ابويا حدف جواب قبولى

أبويا حدف جواب قبولي في الكلية على التربيزة، ودفع لأختي التوأم على طول، وبصلي وقال: “دي اللي تستاهل يتدفع فيها قرشين وتستثمر في تعليمها.. إنما أنتِ لورق الشجر”. بعد أربع سنين، دخل أبويا وأمي حفلة التخرج ومعاهم ورد، وقعدوا بكل فخر في أول صف، ومكنش عندهم أي فكرة مين الاسم اللي هيرج الاستاد كله بعد شوية.

​في الليلة اللي أبويا قال عليا فيها إني “خسارة فيا الفلوس”، أختي التوأم مكنتش سايعاها الفرحة.

كان قاعد على ترابيزة الصالون، في إيد جواب قبول “منى” في جامعة النيل الخاصة، وفي الإيد التانية جواب قبولي في جامعة بنها الحكومية، وكان بيقارن بينهم زي اللي بيحسب حسبة دكانة مش مستقبل بناته.

قال بلهجة قاطعة: “احنا هندفع لمنى في جامعة النيل.. مصاريف، وسكن، وكل حاجة”.

منى شهقت من الفرحة.

وأمي على طول دخلت في رغي وزغاريط وتخطيط لفرش أوضة السكن واللبس الجديد.

بعدين حدف المظروف بتاعي ناحيتي.

وقال: “مش هندفع ليكي في بنها.. أختك ليها مستقبل وشاطرة، إنما أنتِ على قدك، وجامعة النيل هي اللي تستاهل الاستثمار”.

بصيت في الجواب ودموعي محبوسة:

“طب وأنا هعمل إيه؟”

شبك صوابعه في بعض وقال ببرود:

“اتصرفي.. أنتِ طول عمرك بتتصرفي”.

بس كده.

لا كلمة طيبة.

لا جبر خاطر.

لا تردد حتى.

مجرد حكم نهائي نزل عليا في صالة بيتنا في الهرم، وأنا قاعدة ماسكة مستقبلي اللي هما قرروا إنه ميسواش مليم.

​في الليلة دي، فتحت اللاب توب القديم اللي منى رمت هولي من سنين، وقعدت أدور على: منح دراسية كاملة للطلبة المغتربين والاعتماد على النفس.

بعد تلات شهور، كنت جارة شنطتين هدوم ورايحة على أوضة إيجار بسيطة في شقة طالبات قريبة من جامعة بنها، وبدأت أبني حياة محدش فكر يخططها ليا.

الأوضة يا دوب كانت شايلة مرتبة ومكتب صغير.

كل يوم الساعة 4:30 الفجر، كنت أصحى عشان شفت الشغل في كافيه “صباح الخير”.

بعدين أطلع على المحاضرات.

بعدين مذاكرة.

ويومين الإجازة الجمعة والسبت كنت بشتغلهم في تنظيف المكاتب والشركات.

عرفت بالظبط يعني إيه تعيش وتكفي يومك بـ كيس أندومي وشوية كرامة وعناد.

​وجت أيام العيد الكبير.

المدينة والجامعة فضيوا وكل البنات سافروا لأهاليهم.

رغم كل حاجة، قلت أتصل بالبيت.

“ماما، ممكن أكلم بابا؟”

سمعت صوته في الخلفية بيقولها تقفل، قبل ما أمي ترد عليا:

“مش فاضي يا بنتي، تعبان ونايم”.

بالليل في نفس اليوم، منى نزلت صورة للعيلة وهي بتعيد.

سفرة مليانة رقاق ولحمة، ولمة دافية.

أبويا وأمي بيضحكوا جمبها.

السفرة كانت محطوطة لتلات أفراد بس.

المنظر ده كان المفروض يكسرني.

بس بالعكس، ده قساني وخلاني أركز أكتر.

​في الترم التاني، كنت هقع من طولي وأنا واقفة في شفت الفجر من التعب.

بعدها بيومين، دكتور مادة الاقتصاد بيوزع ورق الامتحانات.

الورقة بتاعتي كان مكتوب عليها امتياز +A بالحبر الأحمر.

