جوزي كان فاكر انوا قفل السكه الاخير
طارق اتسمّر مكانه كأنه اتضرب بالكهرباء. بص للباب وبعدين بصلي وعينيه كانت هتطلع من مكانها من كتر الرعب. الخبط زاد وبعنف، وصوت حازم هز ريسبشن الشقة: “افتح يا طارق بيه.. معانا إذن من النيابة”.
طارق لف حوالين نفسه زي الفأر المحبوس في مصيدة، وشه بقى أزرق تماماً، وقرب مني ومسكني من كراسي جاكتي وهو بيوشوش بصوت مرعوب ومبحوح: “ندى.. أنتي عملتي إيه؟ أنتي بلغتي عني؟ أنتي هتضيعي جوزك؟ الفلوس فين يا ندى؟”
شيلت إيده من عليا ببرود ونفضت جاكتي مكان صوابعه، وبصيتله وعيني فيها كل سنين الوجع والإجهاض والكسرة اللي عشتهالكوا: “جوزي؟ جوزي مات في المطر على المحور يا طارق. افتح الباب.. عيب تخليهم يكسروه، الشقة دي لسه باسمي وأنا خسارة فيك وفيها مسمار واحد يتخلع”.
طارق رجع لورا وهو مش مصدق، ورجليه مكنتش شايلاه. رحت أنا بكل هدوء وفتحت الباب.
دخل القوة ومعاهم أستاذ عاصم، اللي كان واقف وراهم بابتسامة وقار وثقة تنهي اللعبة. الظابط بص لطارق وقال بلهجة حاسمة: “طارق عبد الرحمن؟ معاك أمر ضبط وإحضار في القضية رقم… بتهمة النصب والاحتيال، والاختلاس من أموال شركة استيراد وتصدير، وتقديم مستندات مزورة لبنوك أجنبية”.
طارق اترمى على الكنبة، وبدأ يصرخ كأنه طفل صغير: “والله ما عملت حاجة! دي فلوس مراتي وهي اللي مدياهالي.. اسألوها! ندى.. قولي لهم حاجة!”
أستاذ عاصم قرب خطوتين، وطلع ملف من شنطته الجلد وقال للظابط: “يا فندم، دي كل المستندات وعقود القروض والتحويلات اللي الباشا مضى عليها بكامل إرادته، والي تثبت إنه سحب مبالغ من الشركة بدون وجه حق وحولها لحسابات وهمية بغرض تهريبها برة مصر.. بمساعدة أطراف تانية”.
في اللحظة دي بالظبط، تليفون طارق اللي كان مرمي على التربيزة رن.
الاسم المكتوب على الشاشة كان: **”رانيا”**.
الظابط شاور لعسكري ياخد التليفون، بس أنا قلتله بنبرة هادية: “يا فندم.. من فضلك، افتح الاسبيكر.. أظن المكالمة دي هتفيد التحقيق جداً، وهتكمل الصورة”.
الظابط بص لأستاذ عاصم، وعاصم هز رأسه بالموافقة. الظابط فتح الخط وفتح الصوت.
صوت رانيا طلع، بس المرة دي مكنش فيه لا دلع ولا ضحك خبيث.. كان صوت واحدة بتصوت والنفس هربان منها: “طارق! الحقني يا طارق! خالد جه من السفر فجأة ومن غير ما يقول.. خالد معاه تسجيل لينا وإحنا بنتكلم في تليفون العربية يا طارق! معاه عقود الشقة بتاعة التجمع وعارف كل حاجة.. قالب البيت عليا وخد مني الولد وطردني بالهدوم اللي عليا في الشارع، وقالي إنه رايح يعمل بلاغ زنا وبلاغ سرقة في مباحث الأموال العامة! طارق رد عليا.. إحنا اتكشفنا يا طارق.. هنعمل إيه في الفلوس اللي برة؟”
الأوضة كلها كانت بتسمع، وطارق كان بيبص للتليفون وكأنه بيشوف حبل المشنقة بيتلف حوالين رقبته بالبطء. رانيا كانت بتصرخ وهي مش عارفة إن كل كلمة بتقولها بتثبت التهمة عليه وعليها رسمي في حضور الشرطة.
