخرج للصالة، بص للشنطة ولقاني لابة عبايتي وطرحتي، وقال ببرود:
* “على فين في نص الليل؟ إنتِ اتجـ . ـننتي؟”
بصيت له بكل قوة كنت مفكرة إني فاقداها، وقلت له:
* “رايحة للحاجة الوحيدة الحقيقية في حياتي.. رايحة لبنتي اللي رمتها عشان وهم اسـ . ـمه حسام.”
قال بصوت جهوري وفيه تهـ . ـديد:
* “لو خرجتِ من الباب ده دلوقتي، مش هترجعي تاني، وأول ما النهار يطلع ورقتك هتوصلك.. فكري كويس، هتخسري العز كله.”
ضحكت بوجـ . ـع وقلت له:
* “العز اللي يخليني أدوس على بنتي يبقى ذـ . ل.. طلقني يا حسام، طلقني عشان فوق الصدمة دي أنا مقدرش أعيش ثانية واحدة مع بني آدم معندوش رحمة.”
خرجت وجريت في الشوارع الفاضية والبرد بيقرص وشي، وركبت أول تاكسي قابلني. كنت بدعي ربنا بس يوصلني ليها بالسلامة.
وصلت العمارة، وأول ما دخلت من الباب، شفتها.. حتة لحمة حمراء، كشة في نفسها على السلم، وضامة رجليها لصدرها وبتترعش من البرد والخـ . ـوف، وحارس العمارة واقف جـ . ـنبها وحاطط على كتفها جاكيت قديم.
* “ليااااان!”
صـ . ـرخت باسـ . ـمها وارتميت في الأرض واخدتها في حـ . ـضني. البنت أول ما شافتني، متمسكتش بيا بإيديها.. دي اتشبثت بيا بأوافرها، وفضلت تبكي بكـ . ـاء هستيري وهي بتقول:
* “ماما.. متسبينيش تاني يا ماما.. أنا هبقى شاطرة ومش هاكل كتير، بس خليني معاكي.. والنبي يا ماما متسبنيش.”
كلامها قطع لي قلبي حتت. فضلت أبوس في راسها وإيديها وأنا بنحب:
* “سامحيني يا بنتي.. أنا اللي رخيصة، أنا اللي سيبتك.. والله ما هسيبك تاني أبدًا ولو على رقبتي.”
شـ . ـكرت الحارس وأخدت بنتي في حـ . ـضني ورحت على مستشفى عام، قعدت فيها لحد الصبح لأن ليان كانت سخنة وبتترعش من البرد. وفي المـ . ـستشفى، وأنا باصة لوشها الدبلان، أخدت قرار حياتي: أنا مش هرجع لورا تاني.
أول ما النهارطلع، كلمت واحدة صاحبتي من أيام الدراسة، كانت مطلـ . ـقة زيي وعايشة لوحدها وشغالة في مشغـ . ـل خياطة. حكيت لها اللي حصل، وبدون تردد قالت لي: “تعالي يا حبيبتي، البيت يسعنا إحنا الأربعة، هتقعدي معايا وتشتغـ . ـلي معايا ونربي عيالنا بكرامتنا.”
أخدت بنتي ورحت لها. ومن اليوم ده بدأت رحلة تانية خالص.
حسام بعت لي ورقة طـ . ـلاقي مع مؤخر الصداق، وأخويا حاول يكلمني عشان يبرر موقف مراته، لكني قفلت الباب في وش الكل. نزلت الشغـ . ـل، كنت بشتغـ . ـل 12 ساعة في اليوم، بين المشغـ . ـل وتفصيل الهدوم في البيت. تعـ . ـبت؟ اتدمـ . ـرت من الإرهاق؟ آه.. لكن لأول مرة من سنين كنت بنام وأنا واخدة بنتي في حـ . ـضني، سامعة صوت نفسها، ومطمنة إن مفيش راجل في الدنيا هيتحكم في مصيرها أو يخليني أكـ . ـذب عليها وأقولها “قريب يا حبيبتي”.
بعد سنة كاملة من الكفاح، قدرت أأجر شقة صغيرة ليا أنا وبنتي، وبقت ليان في المدرسة، وضحكتها رجعت تملى الدنيا.
وفي يوم، وأنا راجعة من الشغـ . ـل، لقيت طليقي الأولاني (أبو ليان) واقف قدام بيتي الجديد..