وتحتها خط:

“تعاليلي المكتب بعد المحاضرة”.

خفت وافتكرت نفسي عاملة مشكلة.

الدكتور “رأفت بيل” استنى لحد ما المدرج فضي تماماً، وخبط بإيده على ورقتي.

وقال: “ده مش مجرد حل طالبة عادية.. مين اللي علمك تخافي وتفكري في الصغير بس؟”

ضحكت بمرارة وقلت:

“أهلي”.

وحكيت له كل حاجة.. الشغل، الإيجار، السحلة اللي أنا فيها، وكلمة أبويا بالظبط وهو بيرميني: “مش تستاهلي الاستثمار”.

الدكتور رأفت سحب ملف كبير من مكتبه.

وقال: “دي منحة زمالة ‘هاوثورن’ العالمية.. عشرين طالب بس على مستوى الجمهورية اللي بياخدوها.. تكفل كامل بالمصاريف، وسكن، ومرتب شهري كمان”.

رجعت الملف لورا وقلت:

“دي مش بتاعة ناس زيي يا دكتور”.

قرب الملف مني تاني وقال:

“لأ، دي معمولة بالظبط للناس اللي زيك”.

​كتبت طلب التقديم والطلبات قبل شفتات الفجر.

وراجعت المقالات بعد نص الليل.

وكنت بسمّع لنفسي أسئلة المقابلة الشخصية في الميكروباص.

وقعت من طولي مرة في الكافيه من الهبوط.

وكان فاضل معايا 150 جنيه بس في جيبي بعد ما دفعت الإيجار في أسبوع من الأسابيع.

ورغم كل ده، وصلت للتصفيات النهائية.

وبعدين.. كسبت المنحة.

​فتحت الإيميل بين المحاضرات وإيدي بترتعش، بس المرفقات اللي في الإيميل خطفت نفسي..

طلبة منحة هاوثورن من حقهم ينقلوا لجامعة شريكة في السنة الأخيرة ليهم.. وجامعة النيل الخاصة كانت في أول القائمة!

نفس الجامعة اللي أبويا قرر إني متستاهلهاش.

الدكتور رأفت فهمني إن الطلبة اللي بتنقل بالمنحة دي بيدخلوا برنامج المتفوقين، وغالباً الأول عليهم هو اللي بيلقي خطبة التخرج.

قدمت الورق، ومقولتش لأي مخلوق في بيتنا.

​جامعة النيل كانت بالظبط زي صور منى.. مباني رخام، نجيل الأخضر زي الملاعب، وطلبة باين عليهم العز ومضمون لهم النجاح من يوم ما اتولدوا.

في يوم، منى شافتني في المكتبة.

وقفت مكانها ومصدمومة، والآيس كوفي كان هيقع من إيدها:

“أنتِ بتعملي إيه هنا؟!”

“نقلت هنا”.

“ماما وبابا مقالوش حاجة!”

“عشان ميعرفواش”.

بصت على كتبي والمراجع اللي قدامي وقالت:

“ومين بيدفع لك مصاريف المكان ده؟”

“منحة”.

ومقلتش كلمة زيادة.

​تليفوني مبطلش رن وهز قبل ما أوصل سكن الطالبات.. مكالمات فايتة من أمي، رسايل عتاب من منى، ورسالة واحدة من أبويا: “كلميني”.

كلمته تاني يوم الصبح وأنا ماشية في ممرات الجامعة.

وقال بصوت حاد: “أختك بتقول إنك في جامعة النيل!”

“آه، مظبوط”.

“ونقلتي من غير ما تقولي لنا؟”

الطلبة كانوا بيعدوا من جمبي وأنا واقفة بثبات:

“مظفتش إن الموضوع يهمكم في حاجة”.

سكت شوية، بعدين قال:

“يعني إيه ميهم ناش؟ أنتِ بنتي!”

الكلمة كانت غريبة على ودني، فقلت له:

“هو أنا بنتك فعلاً؟ عشان اللي فاكراه إن اتقالي إني خسارة فيا الاستثمار”.