بصيت لطارق وقلتله بصوت واطي وواضح: “أربع دقايق واثني عشر ثانية يا طارق.. كانت كافية إنها تهد حياتكم زي ما هديتوا حياتي ونمتوا على وجعي”.
الظابط قفل المكالمة، وبص للعساكر: “هاتوه.. واعملوا نشرة ضبط وإحضار للمدعوة رانيا”.
طارق وهو بيتقاد من كلبشات الحديد، لف وشه وبصلي بنظرة مليانة غل وندم وعجز، وقال وعينيه مدمعة: “مش هرحمك يا ندى.. مش هسيبك”.
ضحكت لأول مرة من قلبي من يوم الحادثة، وقلتله: “المحكمة هي اللي مش هترحرك يا حبيبي.. مع السلامة”.
قفل الباب وراهم، والأوضة فضيت تماماً. قعدت على الكنبة، وحسيت بنسمة هوا باردة ونقية بتدخل من الشباك. أستاذ عاصم قعد جنبي وحط إيده على كتفي: “كده الجزء الأول من حقك رجع يا بنتي.. طارق ورانيا في المصيدة، والـ 5 مليون جنيه بتوع أبوكي الله يرحمه في حفظ الله في حسابك الشخصي برة وجوة مصر، ومحدش يقدر يلمس منهم قرش”.
نزلت راسي وأنا حاسة بنصر حقيقي، بس جوايا سؤال واحد كان لسه بيدور.. طارق ورانيا مش هيسكتوا، والمحاكمة لسه هتبدأ، واللعب في المحاكم والمستندات اللي طارق ممكن يطلعها في التحقيق لسه فيها كلام كتير.
بصيت لأستاذ عاصم وقلتله: “إحنا لسه مخلصناش يا أستاذ عاصم.. طارق في التحقيقات هيحاول يجرني معاه، ورانيا لما تتمسك هتبيع طارق وتتبلى عليا.. الخطوة الجاية إيه؟”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
أستاذ عاصم سكت لثواني، عدّل نظارته، وبصلي بنظرة كلها فخر ودهاء وقال: “الخطوة الجاية يا ندى.. هي اللي هتخلي القاضي ينطق بالحكم من أول جلسة من غير ما يديهم فرصة يتنفسوا. طارق ورانيا هيدخلوا التحقيق وكل واحد فيهم معاه خنجر عايز يغرزه في ضهر التاني عشان ينجي بنفسه.. وإحنا اللي هنسلمهم الخناجر دي”.
في اليوم التالي، كنت قاعدة في مكتب أستاذ عاصم بنتابع الأخبار. رانيا اتقبض عليها الفجر في بيت واحدة من قرايبها كانت مستخبية عندها. خالد جوزها مسبهاش، قدم للمحكمة والنيابة كل المستندات وصور التحويلات اللي بتبعتها من وراه لطارق، وشريط تسجيل المكالمة اللي مدته 4 دقايق و12 ثانية دخل الأحراز رسمي كدليل قاطع على التآمر والنية المبيتة للنصب والسرقة.
عاصم بيه جاله تليفون من واحد من رجاله في النيابة، قفل وبصلي وهو يبتسم: “زي ما توقعت بالظبط.. اللعب بدأ. طارق في التحقيق انكر كل حاجة، وقال إن الفلوس دي كانت إدارة أعمال لشركتك، ورمى كل التهم على رانيا، قال إنها هي اللي كانت بتغويه وتوزّه عشان يسرقك وهي اللي طلبت شقة التجمع. ورانيا لما عرفت إنه باعها بالرخيص، انهارت واعترفت بكل حاجة عليه.. اعترفت إنه كان بياخد فلوس الغربة بتاعة جوزها ويشغلها لحسابه ويضحك عليها بوعود الجواز”.