سكت تاني، بعدين سأل:

“وطب وبتدفعي مصاريف جامعة النيل منين؟”

“منحة هاوثورن للتميز”.

وقف الكلام للحظات، وقال:

“دي منحة صعبة جداً ومبتطلعش لأي حد”.

“عارفة”.

بعدين قال الجملة اللي عرفتني كل حاجة:

“خلاص.. أنا وأمك كده كده هنيجي حفلة تخرج منى، نبقى نتقابل هناك ونتكلم”.

عشان منى.. مش عشاني أنا.

​على ما جه الربيع، كانت أيامي كلها عبارة عن بروفات، وتجهيزات لمرتبة الشرف، وسكوت تام.

أبويا وأمي كانوا مغرقين الفيسبوك بوستات وفرحة بقرب تخرج منى.

مكنش عندهم أي فكرة لسه.

​يوم حفل التخرج جه والشمس طالعة ودافية.

الأهالي ملو استاد الجامعة بالبالونات، والكاميرات، وباقات الورد المغلفة.

دخلت من بوابة الاستاد بالروب الأسود، والوشاح الذهبي بتاع المتفوقين على كتفي، وميدالية “هاوثورن” للتميز بتلمع على صدري.

من مكاني قدام في صفوف الأوائل والمتفوقين، لمحتهم على طول.

الركشة الأولى، الصف الأول في النص بالظبط.

أبويا كان رافع كاميرته ومجهزها، وأمي ماسكة بوكيه ورد أبيض كبير.

ومنى قاعدة وراهم مع صحابها بتضحك وبتظبط الروب بتاعها.

كانوا واثقين من نفسهم أوي.

​المزيكا بدأت، ودكاترة الجامعة وعمداء الكليات طلعوا على المسرح، والأسماء بدأت تتقال ورا بعضها في المايك.

ضربات قلبي كانت سريعة وبتدق جامد.

بعدين رئيس الجامعة قرب من المايك ومعاه بطاقة الاسم.

أبويا رفع الكاميرا وركزها على المربع اللي قاعدة فيه منى.

وأمي اتعدلت وهي ماسكة الورد وجاهزة تقوم.

وفجأة، صوت رئيس الجامعة هز الاستاد وهو بيقول:

“والآن.. نرجو الترحيب بالطالبة الأولى على الجامعة وخريجة هذا العام لإلقاء كلمتها…”

 

نطق اسمي الثلاثي في المايكروفون. الصوت كان قوي وواضح وبيلعلع في كل ركن من أركان الاستاد.

​في اللحظة دي، شفت أبويا إيده اتجمدت على الكاميرا. الكاميرا اللي كانت موجهة لمنى نزلت ببطء، وملامحه اتخطفت تماماً. أمي وقفت نص واقفة وبوكيه الورد الأبيض في إيدها، وبصت يمين وشمال وهي مش مستوعبة، كأنها بتدور على حد تاني بنفس الاسم. أما منى، فضحكتها اختفت فجأة، وبقت تبصلي وهي حاطة إيدها على بوقها من الصدمة.

​قمت من مكاني بثبات، وبدأت أمشي خطوة بخطوة ناحية المنصة. صوت تصفيق الآلاف من الأهالي والدكاترة كان بيهز الأرض تحت رجلي، وميدالية “هاوثورن” الدهب بتخبط على صدري مع كل خطوة.

​وقفت ورا المايك، وبصيت على الاستاد كله.. وبعدين ركزت عيني عليهم هما التلاتة بالظبط. كانوا قاعدين في أول صف، باصين لفوق، مذهولين، كأنهم شايفين شبح مش البنت اللي رموها من أربع سنين.

​أخذت نفس عميق، وقربت من المايك وقلت:

“سيادة رئيس الجامعة، السادة العمداء، أساتذتي الأجلاء، وأهالي زملائي الكرام.. صباح الخير.

لما وقفت هنا النهاردة كالأولى على الجامعة، افتكرت جملة اتقالتلي من أربع سنين بالظبط في صالة بيتنا.. اتقالي إني ‘مش استثمار ناجح’، وإن مفيش فايدة من التعليم فيا. افتكرت الليلة اللي نمت فيها وأنا حاسة إن ماليش ضهر، وإن مستقبلي اترمى في الزبالة لمجرد إن معيش فلوس.”

​الاستاد كله سكت تماماً، لدرجة إن لو إبرة وقعت كانت تسمع. لمحت أمي وشها بقى أحمر وزي اللي هتعيط من الكسوف، وأبويا نزّل عينه في الأرض، مش قادر يحط عينه في عيني قدام الناس.

​كملت وصوتي مفيش فيه أي رعشة:

“النهاردة، أنا مش واقفة هنا عشان أثبت لنفسي حاجة، أنا واقفة عشان أقول لكل طالب وطالبة سهروا وتعبوا وشافوا أيام مفيش فيها تمن المواصلات: ربنا مبيضيعش أجر من أحسن عملاً. الاستثمار الحقيقي مش بفلوس الأهل، الاستثمار الحقيقي هو العناد، والكرامة، والاعتماد على الله ثم النفس. شكرًا لجامعة النيل، وشكرًا لدكتور رأفت بيل اللي آمن بيا لما أقرب الناس ليا اتخلوا عني.”

​نزلت من على المنصة، والاستاد كله قام على رجليه بيصقف بحرارة وصوت الهتاف مكنش بيوقف.

​لما الحفلة خلصت والناس بدأت تتجمع، شفتهم جايين عليا من بعيد. أمي كانت بتقدم الورد الأبيض وإيدها بترتعش، وعينها مليانة دموع ندم وقالت بصوت واطي: “مبروك يا بنتي.. احنا مش مصدقين.”

وأبويا قرب خطوة، كان باين عليه الكبر والعجز في نفس الوقت، وحاول يبتسم ويطبطب على كتفي وهو بيقول: “رفعتي رأسنا يا بنتي.. أنا كنت عارف إنك قدها.”

​بصيت للورد الأبيض، وبصيت لإيده اللي على كتفي، وشلتها بهدوء وابتسامة باردة:

“الله يبارك فيكم.. بس أنا مأخرة شفت الشغل بتاعي في الكافيه، ولازم أمشي. شكرًا على الورد.”

​لفيت ضهري ومشيت وسط زمايلي اللي كانوا بيحتفلوا بيا، وأنا شايلة شهادتي وكرامتي في إيدي.. ومستقبلي اللي بنيته بنفسي، ومحدش ليه جميله عليا فيه غير ربنا.

 

ركبت الميكروباص وأنا باصة من الشباك على طريق المحور، ماسكة شهادتي في حضني كأني ماسكة حتة من روحي. الدموع اللي حبستها أربع سنين نزلت أخيراً، بس مكنتش دموع وجع.. دي كانت دموع النصر، دموع البنت اللي حفرت في الصخر وضوافرها اتجرحت عشان تقف الطوق ده.

​وصلت الكافيه، دخلت من الباب والمدير وزمايلي في الشغل فاجئوني بزينة صغيرة وتورتة مكتوب عليها “مبروك يا دكتورة”. كلهم كانوا عارفين سحلي وتعب السنين دي. لبست المريلة بتاعتي وبدأت أشتغل، بس المرة دي وأنا راسي في السماء، حاسة إن كل زبون بناوله فنجان القهوة بيشوف في عيني لمعة نجاح مش هتنطفي أبداً.

​على الساعة 9 بالليل، تليفوني رن. كان رقم أبويا.

رديت بهدوء: “أيوة يا بابا”.

صوته كان متغير، مكنش فيه النبرة الحادة ولا الأوامر بتاعت زمان، كان صوت حد مكسور بيحاول يلم الباقي من هيبته: “أنتِ فين يا بنتي؟ احنا مستنيينك في البيت.. عملتلك أكل بتحبيه، وعايزين نقعد معاكي ونفرح بيكي بجد”.

​أخدت نفس طويل وقلتله: “شكراً يا بابا، بس أنا مش هقدر آجي. أنا نقلت حاجتي كلها من سكن المغتربات لأوضة تانية قريبة من الشغل الجديد اللي هبدأ فيه الأسبوع الجاي كمعيدة في الجامعة ومحللة اقتصادية في شركة كبيرة”.