قلتله وأنا حاطة رجل على رجل: “يعني هما دلوقتي بيقطعوا في بعض؟”
عاصم بيه: “بالظبط.. وده الوقت اللي هنرمي فيه ورقتنا الأخيرة. طارق فاكر إنه طالما مضى على عقود قرض من الشركة، فالموضوع مدني وممكن يطول في المحاكم.. بس هو نسي حاجة مهمة أوي. تفتكري الشيكات الـ 4 اللي مضى عليهم على بياض السنة اللي فاتت لما كان بيشتري بضاعة للشركة وطلب مني أشيلهم في الخزنة كأمانة؟”
فتحت عيني على آخرهم واستوعبت: “الشيكات دي لسه معاك؟”
عاصم بيه طلع من جيبه ظرف أبيض مقفول: “الشيكات دي مكنتش للبضاعة يا ندى.. أبوكي الله يرحمه كان دايماً قاري طارق وعارف إنه طماع، وخلاه يمضي عليهم كضمان خفي للشركة ومقاليش استخدمهم إلا لو طارق غدر ببنتي. أنا مليت الشيكات دي بمبالغ خيالية تدخل تحت بند خيانة الأمانة وتبديد أموال القُصّر والشركاء.. الشيكات دي لو اتوجّهت مع قضية النصب، طارق مش هيرجع بيته تاني قبل 15 سنة سجن مشدد”.
في نفس اليوم بالليل، جالي اتصال من رقم غريب.. رديت، طلع صوت محامي طارق. صوته كان متوتر وبيحاول يظهر بمظهر القوي: “مدام ندى.. أنا بكلمك بصفتي وكيل عن طارق بيه. طارق مستعد يتنازل عن كل شيء، ويمضي على الطلاق في النيابة فورا، ويرجعلك الشقة والعربيات، مقابل إنك تتنازلي عن الشق الجنائي وقضية النصب.. إحنا ولاد ناس يا مدام ندى ومفيش داعي للفضايا في المحاكم، والصلح خير”.
أخدت نفس طويل، وبصيت لصورتي في مراية الأوضة.. الوش الباهت اللي شفته يوم المحور والمطر مابقاش موجود، ملامحي بقت حادة، قوية، وعينيا فيها لمعة نصر تزلزل.
قلت للمحامي بصوت هادي لدرجة الرعب: “قول لموكلك.. الصلح ده كان ممكن يحصل لو كان الموضوع فلوس بس.. إنما طارق ورانيا سرقوا مني عمري، اتريقوا على دمي اللي سال في العمليات، وعلى ولادي اللي نزلو من أحشائي قبل ما يشوفوا النور.. قول لطارق إن الـ 4 دقايق و12 ثانية بتوعه، تمنهم هيكون 12 سنة سجن و4 حيطان يكلم فيهم نفسه.. قفل السكة يا متر.. عشان أنا اللي هقفلها المرة دي”.
قفلت السكة في وشه، وبصيت للساعة.. بكره الصبح الساعة 10 هكون واقفة في المحكمة.. مش كضحية مكسورة بتعيط، لأ.. هكون واقفة كقاضي وجلاد بيتفرج على نهايتهم.. النهاية اللي هتبدأ كمان كام ساعة بس.حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الساعة دقت عشرة الصبح.
الجو بره قاعة المحكمة كان مغيم، ونسمة هوا باردة بتفكرني بريحة يوم المحور، بس الفرق إني النهارده مكنتش لوحدي، ومكنتش خايفة. أستاذ عاصم كان واقُف جنبي، لابس روب المحاماة الأسود بتاعه كأنه فارس يستعد لقطع رقبة الباطل.
الباب اتفتح، ودخلت القوة الأمنية وجايبين طارق ورانيا بالكلابشات.
طارق كان وشه دبلان، دقنه نبتت وبقت مخلطة بأبيض، وهدومه الشيك بقت متبهدلة. أول ما عينه جت في عيني، حاول يداري عكازه النفسي وبص في الأرض. أما رانيا.. فكانت شبه ميتة؛ وشها باهت من غير مكياج، وعينيها منفوخة من العياط، ولابسة إيشارب مدارية بيه نص وشها من نظرات الناس وفضايح الصحافة اللي كانت واقفة بره.
جوزها خالد كان قاعد في آخر القاعة، حاطط إيده على دماغه ومبيبصلهاش أصلاً، كان مستني بس اللحظة اللي يخلص فيها الكابوس ده.
“محكمة!”