​سكت لثواني، وكأنه مش مستوعب إن البنت اللي قال عليها “هتتصرف” اتصرفت فعلاً لدرجة إنها مبقتش محتاجاه. قال بصوت مرعش: “يعني إيه؟ مش هتيجي بيتك؟ مش هتقعدي وسط أهلِك؟”

​قلتله بمنتهى الأدب والجفاء: “البيت ده أنا خرجت منه من أربع سنين لما حدفتلي الجواب وقلتلي إنك مش مستعد تستثمر فيا. أنا يومها مشيت، وربنا هو اللي تولاني. الاستثمار بتاعك نجح النهاردة يا بابا.. منى اتخرجت، فروحوا افرحوا بيها. أنا خلاص، استثمرت في نفسي وبقيت صاحبة عمري”.

​قفلت السكة قبل ما أسمع رده. مكنش قصدي قسوة، بس كان لازم يفهموا إن كسر الخواطر ليه تمن، وإن في حاجات لما بتموت جوانا مبيحييهاش بوكيه ورد ولا كلمتين حلوين في وقت مصلحة.

​حطيت التليفون في جيبي، وبصيت لنفسي في مراية الكافيه. البنت اللي كانت واقفة قدامي مكنتش خايفة ولا شايلة هم بكرة. كنت شايفة إنسانة قوية، مأمنة بـ إن اللي معاه ربنا مبيلويش دراعه حد، وإن السعي الحلال والكرامة هما الرهان الوحيد اللي عمره ما يخسر.

 

بعد تلات سنين من اليوم ده، الدنيا لفت لفة مكنش حد يتوقعها.

​كنت قاعدة في مكتبي الجديد في الشركة الاستثمارية الكبيرة اللي بقيت مديرة قسم التحليل المالي فيها، جمب شغلي كمعيدة في الجامعة. التكييف شغال، وقدامي لابتوب أحدث موديل، والقهوة بتنزلي بميعاد. افتكرت اللاب توب القديم والمكسور بتاع منى اللي بدأت بيه، وابتسمت وأنا بحمد ربنا في سري على كرمه وعوضه.

​الباب خبط، والسكرتيرة دخلت وقالتلي بصوت واطي: “يا دكتورة، في واحد بره اسمه سيف الدين.. بيقول إنه والدك، ومعاه بنت. مفيش معاهم ميعاد بس هو تعبان جداً وبيترجاني يدخل يشوفك دقيقتين.”

​قلبي دق بسرعة، بس ثبت نفسي وقلت لها: “دخليهم يا ياسمين.”

​الباب اتفتح، ودخل أبويا. الزمن كان حافر في وشه علامات كتيرة، ضهره كان محني، ومكنش لابس البدلة الشيك اللي كان بيروح بيها حفلات منى.. كان باين عليه الهم. ووراه دخلت منى، وشها شاحب، باصة في الأرض، ومكسورة كسر عمري ما شفته فيها قبل كده.

​وقفت ترحيباً بيهم من باب الذوق والأدب، وشاورت لهم يقعدوا.

​أبويا بص للمكتب الكهرماني والشركات اللي برا، وعينه دمعت. قال بصوت مبحوح: “بسم الله ما شاء الله.. ربنا يزيدك يا بنتي.”

رديت بهدوء: “أهلاً يا بابا.. اتفضلوا، تشربوا إيه؟”

قال بسرعة وهو بيفرك إيده: “لا يا بنتي مش جايين نشرب.. احنا جايين في مصلحة، ومفيش غيرك بعد ربنا يقدر ينجدنا.”

​بصيت لمنى اللي كانت بتبكي من غير صوت، وسألته: “خير؟ في إيه؟”

​أبويا اتنهد تنهيدة شقت صدره وقال: “جامعة النيل الخاصة والشهادة المنظرة اللي دفعنا فيها دم قلبنا منفعوش أختك.. منى اتخرجت ومشتغلتش، وقعدت في البيت. من سنة، جالي واحد اتقدم لها، قال إنه رجل أعمال وعنده مشاريع. وافقت وعطيته كل اللي حيلتي.. ومضيت على نفسي وصلات أمانة وشيكات عشان أجهّزها بأحسن جهاز عشان متبقاش أقل من حد. وفي الآخر.. طلع نصاب. أخد الفلوس والذهب وهرب، وأختك رجعتلي مطلقة ومكسورة، وأنا عليا حكم حبس تنفيذي الأسبوع الجاي بسبب الشيكات.”

​الوضوح كان صاعق. الاستثمار اللي أبويا راهن عليه بكل فلوسه وباعني علشانه.. انهار بالكامل.

​أبويا اتمرمغ في دموعه وقام من مكانه، وكان جاي يوطي على إيدي، فمسكته بسرعة ومنعته: “استغفر الله العظيم يا بابا! متعملش كده، اذكر الله.”

منى رفعت رأسها وقالت وهي بتموت من الكسوف: “الحقينا يا ياسمين.. أبوكي هيروح في الرجلين. أنا آسفة.. آسفة على كل يوم كنت بتباهى فيه عليكي وأنا عارفة إنك مظلومة.”

​قعدت على الكرسي بتاعي، وبصيت للسقف.. وافتكرت ليلة العيد الصغير وأنا باكل أندومي لوحدي وهما منزلين صورة السفرة. وافتكرت طردتي من الصالون. كان ممكن في اللحظة دي أتحول وأنتقم، وأقولهم “ذوقوا من نفس الكأس”. بس الإسلام وديننا علمنا إن العقوق مبيتردش بعقوق، وإن الأهل -مهما قسيوا- ليهم حق البر، والشهامة مابتتجزأش.

​سحبت دفتر الشيكات بتاعي من الدرج، وكتبت رقم المبلغ اللي عليه كله وزيادة.

​قطعت الشيك وقدمته لأبويا وقلتله: “ده شيك بالمبلغ كله.. تسدد الديون وترفع القواضي، ومحدش هلمس شعرة منك.”

أبويا مسك الشيك وهو مش مصدق، وبقى يبوس الشيك ويبصلي ودموعه مغرقة وشه: “سامحيني يا بنتي.. أنا ظلمتك.. أنا رميت الدهب في التراب وجريت ورا السراب! أنتِ اللي كنتِ الاستثمار الحقيقي.”

​ابتسمت ابتسامة هادية وقلتله: “أنا مسمحاكم من زمان يا بابا.. بس الشيك ده لله، ولأجل صلة الرحم اللي ربنا أمرنا بيها، مش عشان أثبتلك إني كنت صح. الفلوس دي فلوس شغلي وحلالي، وربنا هو اللي استثمر فيا لما أنتوا سبتوني.”

​وقفت وفتحت الباب: “تقدروا تروحوا تلحقوا الإجراءات.. وحمد الله على سلامة منى، ربنا يعوضها بالأحسن.”

​خرجوا من المكتب وهما بيدعولي في كل خطوة، وأبويا ضهره اتفرد شوية بعد ما انزاح من عليه هم السجن. قفلت الباب وقعدت ورا مكتبي، وبصيت للسماء وقلت: “لك الحمد والشكر يا رب.. أكرمتني وخليت إيدي هي العليا.. وعوضتني عن كل كسرة خاطر بـ مقام مكنتش أحلم بيه.”

مرت الأيام والشهور، وبقيت مركزة في طريقي وبس. الديون اتسددت، والموضوع عدا، ورجعت لحياتي الهادية بين مدرجات الجامعة ومكتبي في الشركة. علاقتي بأهلي بقيت قايمة على “البر” بحدوده الشرعية؛ بسأل عليهم، ببعت ليهم اللي يحتاجوه، بس في مسافة أمان واضحة.. مسافة بتحمي قلبي من إنه يتكسر تاني.

​في يوم، جالي مكتب رئيس مجلس إدارة الشركة، ولقيت معاه دكتور رأفت بيل، أستاذي القديم اللي كان صاحب الفضل عليا بعد ربنا.