الكل وقف في صمت مهيب. الحاجب نادى على القضية، وأستاذ عاصم وقف وبدأ مرافعته اللي هزت حيطان القاعة. مكنش بيتكلم بالقانون بس، كان بيتكلم بالحق والعدل. قدم الشيكات الأربعة اللي بتمثل خيانة الأمانة، وقدم تقرير البنك السويسري اللي بيثبت إن الفلوس اتحولت لحسابي أنا مش لحسابهم، وقدم المفاجأة الكبرى: تقرير خبير الأصوات الشرعي اللي بيؤكد إن الأصوات اللي في التسجيل هي لطارق ورانيا بدون أي تلاعب أو تزوير.
القاضي، وهو راجل وقور وعينيه بتطق شرار من كمية الخسة اللي في القضية، طلب سماع التسجيل في الجلسة.
الأوضة كلها سكتت.. وصوت طارق ورانيا طلع من سماعات المحكمة.
*”يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. دي بتخنقني ساعات، ببقى مش طايق نفسي معها!”*
ضحكة رانيا الخبيثة ملأت القاعة.. صوته وهو بيتكلم عن الـ 5 مليون.. وصوتهم وهما بيتريقوا على إجهاضي وولادي اللي ماتوا.
في اللحظة دي، القاعة كلها بقيت تبص لطارق ورانيا بقرف واشمئزاز ومفيش محامي من محامينهم قدر ينطق بكلمة واحدة أو يقدم دفع واحد. رانيا بدأت تصرخ وتعيط بنهيج وتشد في شعرها، وطارق وقع على ركبه في قفص الاتهام وهو بيداري وشه بإيديه الاتنين من الخزي.
أنا كنت واقفة في نص القاعة، ضهري مفرود، وعيني ثابتة عليهم. مكنتش حاسة بوجع، كنت حاسة بنوع من الطهارة، كأن سموم السنين دي كلها بتخرج من جسمي مع كل ثانية بتعدي من التسجيل.
القاضي رفع الجلسة للمداولة لمدة ساعة.. ساعة كاملة مرت عليا وكأنها ثواني.
لما رجع، ضرب بمطرقته على المكتب وقال بنبرة هزت القلوب:
“حكمت المحكمة حضورياً: أولاً: بمعاقبة المتهم طارق عبد الرحمن بالسجن المشدد لمدة 15 سنة، وإلزامه برد كافة الأموال والمصاريف. ثانياً: بمعاقبة المتهمة رانيا محمود بالسجن المشدد لمدة 7 سنوات بتهمة الاشتراك في النصب والتزوير وخيانة الأمانة، مع إحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة بخصوص قضية الزنا المقامة من زوجها”.
صوت الصريخ والولولة من أهل رانيا وطارق ملأ المكان، والعساكر بدأوا يسحبوهم على السجن. قبل ما طارق يختفي ورا الباب الحديدي، لف وبصلي بنظرة رجاء أخيرة، كأنه بيترجاني أنقذه.
بصيتله، ورفعت موبايلي في الهوا، ودست على زرار الحذف.. ومسحت تسجيل الـ 4 دقايق و12 ثانية للأبد.
أنا مش محتاجة أسمعه تاني.. الدليل أخد مجراه، والحقيقة ظهرت، والعدالة خدت حق ولادي اللي ملحقوش يشوفوا الدنيا، وحق أبويا اللي فلوسه ورثتلي قوتي.
خرجت من باب المحكمة، المطر كان بدأ ينزل تاني بالراحة.. بس المرة دي مكنش مغيم ولا ممسوح بصباع مبلول. المطر كان بيغسل الشوارع، وبيغسل قلبي معاها.
أستاذ عاصم قرب مني وابتسم: “مبروك يا بنت الغالي.. أبوكي مرتاح في تربته دلوقتي”.
قلتله وأنا باخد نفس عميق ومليان حرية: “الله يبارك فيك يا عم عاصم.. يلا بينا، عشان من النهارده.. أنا هبدأ أعيش حياتي بجد”.
ركبت عربيتي، دورتها، ومشيت في طريقي.. وأنا عارفة إن الست اللي كانت نية وعلى نياتها، ماتت واندفنت، واليوم اتولدت ست جديدة.. مفيش قوة في الدنيا تقدر تكسرها تاني.