دكتور رأفت ابتسم أول ما شافني وقال: “يا ياسمين، أنا فخور بيكي كل يوم أكتر من اللي قبله. الشركة هنا بتكبر، والجامعة كمان محتاجة كفاءتك. بس النهاردة أنا جاي بصفتي رئيس لجنة صندوق ‘هاوثورن’ في الشرق الأوسط.”

​بصيت له باهتمام، فكمل وهو بيسلمني ملف شيك جداً: “المنحة قررت تفتح فرع إقليمي دائم هنا في مصر، عشان تدعم الطلبة المتفوقين اللي بيمروا بظروف صعبة ومش قادره أهاليهم يتكفلوا بيهم. واحنا مش ملاقيين حد يمسك إدارة الصندوق ده ويكون رئيس لجنة الاختيار غيرك.. أنتِ أكتر واحدة حاسة بالشباب دول، وعارفة يعني إيه طالب بيعافر لوحده في الدنيا.”

​في اللحظة دي، حسيت بقشعريرة في جسمي كله. دموعي نزلت من الفرحة.. ربنا مش بس عوضني، ده كمان بيستخدمني عشان أكون سبب في جبر خواطر ناس تانية عاشوا نفس وجعي. وافقت طبعاً ومن كل قلبي.

​أول يوم بدأت فيه شغل في الصندوق، كنت قاعدة ورا مكتب اللجنة، وقدامي ملفات مئات الطلبة. فتحت أول ملف، وبدأت أقرأ قصص لشباب وبنات، أهاليهم اتخلوا عنهم، أو ظروفهم المادية وقفت ضد أحلامهم.

​سحبت القلم الأحمر بتاعي، وبدأت أمضي بالموافقة على المنح، وأنا بفتكر نفسي زمان. كنت بكتب لكل طالب فيهم كلمة تشجيعية تحت إمضائي: “عافر.. أنت استثمار نفسك، وربنا دايماً جمب اللي بيسعى”.

​في نهاية اليوم، خرجت من مبنى الصندوق، وكانت الشمس بتغرب والجو جميل. لقيت أبويا واقف مستنيني برا جمب عربيتي، ومعاه كيس أسود صغير.

قربت منه بابتسامة: “أهلاً يا بابا، واقف في الحر ليه؟ كنت اتصلت بيا طلعتك المكتب فوق.”

​أبويا بص في الأرض بكسوف، وطلع من الكيس علبة قطيفة قديمة، وفتحها.. كان فيها “غويشة دهب” من بتوع أمي.

قال بصوت حنين مليان رجاء: “يا بنتي.. أنا عارف إن فلوس الدنيا كلها مش هتعوضك عن ليلة واحدة نمتي فيها زعلانة بسببنا. بس الغويشة دي أمك شايلاها من زمان، وقالتلي ادهالي لياسمين.. مش تمن لأي حاجة، بس دي الحاجة الوحيدة اللي حيلتنا دلوقتي ونفسنا تقبليها مننا.. كـ دليل إننا بنحبك، وإننا أسفين بجد.”

​بصيت للغويشة القديمة، وبصيت لوش أبويا اللي بان عليه الندم الحقيقي. في اللحظة دي، حسيت إن الحِمل اللي كان على قلبي انزاح تماماً. الوجع القديم داب، وحل محله راحة غريبة.

​مديت إيدي وأخدت العلبة منه، وابتسمت من قلبي: “مقبولة يا بابا.. وتسلم إيد أمي. يلا بينا عشان أعزمكم على العشا النهاردة.”

​ركبنا العربية مع بعض، وأنا باصة للطريق قدامي، حامدة ربنا وشاكرة فضله. أدركت إن المنع ساعات بيكون هو عين العطاء، وإن لو مكنتش مرت بالظروف دي، مكنتش هبقى “ياسمين” القوية، الناجحة، اللي إيدها هي العليا، واللي قدرت تحمي أهلها وتنقذهم في وقت شدتهم.

​القصة مكنتش قصة فلوس وجامعات.. القصة كانت قصة ثقة في الله، ويقين بأن اللي بيتقي ربنا وبيعتمد عليه، بيجعل له من كل ضيق مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *